كانّ_بعد مشاركة فيلمها “البنت الصغرى” (la petite dernière) في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته الماضية، تعود المخرجة الفرنسية التونسية حفصية حرزي إلى كان من بوابة التمثيل في فيلمين.
وتؤدي حفصية حرزي التي تلفت الأنظار في كل مرة بأدائها دور الأم في فيلم ” كلمات حب قليلة” (Quelques mots d’amour) للمخرج “رودي ريزنبرغ” (Rudi Rosenberg)المشارك في قسم نظرة ما، وفيلم “حكايات الليل” (Histoires de la nuit) للمخرجة “ليا مسيوس” (Lia mysius).
في فيلم “كلمات حب قليلة” للمخرج رودي ريزنبرغ، المشارك في قسم “نظرة ما”، تجسّد حريزي شخصية أم شجاعة تسعى إلى مساعدة ابنتها في البحث عن أبيها الغائب، في رحلة تأخذنا إلى أحياء سارسيل خلال تسعينيات القرن الماضي.
سارسيل في التسعينيات ليست مجرد ديكور، إنها عالم قائم بذاته، بأحلامه الصغيرة وجروحه الكبيرة، بمهاجريه وأبنائهم الذين وُلدوا بين ثقافتين ولم يجدوا أنفسهم تماماً في أيٍّ منهما. في هذا الفضاء، تحمل الأم وحدها ثقل الغياب وتحاول أن تُعوّض ابنتها عن كل ما لم تستطع توفيره. الفيلم يجمع بين الحنين والعاطفة الإنسانية الصادقة، وهو وفق ما يصفه المشاهدون الأوائل عمل مؤثر يلامس مباشرة تلك المنطقة الرقيقة بين الذاكرة والمحبة.
ويأتي فيلم “حكايات الليل” للمخرجة ليا مسيوس بمناخ مختلف تماماً، أكثر قتامة وأكثر توتراً.
نورا وتوماس وابنتهما إيدا يعيشون في مزرعة نائية، معزولة عن العالم، ولا تجمعهم سوى جارة إيطالية تُدعى كريستينا، رسامة تحمل أسرارها بصمت.
الحياة هناك هادئة في الظاهر، لكن هدوءاً من هذا النوع لا يدوم. في ليلة كانت مُعدّة لاحتفال مفاجئ بعيد ميلاد نورا، يظهر ثلاثة رجال غرباء يتسلّلون إلى المكان ويقتحمون الاحتفال، فتنكشف تدريجياً أسرار طال إخفاؤها وتتصدّع الصورة الهادئة للحياة المشتركة.
هنا أيضاً تقف حريزي في قلب الصورة، وتتقمص أمومة من نوع آخر، أمومة تواجه الخوف والغموض والخطر، وتضطر إلى استحضار قوة لا تعرف هل تملكها حتى تلك اللحظة.
ما يلفت في مسار حفصية حريزي أنها لا تُكرّر نفسها، ففي كل دور تختاره، ثمة شيء جديد تريد اكتشافه، شيء يتحدّاها ويدفعها نحو أعماق لم تبلغها بعد.
الأمومة كموضوع قد يبدو لأول وهلة خياراً متكرراً، لكن بين “كلمات حب قليلة” و”حكايات الليل” مسافة شاسعة، هي بالضبط المسافة التي تفصل بين الحب في مواجهة الغياب والحب في مواجهة الخطر.
وفي كلا الفيلمين، تبدو حريزي ممثلة تعرف ما تفعله تماماً، إذ تستكشف الأمومة بوصفها حالة إنسانية كاملة بتناقضاتها وجراحها وإصرارها.
فرنسية تونسية، ممثلة ومخرجة، حاضرة في كان مرتين في دورة واحد، تبدو حفصية حريزي فنانة لا تكفيها مساحة واحدة.
يشار إلى أن فيلمها “أمّ صالحة” (Bonne Mèr) قد تحصل على جائزة العمل المتكامل ضمن قسم “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي 2021 في دورته الرابعة والسبعين.