وجهت أرملة الدكتور سليم بن صالح، كوثر بلخيرية، رسالة مفتوحة إلى رئاسة الجمهورية التونسية وإلى كافة المسؤولين المعنيين، تطرقت فيها إلى حيثيات وفاة زوجها في مطار تونس قرطاج الدولي.
وفي ما يلي الرسالة التي ترجمتها رياليتي أون لاين عن نص أصلي باللغة الفرنسية :
“سيظل يوم الجمعة 9 جانفي 2026 محفورا في ذاكرتي إلى الأبد، كأحد أكثر أيام حياتي عتمة. تاريخ مؤلم موسوم في قلبي بجرح لا يندمل، اليوم الذي فقدت فيه زوجي في ظروف لا تليق بدولة تريد أن تكون حامية لمواطنيها.
وقعت الأحداث في مطار تونس قرطاج الدولي، واجهة البلاد وبوابة دخولها. مكان يُفترض أن يرمز إلى الأمن والنظام وقدرة الدولة على حماية حياة الناس. غير أنّه تحوّل في ذلك اليوم إلى مسرح مأساة كان بالإمكان تفاديها.
كنت حاضرة منذ وصولنا إلى المطار، برفقة ابنتنا الكبرى لينا، وزوجها وطفليهما. كل لحظة مازالت محفورة في ذاكرتي بدقة موجعة، منذ أولى علامات الوعكة الصحية التي أصابت زوجي، الدكتور سليم بن صالح، جرّاح الأطفال والرئيس السابق للمجلس الوطني لعمادة الأطباء، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.
بعد ما يزيد عن ربع ساعة منذ بداية توعكه، تدخّل أخيرا أحد الممرضين، فوضع سليم على كرسي متحرّك لنقله إلى مكان تم تقديمه على أنه وحدة إسعاف بالمطار. رافقته ابنتي وسألته فورا إن كان هناك طبيب في المكان، فجاء الردّ قاطعًا: لا، الطبيب خرج للتو، دون أي توضيح إضافي.
سألته بعدها عن توفر أدوية الطوارئ: ناتيسبراي، بلافيكس (كلوبيدوغريل)، أسبِجيك، أو أي علاج أساسي يُستعمل في حالات الاشتباه بالجلطة القلبية. وكان الجواب مرة أخرى حاسمًا: لا.
أمام هذا الغياب التام لوسائل الإنقاذ، طلبت مني ابنتي التوجّه مسرعة إلى صيدلية المطار للبحث عن تلك الأدوية، أملا في إنقاذ والدها ريثما تتوفّر رعاية طبية.
أمام باب غرفة التمريض وُضع سليم على سرير، أمام أنظار حفيديه المصدومين. والجهاز الوحيد المتوفر كان جهاز تخطيط قلب قديم ومتهالك، بالكاد يعمل. استطاعت ابنتي، وهي طبيبة، تشغيله لتؤكد وجود جلطة قلبية في طور التفاقم، دون أن يتوفر أي علاج أو وسيلة للتدخل.
أما صيدلية المطار، فلم يكن فيها أي من الأدوية المطلوبة، لقد نفذت كلها.
ذلك المكان الذي قُدّم على أنه وحدة إسعاف لم يكن في الحقيقة سوى غرفة فارغة : لا تجهيزات طوارئ، ولا جهاز صدمات كهربائية صالح للاستعمال، وخزانة طبية مغلقة ومفاتيحها مفقودة، وقارورة أوكسجين مهترئة، وجهاز مراقبة معطّل.
لا شيء على الإطلاق لمواجهة حالة طبية حرجة.
عمّ الذعر الجميع، بما فيهم سليم، الذي ورغم ألمه الشديد لم يفقد الأمل. كان يتوسّل أن يُنقل إلى مستشفى أو مصحّة، ويردد بألم: «علاش هك تخليوني نتوجّع»
بل أراد الاتصال بوزير الصحة للتنبيه إلى هذه الإخلالات الخطيرة. لكن لا من مجيب.
اتصلت ابنتي بالإسعاف الطبي (SAMU 01)، فجاء الردّ صادما : لا يمكنهم التدخل لأن فريقا طبيا يُفترض أن يكون موجودا بالمطار، ولأن دخول سيارات الإسعاف قد يكون ممنوعا من قبل السلطات. صرخت فيهم يائسة: «والدي يتعرض لجلطة قلبية. أنا طبيبة، وأنا الوحيدة الموجودة هنا على عين المكان، ولا أملك أي وسيلة لإنقاذه. لديكم واجب أخلاقي ومهني للتدخل فورا».
بعد أكثر من ثلاثين دقيقة، وصل طبيب المطار أخيرا. عرضت عليه ابنتي تخطيط القلب الذي يثبت وجود جلطة متقدمة، فانشغل بالبحث عن مفاتيح الخزانة الطبية. في الأثناء، تم إجراء قسطرة وريدية وتزويد سليم بالأوكسجين باستخدام معدات بالية.
وفي تلك اللحظة تحديدا، توقّف قلب سليم بين ذراعي ابنته المنهارة، التي كانت تحاول طمأنته حتى آخر لحظة.
بدأ الإنعاش القلبي متأخرا، ثم نُقل جسد زوجي في سيارة إسعاف. حاولت ابنتي مرافقته، مذكّرة مرارا بأنها طبيبة، لكنها منعت من ذلك.
أنا لست طبيبة.
لكنني شاهدة على ما رأيته بعينيّ. وفي تلك اللحظة أدركت أنهم يحاولون التستّر على حقيقة موجعة:
سليم توفي داخل المطار، بسبب غياب الرعاية الطبية الملائمة.
والله على ما أقول شهيد.
هذه الرسالة ليست مجرد صرخة ألم، بل نداء صريح للمسؤولية والعدالة والكرامة. ما حدث لزوجي يمكن أن يحدث لأي مواطن تونسي. ولا يمكن لأي دولة أن تدّعي التقدّم وهي تغضّ الطرف عن إخفاقات”.