في عرضها “إلى أمي – Mother”، الذي احتضنته قاعة الجهات بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي مساء الثلاثاء 10 مارس 2026، لا تبدو جميلة الشيحي بصدد تقديم عرض مسرحي.
ما يحدث على الركح أقرب إلى لحظة بوح طويلة، أو إلى محاولة شجاعة لتحويل الوجع الشخصي إلى فعل فني فيتحول المسرح من فضاء للتمثيل إلى مساحة للاعتراف، مساحة للتنفّس، ومساحة لمصالحة الذات مع خساراتها.
النص الذي كتبته جميلة الشيحي بنفسها، على ما يحمله من بعض الهنات التي يمكن تداركها في عروض أخرى، يتحرك في منطقة شديدة الحساسية هي منطقة الفقد.
الفقدان، هنا، لا يأتي في صيغة واحدة، بل يتراكم كطبقات من الغياب، فقدان الأم، فقدان الأب، وفقدان طفلين رحلا رضيعين قبل أن تتسع لهما الحياة.
هذه التجارب لا تأتي في العرض بوصفها وقائع وأحداث أو مشاهد من فصول الحياة، تظهر بوصفها جروحا مفتوحة تحاول اللغة أن تلامسها دون أن تدّعي القدرة على تضميدها.
منذ اللحظة الأولى، يتضح أن الركح تحوّل إلى ما يشبه غرفة اعتراف إذ لا توجد مسافة بين الممثلة وحكايتها حتى ذلك الشريط الأبيض الطويل الذي يحاكي ذاكرة تمتد بين روح والدتها والطفلة داخلها تلاشى.
جميلة الشيحي، لم تكن تلعب دورا على الركح، لم تكن تمثل، كانت تروي تجاربها بجسدها وصوتها، تتنفس، تتوقف، تعود إلى الكلام، وكأن العرض بأكمله تمرين على استعادة النفس بعد ثقل الغياب.
حتى النص لا يبدو خطابا متماسكا بقدر ما يوازي مسارات داخلية لجميلة الشيحي لتتناثر كلمات تبحث عن طريقها بين الذكرى والحنين والندم حينا وجلد الذات حينا آخر.
والنوستالجيا، هنا، ليست شعورا لطيفا يقترن برغبة جامحة في العودة إلى الماضي بل أسئلة موجعة، ماذا لو لو عانقنا أمهاتنا أكثر؟ ماذا لو منحناهن وقتًا أطول؟ ماذا لو قُلنا الكلمات التي ظلّت عالقة على أطراف القلب؟
في مباشرتية قد تبدو مربكة تتجلى هذه الأسئلة من بين تفاصيل النص الذي يبدو أحيانا مشتتا ومفككا ربما لأن الأمر يتعلق بمحاولة لترتيب العلاقة مع الذاكرة.
فالأم، كما تظهر في العمل ، ليست شخصية غائبة تمامًا، بل حضور مستمر يتسرّب في الصور والذكريات والأصوات فهي تعيش في التفاصيل الصغيرة، في النظرة، في نبرة الصوت، وفي كل لحظات الضعف.
وإخراج تماضر الزرلي يختار أن يفسح المجال لهذا البوح ولا يثقله بالمكملات الركحية أو بالتعقيد البصري، بل يراهن على البساطة والتقليل ليبدو الركح شبه عار، فراغ مقصود يمنح الحضور الإنساني مركز الثقل.
هذا الخيار الإخراجي يمنح الأداء طابعا حميميا قد ينقطع معه أي سبيل لتحليل العمل بأدوات المسرح مقابل تفاقم الشعور بأن المتفرج مدعوّ إلى مشاركة لحظة شخصية جدًا.
أما تصميم الضوء لنورس عرفاوي فيشتغل بدوره على هذه الحميمية،لا الضوء لا يأتي فقط ليكشف الجسد على الركح، بل ليصنع حالات شعورية، أحيانًا يضيّق المساحة ليجعل الشخصية تبدو وكأنها محاصرة داخل ذاكرتها، وأحيانًا يفتحها قليلًا كأن النفس بدأ يتّسع بعد ضيق طويل.
ولعل ذروة الاشتغال على الضوء بوصفه شخصية لا عنصرا تقنيا فحسب، يكمن في تلك اللحظة التي انطفأ فيها الضوء حينما صعدت روح الأم إلى السماء.
لكن أكثر ما يلفت في العرض هو تلك العلاقة المعقدة بين البوح بالألم وما يرتبط به من محاولة التعافي والعودة المستمرة إليه، فجميلة الشيحي تحاول، داخل النص، أن تذهب إلى مواضيع أخرى، أن تبتعد قليلًا عن منطقة الفقد.
غير أن الوجع يعود دائما حتى أن تلك المواضيع تبدو وكأنها مسقطة، وكأن ذاكرتها لا تؤوي غير وجع الفقد، لذلك يبدو العرض وكأنه رحلة نحو التعافي، حتى لو لم يصل إلى نهايتها.
ومن هذا المنطلق، يغدو “إلى أمي – Mother” محاولة لتحويل التجربة الشخصية إلى فعل جمالي يلامس المشترك الإنساني، لأن قصة الفقد، مهما بدت فردية، تظل تجربة يعرفها الجميع بطريقة أو بأخرى.
وفي تلك المسافة الدقيقة بين الخاص والعام، بين الجرح الشخصي والمشترك تطوع جميلة الشيحي الركح مساحة للبوح، مساحة تقول فيها ما علق على أطراف قلبها ولسانها.