في مسلسل “غيبوبة” من إخراج محمد خليل البحري لا تمرّ شخصية “هند” مرورا عابرا داخل النسيج الدرامي، بل تتشكّل بوصفها محورا أخلاقيا صامتا، يقيس من خلاله المتلقي هشاشة الآخرين وصلابتهم.
وقد استطاعت إباء الحملي أن تمنح هذه الشخصية كثافتها الإنسانية، بعيدًا عن الميلودراما السهلة أو الاستدرار المباشر للعاطفة، فبنت أداءً يقوم على الاقتصاد في الانفعال، وعلى تعبير داخلي عميق يتسلّل إلى المشاهد دون صخب.
تقوم شخصية “هند” على مفارقة درامية شديدة القسوة تتمثل في طفولة بلا والدين، أب تخلّى وتنصّل، وأم انسحقت تحت وطأة الخوف والوصم الاجتماعي.
هذه الخلفية كافية، في المنطق الدرامي، لصناعة شخصية مأزومة، وناقمة، أو حتى متمرّدة على القيم غير أن “غيبوبة” اختار مسارا مختلفا، فخرجت “هند” من ركام البدايات الصعبة وهي تحمل وعيا مبكرا بذاتها، وحرصا شديدا على كرامتها، وإيمانا بأن الأصل لا يحدّد المصير.
هنا يتجلّى ذكاء المعالجة، ويتجلّى معه أداء إباء الحملي، فهي لم تقدّم “هند” بوصفها ضحية دائمة الاستدعاء لمأساتها، بل إنسانة تعرف جرحها وتتعامل معه بوصفه حقيقة مؤلمة لا ذريعة سلوكية.
في نظراتها ثقل السؤال القديم: لماذا؟ وفي ملامحها أثر الفقد، لكن في وقفتها أيضًا اعتداد واضح، كأنها تعلن، دون خطاب مباشر، أن الوجع يمكن أن يكون دافعًا للتماسك لا للانكسار.
اعتمدت إباء على لغة جسد متزنة : كتفان مستقيمان رغم الرجات، أقدام ثابتة رغم اهتزاز الأرض من حولها، وصوت منخفض النبرة لكنه راسخ.
هذا الثبات الصوتي، تحديدا، أعطى الشخصية قوة داخلية، إذ لم تكن بحاجة إلى رفع صوتها لتؤكّد حضورها، وحتى في لحظات المواجهة، حافظت على إيقاع هادئ، كأنها تدير صراعها بعقل رصين وقلب مثقل بالتجربة.
والقدرة على التحكم في الإحساس جنّبت الدور الوقوع في فخ المبالغة، ومنحت الشخصية صدقيتها، وفي لحظة الشكّ التي تتكاثر فيها الاتهامات، تختار “هند” الثقة لا الريبة لا لأنها ساذجة أو عمياء عن احتمالات الخطأ، بل لأنها تؤمن بأن العلاقة الإنسانية لا تُهدم بشائعة ولا تُسلّم بسهولة لأحكام الآخرين.
ومواقفها تكشف بُعدا نفسيا عميقا لفتاة حُرمت من العائلة البيولوجية، لكنها تعيد تعريف العائلة عبر الصداقة والاختيار الحرّ أي أنها تبني انتماءها بوعي، لا بوراثة.
المثير في هذا المسار أنّ المسلسل يقارن ضمنيًا بين “هند” وفتيات نشأن في بيئات أسرية مكتملة ظاهريًا، لكنهنّ أكثر اضطرابًا وتمردًا. هذه المقارنة لا تهدف إلى إدانة أحد، بقدر ما تطرح سؤالًا جوهريًا حول مفهوم التربية وبناء منظومة القيم.
عبر “هند”، يميل العمل إلى تأكيد أن الإنسان، مهما كانت ظروف نشأته، يملك هامشا من الاختيار يحدّد به صورته النهائية.
إباء الحملي التقطت هذا البعد الفلسفي للشخصية، فلم تحصرها في إطار اجتماعي ضيق، بل جعلتها نموذجًا إنسانيًا أوسع.
عيناها كانتا أبلغ من حوارات كثيرة، فيهما خوف قديم من الفقد، وفيهما أيضًا طمأنينة من يعرف أنه لم يخن نفسه، وكلما تفحصت الكاميرا ملامحها كان التعبير الصامت كافيًا لتمرير طبقات الشعور من الحنين، والغضب المكبوت، والكبرياء، والتسامح.
من الناحية الدرامية، تمثّل “هند” نقطة توازن داخل العمل، فهي لا تنجرف مع تيارات الاتهام، ولا تنساق وراء نزعات الانتقام أو التشفّي فحضورها أشبه بخيط أخلاقي يذكّر بقيمة الوفاء والعمل والكرامة.
وهذا الدور يتطلب ممثلة قادرة على ملء الفراغ بين الكلمات، وعلى جعل الصمت مشحونًا بالمعنى، وهو ما نجحت فيه إباء بوضوح.
إنّ أهمية هذا الدور لا تكمن فقط في تعاطف الجمهور معه، بل في قدرته على تفكيك صورة نمطية راسخة هي أن من يكبر بلا أسرة متماسكة يكون بالضرورة مشروع انحراف أو ضياع.
“هند” تنقض هذه الفكرة من الداخل، لا عبر خطاب وعظي، بل عبر سلوك يومي بسيط فهي تعمل بجد، وتحافظ على قيمها، وتتمسّك بمن تحبّ وتنتصر للكرامة بعيدا عن الشعارات.
في “غيبوبة” قدمت إباء حملي أداءً ناضجا يشي بوعي فني متقدم، ولم تسعَ إلى خطف الأضواء بانفعالات صاخبة، بل بنت حضورها تدريجيًا، حتى صارت الشخصية إحدى العلامات الفارقة في المسلسل.
ف“هند” ليست بطلة خارقة، بل إنسانة عادية اختارت أن تكون أفضل مما كان يُنتظر منها، وهذا، دراميًا وإنسانيًا، هو الانتصار الأجمل.