في معرض “أزياء على الخشبة: ذاكرة السينما التونسية”، لا يتعلق الأمر باستعادة ما ارتدته الشخصيات في لحظات تصوير ، بل نحن إزاء تفكيك عميق لفكرة “الأثر” بوصفه ما يتبقى حين تنسحب الحياة من سطحها المرئي.
ما أنجزه مهرجان قابس سينما فن في دورته الماضية هو نقل الأزياء من هامش الوظيفة إلى مركز الدلالة، بحيث تصبح وسيطا فكريا وجماليا يعيد مساءلة علاقتنا بالصورة، وبالجسد، وبالزمن نفسه.
في دار المدب، بدت القطع المعروضة التي انتقاها مصمّم أزياء السّينما التونسي صالح بركة بمعية ريم عباس، وكأنها خرجت للتو من مشاهدها، لكنها في الآن ذاته منفصلة عنها، معلّقة في منطقة بين الحضور والغياب مشكلة وضعية أنطولوجية دقيقة.
فالأزياء لم تعد تخدم شخصية، ولم تعد خاضعة لعين الكاميرا، بل تحرّرت لتدخل في حوار جديد مع المتلقي.
عند هذه النقطة تحديدا، يتحقق الانزياح الجمالي الذي يمنح المعرض فرادته، إذ تتحول المادة إلى حامل لذاكرة حسية تتجاوز السرد الفيلمي.
في الأثناء، يشتغل القماش كطبقة تسجيل غير مرئية لما لا تلتقطه العدسة من تعرّجات الحركة، وتوتر العضلات، وتردد الإيماءة، وانكسارات اللحظة التي تمرّ دون أرشفة.
إننا أمام نوع من “الأرشيف الحيّ” الذي ينقلنا من التوثيق إلى الاستحضار، ومن الرؤية إلى اللمس، ولعلّ أكثر ما يمنح هذا المسار عمقه هو اختياره أن يقاوم منطق العرض المتحفي الكلاسيكي.
فبدل الترتيب الزمني أو التصنيف الموضوعاتي، نجد أنفسنا داخل شبكة من العلاقات المفتوحة، حيث تتجاور أعمال تنتمي إلى سياقات مختلفة دون أن تُختزل في تاريخ واحد أو خطاب موحد.
هذه الفوضى المدروسة تحاكي اشتغال الذاكرة البشرية، التي لا تستعيد الماضي كخط مستقيم، بل كتشظيات تتقاطع وتتنافر وتعيد تشكيل نفسها باستمرار.
في هذا الترتيب، لا تبدو الأزياء شواهد على أفلام بعينها، بل تتحول إلى نقاط التقاء بين تجارب جمالية متباينة.
فحين تتقاطع أعمال مفيدة التلاتلي مع مقاربات سلمى بكار، لا يكون الأمر استعادة لأسلوبين إخراجيين فقط، بل كشفًا عن كيفيات مختلفة لتمثيل الجسد النسوي داخل المنظومة البصرية التونسية.
الجسد هنا ليس معطى ثابتا، بل فضاء للصراع، وللتفاوض، ولإعادة التعريف، والملابس، في هذا الإطار، ليست سوى سطح تتجلى عليه هذه التوترات.
ومن جهة أخرى، يفتح المعرض أفقًا للتفكير في العلاقة بين السينما والفنون المجاورة، خاصة المسرح وتحمل بعض القطع المعروضة أثر هذا التداخل بوضوح، حيث تتجاوز وظيفتها التمثيلية لتصبح جزءًا من تركيب بصري أشمل.
هذا الامتزاج يكشف عن هشاشة الحدود بين الفنون، ويعيد طرح السؤال القديم حول استقلالية الوسائط، لكن من زاوية معاصرة ترى في التهجين مصدرًا للغنى لا تهديدًا للهوية.
أما السينوغرافيا، فهي لا تكتفي بتأطير الأعمال، بل تدخل في صلب الخطاب، ويشكل المسار دعوة إلى الانخراط الجسدي في التجربة.
والحركة داخل الفضاء تصبح امتدادًا لحركة الكاميرا، والانتقال بين القطع يحاكي المونتاج، بحيث يجد المتلقي نفسه داخل “فيلم مفكك” يعيد تركيبه بخطاه ونظرته.
هذا التورط الحسي يخلق علاقة جديدة مع المعروض، علاقة لا تقوم على المشاهدة من الخارج، بل على العبور من الداخل.
وفي هذا العبور، يتبدّى عنصر الزمن كأحد المحاور الخفية للمعرض، فكل قطعة تحمل آثار الماضي ما يجعلها شاهدة على مرور الوقت داخل الحكاية السينمائية وخارجها أيضًا.
هذا التراكم الزمني يضفي على المعروضات بعدا تأمليا، إذ تصبح كل قطعة بمثابة طبقة من طبقات الذاكرة، تتداخل فيها لحظة التصوير مع لحظة العرض، ومع لحظة التلقي.
غير أن ما يمنح التجربة بعدًا إضافيًا هو انفتاحها على مشاركة الزوار، في مبادرة تشاركية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تنطوي على إعادة تعريف جذرية لدور المتلقي.
لم يعد الزائر مجرد شاهد، بل أصبح مساهمًا في إنتاج المعنى، يترك أثره الخاص داخل نسيج المعرض ويضع لمستة الخاص على فستان أبيض تشابكت حوله الأيادي وهي تزين ثناياه.
هذا التداخل بين الأثر الفني وأثر الجمهور يخلق ديناميكية جديدة، حيث تتماهى الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، وتصبح الحدود بينهما أكثر سيولة.
وعبر معرض الأزياء يقترح مهرجان قابس سينما فن، إعادة التفكير في السينما خارج إطارها التقليدي، بوصفها تجربة متعددة الحواس، تتجاوز الشاشة لتستقر في التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تمرّ دون انتباه.
وفي فضاء مشبع بالأثر، تحاكي الأزياء أشكالا أخرى للحياة، وتستمرّ في سرد ما لم يُقل، وتعيد كتابة الذاكرة من زاوية أكثر حميمية، وأكثر إنسانية.








