بعض الموسيقات تتجاوز العزف لتستحضر طبقات بعيدة من الذاكرة، موسيقات تشبه رائحة التراب بعد المطر، أو ظلّ شجرة زيتون هرمة تحفظ في جذعها أسرار أجيال كاملة، موسيقات تأتي من أماكن لا تراها العين لكن الروح تستشعرها.
وفي قاعة الفن الرابع، مساء السادس من شهر جوان، تبدّى بعض من هذه الموسيقات في عرض “ڤربي” وتشرّع صندوق ذكريات قديم وتسربت أصوات نساء أطلقن الزغاريد في مواسم الفرح، ورجال حملوا مواويلهم عبر الحقول والجبال، وأغان عبرت الزمن من فم إلى فم حتى استقرت في الوجدان الجماعي للتونسيين.
“ڤربي” رحلة في طبقات الهوية الصوتية التونسية، رحلة تنطلق من الذاكرة الشعبية لتصل إلى تخوم التجريب المعاصر.
واختيار الإسم ليس اعتباطيا، فالڤربي في المخيال الشعبي هو ذلك الفضاء الضيق الذي لا تدخله الشمس إلا عبر فتحة واحدة، لكنه أيضا مكان حميم، ومخزن الأسرار الصغيرة، والذاكرة التي لا تراها العيون.
فقد أغلق نضال اليحياوي باب العالم الخارجي لبعض الوقت، وفتح بابا آخر على الداخل، على تلك المنطقة الغامضة التي تتقاطع فيها الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية.
ومنذ اللحظات الأولى، باحت السينوغرافيا بروح المشروع فلم تكن الشاشة خلفية محايدة، بل مساحة سرد موازية للموسيقى، تعاقبت فيها الرموز الأمازيغية والعلامات البصرية المستلهمة من الموروث المحلي.
وكانت كل العناصر البصرية والصوتية تذكّرنا بأن ما نراه ونسمعه ليس مادة فنية فحسب، بل امتداد لتاريخ طويل من التراكم الثقافي والحضاري.
أما الإضاءة فقد نسجت فضاءً بين العتمة والكشف، وبين الخفاء والظهور، كما لو أن العرض بأكمله يقوم على فعل التنقيب في طبقات الذاكرة.
لكن الرهان الحقيقي لـ”ڤربي” لم يكن بصريا، بل موسيقيا بالأساس، فالمشاريع التي تقترب من التراث تقف دائما أمام إشكالية دقيقة تدور حول كيفية تحديث التراث دون تشويهه وكيفية إعادة تقديم الموروث دون الوقوع في التكرار.
فالاشتغال على التراث اليوم أصبح منطقة شديدة الالتباس، فكثير من المشاريع تقع في غواية الفولكلور، تتعامل مع الموروث كأكسوار ، ومشاريع أخرى تقع في غواية الحداثة المفرطة، فتفرغ المادة التراثية من روحها.
نضال اليحياوي اختار طريقا ثالثة أكثر صعوبة وتعقيدا وأقل استعراضا، إذ لم يسع إلى تفكيك الأغاني التراثية وإعادة تركيبها بشكل “مربك” كما يحدث أحياناً في بعض تجارب المزج.
كما لم يكتف بإعادة إنتاجها في قوالبها الأصلية، بل بدا وكأنه ينصت إليها أولاً، ثم يقترح احتمالات أخرى لحياتها.
في عدد من المقاطع، كانت الألحان التراثية تظهر في شكلها الأصلي، حاملة معها شحنة وجدانية كثيفة، لكن هذه الألحان لم تبق حبيسة بنيتها التقليدية.
فكانت المعالجات الإلكترونية تتسلل إليها تدريجيا، تشبه الريح التي تمر بين أغصان شجرة عتيقة، لا تغير شكلها، لكنها حينما ترتطم بأوراقها تُسمعنا موسيقى مغايرة.
وفي بعض المقاطع بدا الحوار بين العنصرين التراثي والإلكتروني متوازنا ودقيقا إلى حد الإبهار، بينما بدت بعض المقاطع الأخرى أكثر ميلا إلى التراكم الصوتي.
وأحيانا كانت الطبقات الإلكترونية الكثيفة تنسحب لكي لا تحجب التفاصيل الدقيقة التي تمنح الأغنية التراثية خصوصيتها التعبيرية.
وإذا كانت قوة الأغنية الشعبية تكمن في بساطتها وقدرتها على النفاذ مباشرة إلى الوجدان، فإن بعض المعالجات بدت أحيانا وكأنها تضيف مسافة تأويلية بينها وبين المتلقي.
لكن هذا التوتر نفسه بين البساطة والتعقيد، بين الأصل والتحويل، هو ما يجعل المشروع مثيرا للاهتمام.
أما صوت نضال اليحياوي، فقد بدا طوال العرض أشبه بخيط سري يصل بين ضفتي التجربة، فهو لم يسع إلى استعراض قدراته الصوتية بقدر ما انشغل بحمل الحكاية نفسها، كان صوته يتحرك داخل الأغاني بحذر المحب الذي يعرف أن ما يحمله أثمن من أن يتحول إلى زينة.
وعميقا، المسألة أبعد من الموسيقى فالعرض يسائل معنى الانتماء نفسه، كيف يمكن أن ننتمي إلى ماضينا دون أن نسكنه؟ كيف نحمل ذاكرتنا دون أن تتحول إلى عبء؟ وكيف نصنع حداثتنا دون أن نقطع الخيط الذي يصلنا بمن سبقونا؟
و تكمن أهمية “ڤربي” في أنه لا يتعامل مع التراث من منطلق البكاء على الأطلال ولا القطيعة بل يتعامل معه بوصفه طاقة حية منفتحة على التجديد.
ولعل أجمل لحظات العرض كانت تلك التي خرج فيها الجمهور من موقع المتفرج إلى موقع الشريك، حين ارتفعت الزغاريد من قلب القاعة، وحين بدأت الأجساد تستجيب للإيقاع دون تفكير، وحين تلاشت الحدود بين الركح والمدرجات.
في تلك اللحظات، لم يعد العرض لنضال اليحياوي والعازفين المصاحبين، بل عادت أغانيه إلى مهدها الأول، إلى الناس، إلى المجال الذي وُلدت فيه أصلا، حيث لا وجود لحاجز بين المؤدي والمتلقي، لأن الجميع يشارك، بشكل أو بآخر، في صناعة الأغنية واستمرارها.
وخلف كل مقطع موسيقي، وخلف كل اختيار جمالي، تختبئ سنين من الإصغاء والبحث والنبش في الأرشيف وتتشكل منطقة وسطى لا تقطع مع الماضي ولا تكتفي بنسخه.
من هذه المنطقة الوسطى استمد المشروع فرادته وقيمته فهو ليس دعوة إلى العودة إلى الوراء، بقدر ما هو دعوة إلى إعادة الإنصات إلى ما تؤويه الأغاني القديمة من حكايات.
ومثل ذلك الباب الوحيد الذي يمنح “الڤربي” اسمه ومعناه، فتح العرض منفذا بين عالمين هما عالم الذاكرة بما يحمله من أصوات وصور ورموز، وعالم الحاضر بما يتيحه من أدوات ورؤى واحتمالات.