تعود “الكمأة” أو “الترافل”أو ما يُعرف محليا بـ “الترفاس”، لتفرض حضورها كل عام في أسواق الجنوب التونسي كمنتج غذائي موسمي وتشكل ظاهرة اقتصادية وثقافية مرتبطة بالمناخ والصحراء ونمط العيش.
ويعرف الترفاس ارتفاعا في الاسعار قد يتجاوز المائتي دينار للكيلوغرام الواحد، ويعود إلى خصوصيتها الطبيعية ومكانتها في المطبخ المحلي والطلب المتزايد عليها داخل البلاد وخارجها.
والكمأة نوع من الفطريات البرية التي تنمو تحت سطح الأرض، بخلاف الفطر العادي الذي يظهر فوقها وتحتاج ظروفًا مناخية دقيقة حتى تتكوّن: أمطار كافية، وتربة رملية أو شبه طينية، ونباتات صحراوية معيّنة تتعايش معها في علاقة بيئية دقيقة.
ولهذا السبب تتركّز مواسم ظهورها في مناطق بعينها من الجنوب التونسي، حيث تلتقي الصحراء بالمطر النادر.
وتُعدّ الكمأة منتجًا موسميًا بامتياز، إذ يمتد موسمها عادة من أواخر الشتاء إلى بداية الربيع، ما يجعل توفرها محدودًا زمنيًا، ويُسهم مباشرة في ارتفاع سعرها.
ولا يرتبط ثمن الكمأة بجودتها الغذائية فقط، بل بندرتها وصعوبة العثور عليها، فهي لا تُزرع بطريقة تقليدية، ولا يمكن التنبؤ بمكان وجودها بسهولة، بل تحتاج خبرة ميدانية ومعرفة بعلامات دقيقة في التربة.
كما أن الطلب عليها مرتفع، سواء من المستهلك المحلي أو من الأسواق الخارجية التي تعتبرها مادة فاخرة.
إلى جانب ذلك، تُصنَّف الكمأة ضمن الأغذية ذات القيمة العالية، بسبب مذاقها، ولما يُنسب إليها من فوائد غذائية، إذ تحتوي على بروتينات وأملاح معدنية وتُعد منخفضة الدهون، ما يعزّز صورتها كمنتج صحي وطبيعي.
وتتميّز الكمأة بمرونة كبيرة في الطهي، وهو ما يزيد من شعبيتها إذ يمكن إعدادها بطرق بسيطة تحافظ على نكهتها الترابية المميّزة، مثل السلق في الماء والملح، أو إضافتها إلى أطباق تقليدية تعتمد على المرق والكسكسي. كما تُشوى أحيانًا مباشرة على الجمر، في طريقة بدوية تُبرز طعمها دون إضافات.
هذا التنوع في الاستعمالات جعلها جزءا من الذاكرة الغذائية للجنوب، وطبقا يحمل بعدا اجتماعيا، يُستحضر في المواسم واللقاءات العائلية، خاصة مع عودة المهاجرين خلال فترات الذروة.
وخلال السنوات الأخيرة، تحوّلت الكمأة إلى مورد اقتصادي موسمي مهم، خاصة للشباب، وعملية جمعها، رغم ما تحمله من مشقة ومخاطر مرتبطة بالعمل في المناطق الصحراوية، باتت مصدر دخل معتبر، مدفوعا بارتفاع الأسعار وسهولة تسويق المنتوج مقارنة بغيره من المنتجات الفلاحية.