محمد زايري–
"يتناول هذا التقرير الجوانب الاقتصادية المعقدة التي تواجهها الأمهات العازبات في تونس، وكيف يحاولن بناء اقتصاداتهن الخاصة في ظل غياب الدعم الرسمي والوصم الاجتماعي العميق. سنستعرض البيانات المتاحة، والتحديات الهيكلية، ودور المجتمع المدني في التخفيف من هذه الأوضاع الصعبة."
“كي عرفت العائلة بحملي تبدل كل شيء الكلام والي قاسي والنظرة اقصى كل يوم نسمع نفس الجملة “جبتلنا العار” “دمرتنا” ما عادش نحس روحي بنتهم وليت عبئ وجودي في الدار ولي حمل عليهم وعليا.
عشت شهور بين الصمت والخوف. لا نلقي شكون يسمعني لا شكون يساندني.
كنت نعدي الليالي نبكي وحدي ونسأل روحي وين نمشي؟ وكيفاش باش نعيش انا وولدي.
نهار الي خرجت خرجت بلا رجعة شديت ولدي ومشيت للعاصمة تونس”
تحدثت آمنة عن وضعيتها النفسية الصعبة والحالة التي وصلت لها نتيجة حب وإيمانا بشريك لم يكن موضعه ثقة أو تحمل مسؤولية.
فبعيدا عن الصورة النمطية السائدة عن المرأة المنحلة التي تجوب الحانات بحثا عن رجل تقضي معه الليلة فان آمنة وقعت في الحب ووثقت بسذاجة بشريكها.
في تونس، تمثل الأمهات العازبات شريحة اجتماعية تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية جسيمة، غالبًا ما تبقى هذه التحديات بعيدة عن الأضواء والسياسات العامة.
تسجيل صوتي لآمنة الأم العزباء
على الرغم من أن تونس تُعرف بتقدمها في حقوق المرأة مقارنة بالعديد من دول المنطقة، إلا أن الأمهات العازبات غالبًا ما يجدن أنفسهن على هامش المجتمع، يكافحن لبناء حياة اقتصادية مستقرة لأطفالهن ولأنفسهن.
الواقع الاقتصادي (استراتيجية البقاء)
في مواجهة هذه التحديات، تضطر الأمهات العازبات إلى تبني استراتيجيات خاصة لبناء اقتصاداتهن الصغيرة وضمان بقائهن وأطفالهن. يعتمد هذا غالبًا على العمل في القطاع غير الرسمي، والمبادرات الفردية، والدعم من منظمات المجتمع المدني.
العمل في القطاع غير الرسمي والحرف اليدوية
غالبًا ما تلجأ الأمهات العازبات إلى العمل في القطاع غير الرسمي، مثل الحرف اليدوية، أو العمل الموسمي في الفلاحة، أو الخدمات المنزلية. هذه الأعمال توفر لهن بعض الدخل، ولكنها تفتقر إلى الاستقرار، والضمان الاجتماعي، والحماية القانونية. على سبيل المثال، النساء العاملات في الفلاحة في المناطق الريفية يواجهن ظروف عمل صعبة وأجورًا متدنية للغاية، إضافة إلى مخاطر النقل غير الآمن.
تسهم النساء بشكل كبير في الاقتصاد غير الرسمي، حيث يقمن بإنتاج سلع وخدمات ذات قيمة اقتصادية كبيرة، ولكن عملهن غالبًا ما يكون غير مرئي وغير منظم. هذا التهميش الاقتصادي يعرضهن للاستغلال ويحد من فرصهن في تحقيق الاستقلال المالي.

صورة توضح نساء يعملن في مجال الصيد البحري، وهو أحد الأمثلة على العمل في القطاعات غير الرسمية أو التقليدية التي غالبًا ما تلجأ إليها النساء في تونس لتأمين لقمة العيش.
مستوى الدخل : غياب الاستقرار المالي
تُبرز المعطيات المتوفرة أنّ الأمهات العازبات في تونس يعانين من ضعف حاد في مستوى الدخل وغياب شبه كلي للاستقرار المالي، حيث تشتغل نسبة هامة منهن في الاقتصاد غير المنظم، ما يعني دخلًا يوميًا أو ظرفيًا غير قار. وتُشير الدراسات إلى أنّ حوالي 48% من الأمهات العازبات يعملن في الخدمة المنزلية أو أعمال هشة، وهي أنشطة منخفضة الأجر ولا توفّر أي تغطية اجتماعية أو ضمانات مهنية، في حين تبقى نسبة تقارب 40% دون أي مورد رزق قار. هذا الواقع ينعكس مباشرة على مستوى الدخل، الذي غالبًا ما يكون دون الحد الأدنى للأجور أو غير منتظم، ما يجعل القدرة على تغطية الحاجيات الأساسية (السكن، التغذية، الصحة) غير مضمونة. كما تتفاقم هذه الهشاشة في ظل غياب مصدر دعم مالي ثابت، إذ لا يتحمل الأب في أغلب الحالات مسؤولية الإنفاق، وهو ما يضع كامل العبء الاقتصادي على الأم وحدها. إضافة إلى ذلك، تعتمد نسبة تُقدّر بـ 40% منهن على العائلة أو المساعدات، في مؤشر واضح على ضعف الاستقلالية المالية. ويُعمّق هذا الوضع غياب الاندماج في المنظومة الاقتصادية الرسمية، حيث تحرم طبيعة العمل الهش هذه الفئة من التغطية الاجتماعية، والتقاعد، والتأمين الصحي، مما يجعل وضعهن المالي غير مستقر على المدى القريب والبعيد. وتؤكد هذه المؤشرات أنّ الأمهات العازبات في تونس يعشن في دائرة اقتصادية مغلقة قائمة على الدخل الضعيف، وانعدام الاستقرار، وارتفاع مخاطر الفقر المستدام.
” كي وصلت لتونس اكتشفت انو الواقع أصعب برشا مالي تصورت. الكراء غالي والمعيشة أصعب. مالاول خدمت في تنظيف الديار ساعات طويلة تعب كبير وخلاص ضعيف مرات نخدم نهار كامل ونرجع ب 20 والا 25 دينار ومرات ما نلقي حتى خدمة.”
هذا ولم تكتف الأمهات العازبات من التهميش الاقتصادي والمادي فقط بل لم تسلم من الوصم الاجتماعي في العمل وفي الشارع وفي جميع مرافق الحياة
الوصم الاجتماعي : عائق أمام الاندماج
يعتبر الحمل خارج إطار الزواج في تونس “مرفوضًا أخلاقيًا” من قبل غالبية السكان، حيث أشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بيو للأبحاث عام 2013 إلى أن أكثر من 89% من التونسيين يعتبرونه “خطأ أخلاقيًا”. هذا الموقف المجتمعي يؤدي غالبًا إلى رفض الأمهات العازبات من قبل عائلاتهن وإجبارهن على مغادرة بلداتهن لتجنب الفضيحة. هذا الرفض يضع الأمهات في عزلة تامة، مما يزيد من صعوبتهن في الحصول على الدعم العائلي أو الاجتماعي، ويدفعهن نحو الفقر والعوز.
الأمهات العازبات، وخاصة من الفئات الاجتماعية والاقتصادية المتدنية، غالبًا ما يفتقرن إلى التثقيف الجنسي والمعلومات الدقيقة حول تنظيم الأسرة. العديد منهن يجدن أنفسهن حوامل بعد علاقات توافقية مع شركائهن، الذين يتركونهن في كثير من الأحيان يواجهن مصيرهن وحدهن. القانون التونسي يلزم الرجل بإجراء فحص الحمض النووي (DNA) إذا طلبت الأم ذلك، وفي حال إثبات الأبوة، يحق للطفل حمل اسم الأب والحصول على دعم مالي. ومع ذلك، ترى بعض الخبيرات القانونيات أن القانون “غير كافٍ” في حماية حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن.

يوضح الرسم البياني مدى الهشاشة الاقتصادية التي تواجهها النساء والأمهات العازبات في تونس، حيث تظهر مستويات منخفضة من المشاركة الاقتصادية والدعم الحكومي مقابل ارتفاع معدلات البطالة والعمل غير المدفوع الأجر.
– دور الدولة مقابل الجمعيات
تُعد الهشاشة الاقتصادية السمة الأبرز لوضع الأمهات العازبات. ففي ظل غياب الدعم الحكومي المباشر والبرامج الموجهة لهذه الفئة، يجدن صعوبة بالغة في الاندماج في سوق العمل الرسمي.
غياب الدعم الحكومي والهشاشة الاقتصادية
هذا النقص في الدعم يدفعهن غالبًا نحو العمل في القطاع غير الرسمي، حيث ظروف العمل غير مستقرة، والأجور متدنية، ولا توجد ضمانات اجتماعية. في عام 2020، قدّر المعهد الوطني للإحصاء أن حوالي 46% من القوى العاملة في تونس تعمل في القطاع غير الرسمي، مما يشير إلى مدى انتشار هذا النمط من العمل الذي غالبًا ما تستقر فيه النساء الأكثر هشاشة.
تعاني النساء في تونس بشكل عام من ضعف المشاركة في القوى العاملة وارتفاع معدلات البطالة، وخاصة النساء غير المتعلمات أو ذوات المستوى التعليمي المتدني. هذه التحديات تتعمق بالنسبة للأمهات العازبات اللواتي يواجهن أيضًا الوصم الاجتماعي. تظهر البيانات أن معدل البطالة بين النساء التونسيات كان حوالي 24% في عام 2012، وهو معدل مرتفع مقارنة بالدول الأخرى. كما أن النساء التونسيات يقضين حوالي 5.3 ساعة يوميًا في الأعمال المنزلية غير المدفوعة الأجر، أي حوالي 8.1 مرة أكثر من الرجال، مما يزيد من أعبائهن ويحد من فرصهن الاقتصادية.
دور منظمات المجتمع المدني: الملاذ الأخير
في ظل غياب الدعم الحكومي، تلعب منظمات المجتمع المدني دورًا حيويًا في مساعدة الأمهات العازبات. تقدم هذه الجمعيات المأوى، والدعم النفسي والقانوني، والتدريب المهني لمساعدتهن على الاندماج في سوق العمل. على سبيل المثال، تعمل جمعية “آمال” (Amal Association) منذ أكثر من عقد على دعم الأمهات العازبات، وتقديم المساعدة لهن لتربية أطفالهن. كما أن “بيتي” (Beity) هو ملجأ آخر يوفر للنساء الهاربات من العنف والإتجار بيئة آمنة لإعادة بناء حياتهن.
تعتبر هذه المنظمات بمثابة شبكة أمان لهذه الفئة، حيث تسعى ليس فقط إلى توفير الدعم المباشر ولكن أيضًا إلى تغيير المواقف الاجتماعية والقوانين المتعلقة بالأمهات العازبات وحقوقهن.
هذا ما تتبينه الناشطة في المجتمع المدني والباحثة في علم الاجتماع “يسرا ورغي”
” ان ضعف التأطير الحكومي أدى بالأمهات العازبات الي اللجوء الي جمعيات المجتمع المدني الذي يلعب دور أساسي في تأطير هذه الفئة
وفي محاولة لدمجها داخل المجتمع وتوفير ملجئ امن لها ولطفلها ”
علما وان المجتمع المدني قد أصبح يتعرض الي تهميش واقصاء في السنوات الأخيرة من قبل الدولة والي ضعف في الموارد المالية هذا ما سيعود بتأثيرات سلبية على فئات مهمشة داخل المجتمع التونسي ومن بينهم الأمهات العازبات
تسجيل مصور للناشطة في المجتمع المدني “يسرا ورغي”
مقارنة بين الدعم الحكومي ودعم المجتمع المدني
لتحليل الوضع بشكل أعمق، يمكننا مقارنة طبيعة ونطاق الدعم المقدم للأمهات العازبات من قبل الحكومة ومنظمات المجتمع المدني.

يوضح الجدول أعلاه الفجوة الكبيرة في الدعم المقدم للأمهات العازبات بين الجهود الحكومية التونسية والمبادرات التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني.
تحديات الإدماج والحلول المقترحة
إن إدماج الأمهات العازبات في المجتمع التونسي يتطلب معالجة شاملة تتجاوز الجوانب الاجتماعية لتشمل الأبعاد الاقتصادية والقانونية.
–تحديات التوظيف والفرص الاقتصادية
تواجه الأمهات العازبات صعوبات كبيرة في الحصول على فرص عمل لائقة بسبب نقص المؤهلات، وغياب الخبرة، والتمييز الاجتماعي. حتى عندما تتوفر فرص عمل، فإنها غالبًا ما تكون في قطاعات ذات أجور منخفضة وظروف عمل غير مستقرة. هذا يساهم في إبقائهن في دائرة الفقر.
–الحاجة إلى سياسات شاملة
لمعالجة هذا الوضع، هناك حاجة ماسة إلى سياسات حكومية شاملة تستهدف الأمهات العازبات بشكل خاص. يجب أن تتضمن هذه السياسات:
● برامج دعم مالي مباشر: توفير إعانات مالية للأمهات العازبات لمساعدتهن على تلبية الاحتياجات الأساسية لأطفالهن.
● التدريب المهني وتسهيل الاندماج في سوق العمل: برامج تدريب مهني مصممة لتزويد الأمهات بالمهارات اللازمة للحصول على وظائف في القطاع الرسمي، مع توفير الدعم اللازم للعثور على عمل.
● توفير دور رعاية للأطفال: تسهيل الوصول إلى رعاية الأطفال بأسعار معقولة أو مجانية، لتمكين الأمهات من العمل.
● حملات توعية اجتماعية: تغيير المواقف الاجتماعية تجاه الأمهات العازبات وأطفالهن من خلال حملات توعية عامة تهدف إلى الحد من الوصم والتمييز.
● تعزيز الإطار القانوني: تقوية القوانين التي تحمي حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن، بما في ذلك حقوق الأبوة والدعم المالي.

توضح الخريطة الذهنية أعلاه التحديات المتعددة التي تواجه الأمهات العازبات في تونس، بدءًا من الوصم الاجتماعي وصولاً إلى الهشاشة الاقتصادية، ودور المجتمع المدني في التخفيف من هذه الأعباء، بالإضافة إلى الحلول المقترحة.
ان وضع الأمهات العازبات في تونس يمثل قضية معقدة تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والقانونية. على الرغم من أن تونس قد حققت خطوات هامة في مجال حقوق المرأة، إلا أن هذه الفئة لا تزال تواجه تحديات كبيرة تتطلب اهتمامًا أكبر من قبل الحكومة والمجتمع. إن تعزيز الدعم الرسمي، وتغيير المواقف الاجتماعية، وتوفير فرص اقتصادية حقيقية، هي خطوات أساسية نحو تمكين الأمهات العازبات ليعشن حياة كريمة ويقمن بتربية أطفالهن في بيئة صحية ومستقرة. ففي نهاية المطاف، الاستثمار في هذه الفئة هو استثمار في مستقبل المجتمع التونسي بأسره.