لا يترك الجاز أثره في النوتة وحدها، بل في المسافة التي يقطعها العازف بين ذاكرته وذاكرة المكان، لذلك بدا افتتاح العروض الرئيسية على ركح مسرح البحر، ضمن الدورة العشرين لمهرجان طبرقة للجاز، لقاءً بين موسيقي يحمل في أصابعه إرث كوبا، ويؤمن بأن الموسيقى تولد على كل ركح جديد، وبين جمهور صنع بحضوره وحماسته جزءًا من العرض نفسه.
وفي هذا السياق، أكد عازف البيانو والمؤلف الكوبي ألفريدو رودريغيز أن الطاقة التي منحها له الجمهور كان لها أثر مباشر على أدائه فوق الركح، قائلا “الموسيقى التي أقدمها تتأثر كثيرًا بالجمهور، وبكل ما يحيط بنا، كل ذلك يمنحنا طاقة إضافية على المسرح، وجمهور مهرجان طبرقة للجاز متحمس ومتفجر بالحيوية، الأمر الذي ألهمنا على الركح وجعلنا نشعر في الفخر أيضا.
وأضاف أن علاقته بالموسيقى الإفريقية ليست وليدة هذه الزيارة، بل تعود إلى سنوات طويلة من الاستماع والتعلّم، مشيرا إلى أن كوبا نفسها تحمل تأثيرات إفريقية عميقة.
وقال “في كل مرة أزور فيها بلدا إفريقيا أشعر بفضول كبير، أرغب في الاستماع إلى موسيقى البلد الذي أزوره، وأستلهم من ثقافته.”
وأشار إلى أنه حرص، قبل وصوله إلى طبرقة، على الاستماع إلى الموسيقى التونسية، معبرًا عن إعجابه بها قائلاً: “الموسيقى التونسية جميلة للغاية، الثقافة، والتقاليد، والفولكلور كلها رائعة. وكان حضوري في المهرجان استثنائيا سأحتفظ به في ذاكرتي، وآمل أن أعود إلى هنا قريبًا.”
وعن إمكانية حضور النغمات التونسية في أعماله المقبلة، لم يُخف رودريغيز حماسه للفكرة، قائلاً “نعم، بكل تأكيد، أتمنى ذلك وأرغب فعلًا في التعاون مع موسيقيين من تونس، وأنا واثق أن ذلك سيحدث يوما ما.”
ورغم أنه لا يملك أسماء محددة في الوقت الراهن، فإنه شدد على رغبته في التعرف أكثر إلى المشهد الموسيقي التونسي، مضيفا”أرغب حقًا في التعرف أكثر إلى الثقافة التونسية، ولقاء موسيقيين جدد يقدمون أعمالًا مميزة هنا، وسيسعدني أن أكون جزءًا من ذلك.”
وعن هويته الموسيقية، أوضح رودريغيز أن جذوره الكوبية حاضرة دائما في أعماله، لكنه يرفض أن تحصره التصنيفات، قائلا “أنا قادم من كوبا، ومن الطبيعي أن تكون كوبا حاضرة في دمي وجذوري. لكنني تلقيت أيضا تكوينا كلاسيكيا إذ بدأت عزف الموسيقى الكلاسيكية في سن السادسة، واكتشفت موسيقى الجاز عندما كان عمري اثني عشر عاما.”
وأضاف أن سنوات إقامته في الولايات المتحدة، إلى جانب جولاته المستمرة حول العالم، جعلته ينظر إلى الموسيقى بوصفها لغة إنسانية جامعة، موضّحا “اليوم أنظر إلى ما أقدمه ببساطة على أنه موسيقى. لم أعد أفكر في نفسي كموسيقي كوبي، أو عازف جاز، أو موسيقي كلاسيكي، أو حتى متأثر بالموسيقى الإفريقية. أنا فقط موسيقي يحب أن يعزف الموسيقى ويحب الارتجال.”
وأكد أن الارتجال يبقى جوهر تجربته الفنية، مضيفا”عندما نصعد إلى المسرح، نحمل معنا رصيدا كبيرا من الموسيقى التي نعرفها، لكننا لا نعرف مسبقا كيف سنعزفها في ذلك اليوم تحديدا.”