هناك فنانون يعتلون الركح ليغنّوا، وآخرون يصعدون إليه ليوقظوا ما ظنناه اندثر فينا. والشاب خالد، في ثاني سهرات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي، لم يكن في حاجة إلى أن يثبت أنه ملك الراي، فقد حسم التاريخ هذه المسألة منذ عقود.
ما فعله في قرطاج كان أكثر تعقيدا وجمالية لقد أعاد تعريف الحنين، باعتباره طاقة قادرة على مصالحة الإنسان مع ذاكرته بعيدا عن فكرة البكاء على الأطلال.
في المسرح الروماني، حيث تتقاطع الأزمنة منذ قرون، بدا كل شيء مهيأً لاستقبال ليلة لا تشبه غيرها إذ فتح الشاب خالد أبواب الذاكرة على مصراعيها، ليعيد آلاف المتفرجين إلى زمن كانت فيه أغنية الراي جزءاً من يومياتهم، وصوتاً رافق أفراحهم وأسفارهم وحكاياتهم الأولى.
وفي الاستهلال، اختار المهرجان أن ينحني لذاكرة الفنان التونسي الراحل صالح الفرزيط. مرّت صوره على الشاشة، وتعاقبت محطات مسيرته الفنية لتذكّر الجميع بأن الأغنية لا تموت بموت أصحابها، بل تستمر كلما وجد من يرددها.
كان ذلك التكريم مدخلا بليغا إلى سهرة عنوانها الذاكرة، ذاكرة الأغنية الشعبية التونسية، وذاكرة الراي، وذاكرة المغرب العربي بأكمله.
ثم دخل خالد… فنان يعود بعد عشر سنوات من الغياب، وصوت يعرف الطريق إلى جمهوره، وسط استقبال بدا أقرب إلى لقاء بين أصدقاء فرّقتهم السنوات.
لم يحتج خالد إلى مقدمات طويلة، فما إن دوّت النغمات الأولى حتى تحوّل المسرح الروماني إلى جوقة هائلة تردد الأغنيات عن ظهر قلب وصرخت الذاكرة الجماعية بصوت واحد.
من “بختة” إلى “وهران”، ومن “يا الشابة” ثم “ديدي” و”عايشة” و”C’est La Vie”، كانت الأغنيات تعود كما لو أنها لم تغب يوماً.
يكن الجمهور يستمع إليها بقدر ما كان يعيشها من جديد، فهذه الأعمال تجاوزت زمن صدورها لتصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية في تونس والمغرب العربي.
وعلى وقع هذه المشهدية، تعدت الأغنية للعمل الفني لتصبح زمنا مستعادا، ووجوها رحلت وظلت ملامحها، ومدنا تغيرت معالمها، وأحلاما تعتقت مع السنين.
وعلى ركح قرطاج الأثري، نسجت القيثارات والساكسوفون والدرامز توليفة موسيقية ترشح حياة، بينما حافظ صوت خالد على دفئه المعروف، ذلك الصوت الذي لا يستعرض قوته بقدر ما يراهن على بلوغ القلب دون إيذان.
ومنذ أن بدأ تجربته الفنية في وهران، لم يكتف بحماية الراي، بل أعاد تعريفه. أدخل إليه الأورغ والإيقاعات الحديثة، وفتح له أبواب الروك والريغي والجاز والموسيقى العالمية، من دون أن يتخلى عن روحه الشعبية.
ولم يكن البرنامج الغنائي وحده ما صنع سحر ليلة الشاب خالد، بل ذلك الشعور الجمعي بأن الكل يستعيد جزءاً من حياته فحضرت النوستالجيا لتحتفي بكل ما بقي حيّا من الماضي.
ولأن الفن الحقيقي لا يعيش معزولا عن العالم، حضرت فلسطين في قلب السهرة باعتبارها جزءاً من الضمير الجمعي حينما صدح صوته ” أنا الفلسطيني… أنا العربي.. أنا التونسي… أنا الوهراني… انا الجزائري” وتجلت فلسطين كجرح عربي مفتوح، وكحلم بالحرية لا تستطيع الحروب أن تطفئه.
وفي واحدة من أكثر اللحظات رمزية، اعتلى ابن الشاب خالد وابنته الركح حاملين العلمين التونسي والجزائري، في صورة اختزلت عمق الروابط بين الشعبين، ورسخت فكرة أن الموسيقى قادرة على تجاوز الحدود وصناعة مساحة مشتركة للذاكرة والمحبة.
وحين توشح خالد بالعلمين، احتفي ببلدين متجاورين وبتاريخ طويل من التداخل الثقافي والوجداني بين تونس والجزائر، ذلك التاريخ الذي كانت الأغنية دائماً إحدى لغاته الأكثر صدقاً.
وبين النوستالجيا التي أعادت الجمهور إلى أجمل سنواته، والحضور الإنساني الذي جعل فلسطين حاضرة، ورمزية العلمين التونسي والجزائري على الركح، كتب خالد واحدة من السهرات التي تؤكد أن الأغنيات العظيمة لا يطويها الزمن، بل تزداد حياة كلما وجدت جمهوراً يؤمن بأن الموسيقى، في النهاية، هي الذاكرة الأكثر وفاءً.