في “الروندة 13″، لا يكتفي الفيلم بتوسيع دلالة الملاكمة كاستعارة، ويشتغل على تفكيكها من الداخل، كأنما يسائل بنيتها ذاتها، ماذا يحدث حين تفقد المواجهة شروطها الأساسية؟ حين يغيب الخصم، أو يتخفّى، أو يتحول إلى قدر لا يمكن لكمه؟
ولا تعود الحلبة فضاءً للصراع المتكافئ، وتصبح فضاءً للاختلال، للّايقين، لزمن يتآكل ببطء دون أن يمنح أبطاله فرصة النهاية الواضحة.
هذا التحول لا ينبني فقط على مستوى الحكاية، وإنما يتسرّب إلى بنية السرد نفسها، فالفيلم يراهن على إيقاع داخلي أقرب إلى التنفّس المتقطّع منه إلى التصاعد الكلاسيكي. لا توجد ذروة واحدة تُفضي إلى انفراج، نحن أمام سلسلة من الذروات الصغيرة، المتناثرة، التي لا تكتمل. وكأن البناء الدرامي ذاته يخضع لمنطق المرض من تقدّمٌ متعثّر، وانتكاسات، ولحظات أمل سرعان ما تتبدّد، ثم عودة إلى نقطة قريبة من البداية، لكن بثقل أكبر.
على تخوم حلبة هذا العمل السينمائي، لا نقيس النصر بعدد الجولات، ولا نختزل الهزيمة في السقوط أرضا، نحن نُعيد تعريفهما داخل جسد مُنهك لطفل يقاوم مرضا لا يرحم، وداخل روح أبٍ يكتشف أن أقسى المعارك هي تلك التي لا يمكن خوضها بالقوة وحدها، وأم تمضي مثقلة بأنين طفلها الذي لا يتلاشى بلمساتها الحنونة.
الأب كمال (حلمي الدريدي) ، في هذا السياق، ليس “بطلاً مهزوما” بالمعنى التقليدي، هو بقايا فكرة البطولة والجسد الذي كان يوما أداة سيطرة يتحول إلى ذاكرة ألم.
الفيلم لا يقدّم هذا التغير عبر خطاب مباشر، وإنما عبر تفاصيل دقيقة تسكن طريقة المشي، ونظرات مترددة، ولحظات صمت أمام جسد الابن.
وهنا، يصبح الجسدان، جسد الأب وجسد الابن، في علاقة مرآوية معكوسة فالأول يفقد فاعليته رغم قوته السابقة، والثاني يقاوم رغم هشاشته البنيوية.
هذه المفارقة تنفتح على قراءة أعمق تحيل إلى أن القوة في الفيلم ليست خاصية فيزيائية، هي حالة وجودية مؤقتة، قابلة للانهيار في أي لحظة، فالفيلم لا يعزز جولات الملاكمة بواحدة إضافية فقط، بل يسقط فكرة أن الجولات يمكن أن تكون عادلة أصلًا.
أما الام سامية (عفاف بن محمود) فلا تظهر كداعم درامي لكمال، بل كقوة موازية تعيد توزيع الثقل العاطفي داخل الفيلم فهي ليست الأم الصابرة المصطبرة في صورتها النمطية، هي كيان يتآكل بصمت.
وقد قام أداء عفاف بن محمود للشخصية على اقتصاد شديد، حيث تنبني الأحداث على إيماءة صغيرة وارتجافة يدٌ ونظرة طويلة، ومحاولة ابتسامة لا تكتمل.
ما ينجح فيه الفيلم هنا هو تجنّب تحويل “سامية” إلى رمز، والإبقاء عليها في مستوى إنساني هش فهي لا تمثل “الأمل”، ولا “الصبر”، هي تمثل ذلك التمزق بين الرغبة في التماسك والانهيار الوشيك. وبهذا، تصبح العلاقة بينها وبين كمال علاقة شدّ صامت تلامس الألغام لكنها لا تنفجر.
أما أداء هادي بن جبورية فلا يمكن قراءته فقط ضمن معيار “التمثيل الجيد”، لأنه يتجاوز ذلك إلى نوع من الحضور الخام فالكاميرا لا “توجّهه” بقدر ما تلاحقه، تلتقط لحظات غير مكتملة، ونظرات غير مصاغة، وردود فعل تبدو أحيانًا خارج السيطرة التمثيلية.
هذا الاختيار الإخراجي، الذي يقوم على الاقتراب من الطفل دون توجيه مربك يمنح الفيلم صدقه الأكثر قسوة، فبدل أن يكون الطفل موضوعا للشفقة، يصبح مركزا للقلق الوجودي.
أداؤه غير المتكلّف يجعل من كل لحظة يظهر فيها مساحة مكثفة للمعنى، ويضعنا وجها لوجه مع كائن صغير يُصارع، دون وعي كامل، قوانين أكبر منه، لكنه ينجح، ولو مؤقتا، في انتزاع لحظات حياة من بين أنياب الفناء.
عنوان الفيلم، “الروندة 13″، لا يأتي اعتباطا، فالملاكمة، كما نعرفها، تقوم على 12 جولة، نظام مغلق بنهايات واضحة، لكن الفيلم يضيف جولة ثالثة عشرة، لا تخضع للقواعد، خارج الزمن الرياضي، خارج منطق الفوز والخسارة، لا تعترف بنهايات جاهزة، إنها جولة الحياة نفسها، حيث لا حكم يُعلن النهاية، ولا جرس يُنقذ المتعبين.
في هذه الجولة، يصبح الطفل هو الملاكم الحقيقي الذي يقاتل في معركة غير متكافئة، حيث الاحتمالات مفتوحة على الفقد بقدر ما هي مفتوحة على الأمل.
والاشتغال البصري عند حاتم ناشي يذهب في اتجاه تكثيف هذه المشهدية، وبناء مزاج بصري متماسك، فالإضاءة الخافتة، والظلال الثقيلة، والمساحات المعتمة لا تخلّف بصمة حزن فقط بل تعيد تشكيل الفضاء كامتداد للحالة النفسية.
في كثير من اللقطات، يبدو الضوء كأنه يقاوم الانطفاء، يتسلل بصعوبة، أو ينكسر على وجوه الشخصيات، وهذه الديناميكية الضوئية توازي تمامًا الصراع الداخلي فلا شيء مُضاء بالكامل، ولا شيء غارق كليا في العتمة.
كما أن الكاميرا تميل إلى الثبات أو الحركة البطيئة، ما يعزز الإحساس بثقل الزمن، فلا مكان للحركات المجانية، كل انتقال يبدو محسوبًا، كأن الصورة نفسها تخشى الانزلاق.
أما موسيقى سليم عرجون، فتأتي كامتداد للأنفاس المتقطعة لا تفرض حضورها بشكل فج، بل تتسلل بخفة، لترافق التحولات العاطفية.
لحظات كثيرة في الفيلم ، يبدو الصمت أكثر بلاغة، وكأن الفيلم يدرك أن بعض الآلام لا تحتاج إلى مرافقة صوتية، بقدر حاجتها لسكون يستوعب أثقالها.
وأما الكاستينغ، الذي أشرفت عليه رحمة زغلامي، فيعد من أبرز نقاط قوة العمل فإلى جانب الطفل هادي بنجبورية، يقدّم كل من عفاف بن محمود وحلمي الدريدي أداءً متماسكا، قائما على الاقتصاد في التعبير، دون الوقوع في فخ الاستعراض.
أما المشاركات الخاصة، مثل الأمين النهدي وسلوى محمد وسماح السنكري وسيف الظريف، فتضيف طبقات خفيفة لكنها مؤثرة، تُغني النسيج الدرامي دون أن تُثقل كاهله.
وقد يُؤخذ على الفيلم بعض التكرار، لكن هذا التكرار يمكن قراءته كخيار جمالي مرتبط بموضوعه فالمرض، في جوهره، ليس حدثا متفردا، بل حالة مستمرة من الإعادات، الممرات نفسها، الانتظار ذاته، والقلق المتجدد.
والمونتاج يعكس هذه الدائرية، حيث تتكرر بعض الأنماط البصرية والسردية، ما يخلق إحساسا بالاحتجاز داخل زمن لا يتقدم بقدر ما يدور، وهذا قد يبطئ الإيقاع في بعض المقاطع، لكنه في الآن ذاته يعمّق تجربة المشاهدة، ويجعلها أقرب إلى المعايشة منها إلى المتابعة.
وما يميز “الروندة 13” ليس فقط موضوعه، بل الطريقة التي يختار بها الاقتراب منه فالفيلم يرفض الاستسهال، ويرفض تحويل الألم إلى عرض، أو إلى وسيلة ابتزاز عاطفي ويبني، في المقابل، مسافة دقيقة بينه وبين موضوعه، مسافة تسمح بالرؤية دون أن تُلغي الإحساس.
أما النهاية، التي “لم تكن كما تمناها الكل”، لا تبدو صادمة بقدر ما تمثل نتيجة منطقية لمسار طويل من التمهيد فهي ترفض الخيار السهل، وتختار أن تظل وفية لرهانها الواقعي، حيث لا تنتصر الحياة دائمًا، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى.
في هذه اللحظة، يتحول الفيلم من حكاية عن سرطان الأطفال إلى تأمل أوسع في معنى الفقد، وفي قدرة الإنسان على الاستمرار رغم كل شيء.
في المنطقة الرمادية بين القوة والانكسار، حيث يُعاد تعريف الإنسان بعيدا عن بطولاته الظاهرة، يتحرك الفيلم الذي يؤجج السؤال عن معنى المقاومة حينما يكون الانتصار مستحيلا .
في هذه المسافة تحديدا، يتشكل معنى المقاومة كما يقترحه الفيلم فهي ليست انتصارا، ولا حتى وعدا به، بل فعل استمرار، استمرار رغم غياب الأفق، ورغم اختلال المعادلة، رغم معرفة أن “الجرس” قد لا يُقرع أبدا.