تندرج تظاهرة”Cinef” (أيام الفيلم الفرنكفوني)، التي كشفت عنها المندوبية العامة والوني–بروكسيل بتونس، خلال ندوة صحفية انتظمت يوم 25 مارس، ضمن ديناميكية ثقافية تتجاوز الطابع الاحتفالي لشهر الفرنكوفونية، لتؤكد توجها متواصلا نحو ترسيخ حضور السينما كأداة للتبادل الثقافي والحوار بين الفضاءات الناطقة بالفرنسية.
ويأتي هذا الحدث، في حلته الجديدة بعد أن كان يُعرف بـ”الأيام الفرنكوفونية للسينما”، ليعكس رغبة واضحة في إعادة هيكلة هذه المبادرة وتوسيع أفقها برمجة وجغرافيا.
ويمتد المهرجان من 9 إلى 25 أفريل 2026، وفق رزنامة مضبوطة تقوم على برمجة العروض خلال نهايات الأسابيع، من الخميس إلى السبت، على مدى ثلاثة أسابيع متتالية.
هذا الاختيار الزمني لا يبدو اعتباطياً، بل يستجيب لمنطق استقطاب جمهور أوسع، عبر تركيز العروض في فترات أكثر ملاءمة للمتابعة. كما يعكس توجها تنظيميا يسعى إلى تحقيق توازن بين كثافة البرمجة وإمكانية مواكبتها.
من حيث المحتوى، تقترح هذه الدورة خمسة عشر فيلما تمثل ثلاثة عشر بلداً، في تنوع جغرافي لافت يمتد من إفريقيا جنوب الصحراء إلى أوروبا، مروراً بالمغرب العربي.
وتبرز أسماء بلدان مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وساحل العاج، والمغرب، بلغاريا، وسويسرا وبلجيكا، إلى جانب تونس، بما يعكس تعددية داخل الفضاء الفرنكوفوني ذاته، ويطرح في الآن نفسه سؤال تمثيلية هذه السينمات داخل المشهد الدولي.
ويفتتح المهرجان بفيلم تونسي بعنوان” وراء الجبل” للمخرج محمد بن عطية، وهو اختيار يحمل دلالة مزدوجة إذ يكرّس الحضور المحلي داخل تظاهرة ذات طابع دولي من جهة، ويبرز منطق الإنتاج المشترك، باعتبار الفيلم ثمرة تعاون مع بلجيكا، من جهة أخرى.
هذا التموقع ينسجم مع تحولات السينما التونسية التي باتت تعتمد بشكل متزايد على شبكات الإنتاج العابرة للحدود.
ومن المقرر عرض الفيلم يوم 9 أفريل على الساعة السادسة والنصف مساءً بقاعة المعهد الفرنسي بتونس، في افتتاح رسمي يحدد ملامح بقية البرمجة.
من الناحية المؤسساتية، يقف وراء تنظيم Cinefff مجموعة السفراء الفرنكوفونيين المعتمدين في تونس، في صيغة عمل جماعي تعكس تداخلاً بين الدبلوماسي والثقافي.
وفي هذا السياق، أوضحت رجاء السفّياني، المندوبة العامة والوني–بروكسيل، أن هذه الدورة تراهن على تنوع البرمجة وعلى توزيعها الزمني المدروس، مؤكدة مشاركة ثلاثة عشر بلداً وتقديم أعمال سينمائية تعكس هذا التعدد.
كما يبرز حضور جمهورية الكونغو الديمقراطية من خلال فيلم “Rumba Royal”، وهو عمل حديث اختارته بعثتها الدبلوماسية للمشاركة في هذه التظاهرة.
ويكتسي هذا الحضور أهمية خاصة، بالنظر إلى محدودية تداول السينما القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء في القاعات التونسية، والذي يقتصر عموما على أيام قرطاج السينمائية، ما يجعل من “Cinefff” فضاءً لإعادة إدماج هذه الإنتاجات ضمن دوائر العرض.
ولا يقتصر المهرجان على العاصمة، بل يمتد إلى مدينتي سوسة وصفاقس، في توجه نحو لامركزية الفعل الثقافي.
هذا الامتداد الجغرافي يعكس وعياً بضرورة كسر احتكار العاصمة للأنشطة السينمائية، ويفتح المجال أمام جمهور أوسع للاطلاع على هذه الأعمال، رغم ما يطرحه ذلك من تحديات تنظيمية ولوجستية.
ويحظى المهرجان بدعم من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، التي تساهم في مرافقة ثلاثة أفلام ضمن البرمجة. ويشمل هذا الدعم فيلم الافتتاح التونسي، إلى جانب عمل مغربي، وفيلم موسيقي من ساحل العاج.
وقد أكدت ممثلة المنظمة في شمال إفريقيا، حواء أسيل، أن هذه التظاهرة تمثل لحظة مفصلية ضمن احتفالات شهر الفرنكوفونية، باعتبارها تجمع بين الترويج للغة الفرنسية ودعم الإنتاج الثقافي.
غير أن هذا البعد الاحتفالي لا يحجب رهانات أعمق تتصل بموقع السينما الفرنكوفونية في السياق العالمي. فتنوع البلدان المشاركة لا يعني بالضرورة توازناً في الحضور أو في إمكانيات الإنتاج، وهو ما يطرح مسألة الفوارق داخل هذا الفضاء نفسه. كما أن الاعتماد على الإنتاجات المشتركة يظل خياراً استراتيجياً، لكنه يطرح في المقابل أسئلة حول استقلالية الرؤية الفنية.
ويقدم “Cinef” برمجة تراهن على التنوع والانفتاح، ضمن إطار تنظيمي يسعى إلى تحقيق قدر من الانتشار داخل تونس.
وبين الطموح الثقافي والاعتبارات الدبلوماسية، يظل التحدي الأساسي في قدرة هذه التظاهرة على ترسيخ موقعها ضمن المشهد السينمائي المحلي، ليس فقط كموعد ظرفي مرتبط بشهر الفرنكوفونية، بل كمنصة مستدامة لعرض سينمات قد لا تجد طريقها بسهولة إلى قاعات العرض.