في دورة جديدة تمتد من 3 إلى 10 أكتوبر 2026، تعود أيام قرطاج الموسيقية لتعيد الموسيقى إلى جوهرها الأول، مساحة للإنصات، وللسؤال، وللتجريب، ولإعادة اكتشاف الذات من خلال الآخر.
وتبدو هذه الدورة أقرب إلى مختبر مفتوح تتجاور فيه الذاكرة مع الحداثة، ويتقاطع فيه التراث مع التكنولوجيا، وتلتقي فيه الأغنية بموسيقى الشارع، والجاز بالموروث الشرقي، والإلكتروني بالتصوف، في محاولة مستمرة لزعزعة الحدود الجاهزة بين الأنماط والهويات.
فالموسيقى، في فلسفة هذه التظاهرة، لا يختزلها التصنيف، وتتجلى المسافة التي يقطعها الفنان بين ذاكرته وذاكرة المكان، وبين ما ورثه وما يريد أن يبتكره.
وتأتي برمجة الدورة الجديدة حاملة أسئلة من قبيل “كيف يمكن للتراث أن يبقى حيا دون أن يتحول إلى متحف؟ وكيف يمكن للموسيقى المعاصرة أن تنفتح على التكنولوجيا دون أن تفقد روحها؟ وأين تبدأ هوية الفنان وأين تنتهي حين تعبر موسيقاه الحدود؟
زحين تلتقي الذات بأسئلتها اليومية والوجودية، تصبح الأغنية مساحة للاعتراف تترجم ما قد تعجز اللغة اليومية عن قوله، وتحول التفاصيل الصغيرة إلى مادة فنية قادرة على الوصول إلى المشترك الإنساني.
من هنا تطل الفنانة المصرية يسرى الهواري بمشروعها “تردد”، حاملة عالما موسيقيا يستمد قوته من بساطة التكوين ودفء الأداء، ويقترب من اليومي دون أن يفقد حسه الشعري. في تجربتها، لا يبدو الصوت منفصلاً عن الحكاية، ولا الإيقاع منفصلاً عن تفاصيل الحياة، وتتحول الموسيقى إلى مرآة لذات تتردد بين ما تريد قوله وما تخشى البوح به.
ومن سوريا وفرنسا، يأتي مشروع سراب بعرض “مية وردة” ليضع الشجن الشرقي في مواجهة طاقة الروك التجريبي. ولا يتعلق الأمر بمزج بين نمطين موسيقيين، وإنما يشكل محاولة لتوليد لغة جديدة من احتكاك عوالم مختلفة، ذاكرة شرقية محملة بالحنين والأسئلة، وصوت موسيقي معاصر يرفض الاستقرار في منطقة واحدة.
وفي هذا التعدد، تصبح الموسيقى شبيهة بمدينة مفتوحة الأبواب، يدخلها التراث وتعبرها التأثيرات الأجنبية لتجد لنفسها مكاناً داخل نسيج محلي متحرك.
وتستدعي المغربية ليلى شاكر، من خلال مشروع “الليلى” ذاكرة المكان والتراث المغربي، في تجربة تضع الموروث أمام احتمالات جديدة للتأويل وتتعامل مع التراث كذاكرة قابلة لقراءات مختلفة.
ومن المغرب إلى السنغال، يفتح “Sahad Sarr” نافذة أخرى على القارة الإفريقية من خلال مشروعه “SAHAD”، حيث تتقدم حيوية الشارع وتنوع الإيقاعات وروح الأداء الجماعي، في تجربة تستحضر إفريقيا بوصفها فضاء نابضا بالحركة.
ربما تكمن إحدى أهم رهانات أيام قرطاج الموسيقية في قدرتها على تحويل الجغرافيا إلى مادة موسيقية، فالكثير من المشاريع المشاركة هذه السنة تنتمي إلى أكثر من مكان في الوقت ذاته: تونس وفرنسا، تونس وبلجيكا، تونس وإيطاليا وغيرها.
إنها تجارب فنانين يعيشون بين ضفتين، أو يحملون أكثر من ذاكرة، ويجدون في الموسيقى الوسيلة الأكثر قدرة على التوفيق بين هذه الانتماءات المتعددة.
في هذا السياق، يأتي مشروع “DILAW” التونسي الفرنسي بعرض “THE SUFI MOVEMENT I”، ليضع الموروث الصوفي في حوار مع الصوت الإلكتروني. تجربة تفتح سؤالا قديما متجددة وهو “هل يمكن للروحاني أن يعيش داخل فضاء إلكتروني؟ ”
في هذا المشروع، يشكل التصوف ذاكرة وجدانية تبحث عن شكل جديد للحضور، فيما تتحول الإلكترونيات إلى فضاء صوتي يعيد توزيع تلك الذاكرة ويمنحها احتمالات أخرى.
أما الفنان طارق زروق فيقدم مشروعه “طروق” ، في تجربة تونسية ألمانية تعكس بدورها حالة العبور بين الثقافات. عنوان المشروع نفسه يستدعي فكرة الطرق والمسارات، وكأن الموسيقى تصبح طريقا لاكتشاف ما يحدث عندما تتجاور الذاكرة المحلية مع الحساسية الموسيقية العالمية.
وفي منطقة أخرى من هذا العبور، يطل ثلاثي وجدي الرياحي، في شراكة تونسية بلجيكية، بتجربة تنتمي إلى الجاز المعاصر، لكنها لا تقطع صلتها بالمنبع التونسي والشرقي. وهنا تحديداً يكتسب الجاز معناه الأوسع باعتباره لغة قابلة لإعادة الكتابة من داخل كل ثقافة.
فالجاز لا يترك أثره في النوتة وحدها، بل في المسافة التي يقطعها العازف بين ذاكرته وذاكرة المكان.
وتتسع خريطة العبور مع “Marco Centasso” ومشروع “UM/WELT” التونسي الإيطالي، ونوري بعرض “VIBES” التونسي الفرنسي، وصولاً إلى الثنائي الإيطالي Nicoletta Favari & Christopher Salvito ومشروع “Passepartout Duo”، حيث يصبح العنوان نفسه دالاً على فكرة العبور وفتح الأبواب.
إنها مشاريع لا تقدم “العالم” بوصفه وجهة بعيدة، وإنما تستحضره داخل الموسيقى، حيث تتقاطع التجارب الشخصية والهجرات والذاكرة والأسئلة المعاصرة.
وسط هذا الانفتاح على التجارب الدولية، لا تغيب تونس عن المشهد، وتحضر كإحدى نقاط الارتكاز الأساسية في هذه الخريطة الموسيقية.
وتقدم ملكة عويج مشروع “العودة إلى الأصول”، وهو عنوان يبدو في ظاهره عودة إلى الماضي، لكن يمكن قراءته، أيضا، باعتباره سؤالا عن معنى الأصل في زمن تتداخل فيه المؤثرات وتتسع فيه الحدود.
فالعودة إلى الجذور لا تعني بالضرورة استعادة الماضي كما كان، وإنما إعادة اكتشافه بعين الحاضر.
وتحضر الفنانة ناجية عبيدي بتجربة تعكس بدورها نضج المسار الفني التونسي، حيث يصبح الصوت المحلي قادرا على محاورة الزمن دون أن يفقد خصوصيته.
إلى جانب ذلك، تقدم مشاريع مثل Midnight Pin بعرض “GENO-SUITE” وSaharage بعرض “Apex Africa” وجوهاً أخرى من المشهد الموسيقي التونسي، حيث تتشابك التجربة الفردية مع البحث في الإيقاع والصوت والهوية والانفتاح على الفضاء الإفريقي.
وتكتسب المشاركة التونسية أهميتها من كونها لا تأتي في صيغة “صوت محلي” مقابل “أصوات عالمية”، وإنما بوصفها جزءاً من الحوار نفسه. فالموسيقى التونسية لا تدخل هذا اللقاء لتثبت وجودها ولتختبر قدرتها على التأثير والتفاعل وإعادة صياغة ذاتها.
وهنا يتجلى مشروع عصام الدين عبسي الذي يحمل الراب إلى مساحات أخرى ويطعمه بمسحة أركسترالية في “قمح المدينة”.
كما يأتي “وحيد القرن” لقولتره صاوند سيستام ليرسخ بصمة المجموعة في استنطاق الواقع التونسي على طريقتها.
وتمنح البرمجة مساحة لافتة للأصوات النسائية، سواء من خلال التجارب الفردية أو المشاريع الجماعية، بما يعكس تحولات المشهد الموسيقي المعاصر، حيث لم تحمل المرأة مشروعا ورؤية وموقفا جماليا.
من يسرى الهواري إلى ليلى شاكر، ومن ملكة عويج وناجية عبيدي إلى مشروع أصوات نساء العالم “Solak Balik”، تتعدد الأصوات والتجارب، لكن المشترك بينها هو تحويل التجربة الشخصية إلى مادة موسيقية مارقة عن كل تصنيف.
وفي هذا السياق، يبدو حضور النساء جزءاً من التحول الأوسع الذي تعرفه الموسيقى المستقلة، حيث تتحرر الفنانة من الصورة التقليدية للمغنية لتصبح مؤلفة ومؤدية وصاحبة مشروع ومختبر للبحث الصوتي.
وتكتمل هذه الخريطة بمشاركات فرنسية من خلال “Faigenbaum Raphaël” وعرضه “NENO”.
وتراهن أيام قرطاج الموسيقية، من خلال هذه البرمجة، على مشاريع لا تخشى المنطقة الرمادية بين الأنماط وعلى موسيقى لا تريد أن تُعرّف نفسها بسهولة، ولا تسعى بالضرورة إلى تقديم منتج مألوف يضمن الاستجابة الفورية.
وهنا تكمن قيمة التجريب، في أن تمنح الموسيقى حقها في أن تكون غير مكتملة، وأن تتيح للفنان أن يغامر، وللجمهور أن يكتشف، وأن يتحول الاستماع من استهلاك سريع إلى تجربة.
وفي الفترة الممتدة من 3 إلى 10 أكتوبر 2026، ستتحول أيام قرطاج الموسيقية إلى مساحة تتقاطع فيها الجغرافيا والذاكرة، ويصغي فيها الشرق إلى الغرب، وتدخل تونس في حوار مع بلدان أخرى، فيما تبحث المشاريع الموسيقية عن لغة تتجاوز التصنيفات الجاهزة.
من الأغنية الحميمة إلى الجاز، ومن الروك التجريبي إلى الموسيقى الإلكترونية، ومن التصوف إلى الإيقاعات الإفريقية، ومن العودة إلى الجذور إلى مغامرات الصوت المعاصر، تبدو الدورة الجديدة وكأنها تسأل الموسيقى عن قدرتها على التحوّل.
يشار إلى أن اللجنة التي أشرفت على الاختيارات تضم كل من عازف البيانو والمؤلف والموزع الموسيقي سامي بن سعيد وعازف الغيتار والنؤلف الموسيقي والمدير الفني هادي فاهم، ومدير الإنتاج والمنتج الفني والموسيقي محمد بن سعيد والدكتورة في تاريخ الموسيقى والعلوم الموسيقية وعازفة الكمان سيمة صمود.