فيما رابط الصحفيون خلف الباب الحديدي الموصد، اهتز قصر العدالة على وقع أصوات المحامين الذين ينفذون إضرابا عاما حضوريا بقصر العدالة بالعاصمة، مصحوبا بحمل الشارة الحمراء وتجمع احتجاجي ببهو المحكمة، تنديدا بتجاهل مطالبهم المهنية
وحين دعت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس إلى تنفيذ إضراب عام حضوري يوم 18 جوان 2026 بقصر العدالة، لم تقدّم الأمر باعتباره مجرد تحرك احتجاجي عادي أو خطوة تفاوضية لتحسين أوضاع مهنية.
لغة الرسالة نفسها كانت كاشفة من خلال الحديث عن “إنكار العدالة”، وعن قرارات “لا سند لها وتناقض القانون”، وعن ضرورة حماية شروط ممارسة الدفاع، وهو ما يوحي بأن الهيئة تحاول تأطير الأزمة باعتبارها أزمة موقع ودور داخل منظومة العدالة أكثر من كونها أزمة أجور أو امتيازات.
لفهم هذا التحرّك لا يكفي النظر إلى موعد الإضراب أو إلى قائمة المطالب المعلنة، بل ينبغي العودة إلى الخلفية الأوسع التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة داخل قطاع العدالة في تونس.
تاريخيا، لم تكن المحاماة في تونس مجرد نشاط مهني، فمنذ فترة الحركة الوطنية، لعب المحامون أدوارا سياسية وفكرية وحقوقية جعلت من العمادة فضاء عاما للتعبير عن مواقف تتجاوز الشأن المهني الضيق.
بعد الاستقلال، حافظت المهنة على هامش من الاستقلالية مقارنة بقطاعات أخرى، ثم تحولت خلال فترات لاحقة إلى أحد الفاعلين الأكثر حضوراً في الدفاع عن الحريات العامة وحقوق الإنسان.
وبعد 2011 تحديداً، اكتسبت المحاماة رمزية إضافية بوصفها أحد الفاعلين الذين ارتبط اسمهم بمطالب دولة القانون.
هذا الإرث يجعل أي توتر بين المحامين والسلطة يُقرأ غالباً باعتباره مؤشراً على حالة العلاقة بين الدولة والعدالة.
وفي رسالة العميد بوبكر بالثابت، تمت الإشارة إلى مذكرة رفعتها هيئة المحامين إلى وزارة العدل منذ 23 جانفي 2026 تضم جملة من المطالب المهنية.
ورغم أن تفاصيلها الكاملة لم تُنشر في الرسالة، إلا أن العناوين الكبرى تكشف طبيعة الأزمة،
من إنقاذ صندوق الحيطة والتقاعد للمحامين، وتحسين ظروف العمل داخل المحاكم، ورفع العراقيل أمام ممارسة الدفاع، وتعزيز الضمانات القانونية للمحاماة والقضاء.
هذه الملفات ليست جديدة بالكامل، فمنذ سنوات، تواجه المحاماة التونسية تحولات عميقة على غرار ارتفاع عدد المحامين، وتوسع المنافسة داخل القطاع، وضغوط اقتصادية على المكاتب الصغيرة والمتوسطة.
كما أصبح موضوع التغطية الاجتماعية والتقاعد أكثر حضوراً مع تغير التركيبة الديمغرافية للمهنة، لكن الأزمة لا تبدو اقتصادية فقط.
في السنوات الأخيرة، أصبح النقاش داخل قطاع العدالة في تونس يتجه أكثر نحو سؤال التوازن بين المتدخلين من القضاء، والنيابة العمومية، ووزارة العدل، والمحاماة.
ومن منظور المحامين، لا يقتصر دورهم على تمثيل الموكلين، بل يشكلون جزءاً من ضمانات المحاكمة العادلة.
عندما تشير العمادة إلى وجود “قرارات لا سند لها وتناقض القانون”، فهي لا تتحدث فقط عن خلافات إجرائية، بل تلمح إلى شعور متنامٍ لدى جزء من المحامين بأن دور الدفاع أصبح يواجه قيوداً أو عراقيل داخل بعض المسارات القضائية.
هنا يصبح الصراع سياسياً بمعناه المؤسساتي وتتمحور الأسئلة حول من يحدد قواعد العمل داخل العدالة؟ وما حدود استقلال كل طرف؟
واختيار الإضراب الحضوري يحمل دلالة خاصة، فالهيئة لم تدعُ إلى مقاطعة المحاكم أو الانسحاب منها، بل إلى الحضور الجماعي داخل قصر العدالة باللباس المهني وحمل الشارة الحمراء.
هذه ليست مجرد تفاصيل تنظيمية، فاللباس المهني يمثل السلطة الرمزية للقانون، والشارة الحمراء تحمل معنى التنبيه والاحتجاج، أما التجمع داخل المحكمة فيعني أن الرسالة موجهة من داخل مؤسسة العدالة نفسها.
والجزء الأكثر دلالة في رسالة عميد المحامين ليس المطالب، بل عبارة “لم نتلقّ أي رد”، ففي كثير من النزاعات الاجتماعية، يصبح غياب التفاوض في حد ذاته سبباً للتصعيد.
فالهيئة تؤكد أنها اختارت منذ البداية مسار المذكرات والحوار، ثم التحركات الجهوية، وصولاً إلى التحرك الوطني.
وهذا يفتح سؤالاً أوسع هو “هل أصبحت الأجسام المهنية تشعر بأن قنوات الوساطة التقليدية أقل فاعلية من السابق؟”
إذا كان الأمر كذلك، فإن الإضراب لا يصبح فقط أداة ضغط، بل محاولة لإعادة فرض الاعتراف السياسي والمهني بالمهنة كشريك مؤسساتي.
وأما عن سيناريوهات ما بعد 18 جوان فقد تتجه نحو أكثر من مسار: فإما فتح تفاوض رسمي يعيد الملف إلى مساره المهني، أو استمرار التصعيد إذا اعتبرت الهيئة أن التحرك لم يحقق أهدافه؛ أو تحول النقاش إلى مستوى أوسع يتعلق بإصلاح منظومة العدالة ككل.
لكن المؤكد أن هذا التحرك يكشف أن أزمة العدالة لا تتعلق فقط بالنصوص أو الأحكام، بل أيضاً بشروط عمل الفاعلين داخلها.
ومن هذا المنطلق، يبدو إضراب المحامين اليوم أقرب إلى محاولة إعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة وهو هل يمكن بناء عدالة فعالة دون إنصات حقيقي لكل من يشارك في إنتاجها؟