ثمة أناس لا يغادرون حين يرحلون، تنسحب أجسادهم من المشهد، لكن شيئا منهم يبقى معلقا في الهواء، في الجدران التي عرفتهم، في الأصوات التي جاورتهم، وفي القلوب التي لم تتعلم بعد كيف تتقبل فكرة الغياب. وكان عبد القادر الجزيري واحداً من هؤلاء.
في أربعينيته التي احتضنتها أكاديمية زياد غرسة للمالوف والفنون، لم يجتمع الحاضرون حول ذكرى رجل توارى خلف الأفق، بل كانوا يلتفّون حول أثر ما زال حياً، حول نغمة لم تكمل ارتجافها الأخير بعد.
منذ اللحظة الأولى، بدا المكان وكأنه يستدعي زمناً آخر، زمن كانت فيه الموسيقى أسلوب حياة وإرثا روحيا غير قابل للسلعنة.
وسط الوجوه المتأمّلة، كان العم قدور يعود من منافذ الذاكرة جميعها؛ من صور بالأبيض والأسود، من تسجيلات قديمة، من حكايات يرويها أصدقاء، ومن دمعات خجولة تحاول أن تختبئ خلف الكلمات.
وحين انطلق التقرير الذي أعده الإعلامي لطفي البحري ليستعرض مسيرته، كان أشبه بمرثية بصرية لتونس أخرى، تونس الحرفيين والعازفين والحالمين الذين صنعوا جمال هذا البلد بصمت.
رأيناه طفلاً في باب سعدون، في ذلك الركن من العاصمة حيث كانت الحياة تسير على مهل، وحيث كانت البيوت تحفظ أصوات سكانها كما تحفظ الأسرار.
هناك، بين خيوط الحرير التي ورث صناعتها عن والده، بدأت تتشكل خيوط أخرى أكثر خفاءً، خيوط ستربطه بالموسيقى إلى آخر العمر.
ولعل أجمل ما في سيرته أنه لم يدخل الفن من باب الشهرة، بل من باب العشق، لم يكن يبحث عن منصة أو تصفيق أو صورة في صحيفة. كان يبحث عن رجفة سرية تتشكل داخل الروح عندما يلامس الإصبع الوتر الصحيح، لذلك ظل طوال حياته أقرب إلى الناس الذين يخدمون الفن من أولئك الذين يستخدمونه.
وحين تواترت الشهادات، لم يتحدث كل من عبد الرؤوف الباسطي ورؤوف بن عمر والشاذلي بن يونس عن عازف قانون فقط بل عن زمن كامل.
كان الشهود يستعيدون إنساناً جعل التواضع أسلوب وجود ويرسمون ملامح رجل يشبه البيوت القديمة؛ متيناً من الداخل، ودافئاً من الخارج، ومفتوحاً دائماً للزائرين.
لقد بدوا كمن يستحضر واحداً من حرّاس الذاكرة الموسيقية الذين وقفوا بين التراث والنسيان، مانعين السقوط في هاوية القطيعة.
وجاءت شهادة زياد غرسة مختلفة في عمقها، بدت أقرب إلى حوار بين أبناء الشجرة الواحدة، لم يكن يتحدث عن زميل رحل، بل عن جذر من الجذور التي غذّت المشهد الموسيقي التونسي لعقود.
وفي كل كلمة كان يظهر ذلك المعنى النادر وهو الوفاء، الوفاء للفن، وللأساتذة، وللرفاق، وللأسماء التي صنعت الطريق ثم واصلت السير فيه بصمت.
وما يجعل العم قدور شخصية استثنائية ليس ما أنجزه فقط، بل الطريقة التي أنجز بها ذلك، لقد عاش في زمن كانت فيه الأضواء تمر بعيداً عن كثير من المبدعين الحقيقيين. ومع ذلك لم يتذمر، ولم يطالب بحقه في المجد، ولم يدخل في صراع مع النسيان. كان يعرف أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من يصفقون له، بل بعدد الأرواح التي يترك فيها أثراً جميلاً.
لذلك، حين بلغ الستين، لم يتوقف، عاد إلى القانون من جهة أخرى، لم يكتف بعزفه، بل شرع في صناعته. وكأن العمر كله كان محاولة لفهم هذه الآلة من الداخل. أن يصنع القانون بيديه بعد أن أمضى عقوداً يصنع به الموسيقى، ليست حرفة فحسب، بل شكل من أشكال الشغف.
ثم جاءت السنوات الأخيرة، سنوات نقل الأمانة، فأسس نوادي الغناء، وفتح خزائن ذاكرته للأجيال الجديدة، لم يحتكر المعرفة، بل وزعها كما يوزع الفلاح بذوره في الحقول، كان يعرف أن التراث لا يموت عندما يغيب أصحابه، بل عندما يتوقف انتقاله.
وفي تلك اللحظة تحديداً، يصبح الإنسان أكبر من نفسه، يصبح جسرا، والعم قدور كان جسرا بين تونس الأمس وتونس اليوم، بين الموشح القادم من قرون بعيدة وأذن شابة تكتشفه للمرة الأولى، بين الذاكرة والنسيان، بين الوتر والصمت.
وفي أربعينيته، بدا العم قدور حاضراً أكثر من الغائبين، كان يسير بين الكلمات، ويطل من الصور والوجوه، كان فنانا ترك خلفه ما يكفي الأثر لكي يظل حاضرا في حكايات الأصدقاء وفي اهتزاز أوتار القانون تحت أصابع عاشقيه.