كانّ_أربع صفحات فقط…. هذا كلّ ما تبقّى من رواية “لا بولا نيغرا”(الكرة السوداء) لفيديريكو غارسيا لوركا قبل أن يُعدمه الفاشيون في صيف 1936.
أربع صفحات نجت من الرصاص، ومن التراب الذي ابتلع الجسد، ومن آلة المحو التي لم تكتفِ بقتل الشاعر، بل حاولت أن تقتل الأثر أيضاً.
في تلك الصفحات القليلة، يكتب لوركا عن شاب يُطرَد من نادٍ اجتماعي بسبب شائعة تتعلّق برغبته.
لا أحداث كبرى، لا حبكة مكتملة، ومع ذلك يبدو النص، حتى في هيئته المبتورة، كأنه يحمل كلّ ما سيأتي لاحقاً من العار الاجتماعي، والجسد بوصفه مساحة وصاية، والرغبة باعتبارها قضية سياسية قبل أن تكون تجربة شخصية.
توقفتُ طويلاً عند رعب الفاشية من الأفكار، وعند تفصيلة النادي الاجتماعي، ذلك المكان يستمد مشروعيته ممن يستبعدهم، لا بمن يؤوي تحت سقفه ويحيل إلى المجتمعات المحافظ وما تحمله في جوهرها من أنظمة إقصائية تجيد ارتداء الأقنعة.
ولم يكن فيلم ” الكرة السوداء” للثنائي خافيير كالفو وخافيير أمبروسي، المعروفين باسم “لوس خافيس” محاولة لاستكمال رواية ناقصة، لأنّ الأعمال التي يقطعها الموت تتعالى عن كل سعي لاستكمالها، في المقابل يبقى استحضارها ملهما.
السينما هنا ليست فضاء للاقتباس، بل محاولة للانغماس في كينونة كاتب قتل عدة مرات، إذ يستعير “لوس خافيس” من لوركا نبض الحكاية ثم يزرعانها داخل بناء زمني ثلاثي : غرناطة عام 1932، ومحاجر الحرب الأهلية عام 1937، ثم مدريد عام 2017 حيث مؤرّخ شاب ينبش في ذاكرة المثليين الذين محاهم الخوف والفرانكوية معاً.
هذه الأزمنة الثلاثة لا تبدو فصولاً منفصلة، بل طبقات جيولوجية تضغط على بعضها فما يحدث في 1932 يفسّر ما يحدث في 1937، والاثنان معاً يفسّران لماذا يكرّس ألبيرتو، المؤرّخ في الزمن المعاصر، حياته للبحث عن تواريخ لم يُسمح لها بأن تسكن التاريخ الرسمي.
دون مباشرتية، يضعنا الفيلم في مواجهة مع القمع ويصالحنا مع فكرة أنه لن ينتهي بل إنه يتنكر في شكل جديد كل مرة.
الرغبة نفسها التي كانت تتردد همسا في نوادي غرناطة الأرستقراطية تعود لتظهر في زنازين الحرب، ثم في أرشيفات مدريد الحديثة، ويتحرك الزمن لكن الخوف يبقى، كأنه إرث ينتقل من جيل إلى آخر.
هنا تحديداً تكمن قوة “الكرة السوداء”، في كونه فيلما عن الرغبة، لكن، أيضا، عن السلطة، عن كيفية إنتاجها للخوف، وتحول هذا الخوف تدريجياً إلى رقابة داخلية تسكن الجسد نفسه.
فالشخصيات لا تخشى العقاب فقط، بل تخشى انكشافها أمام ذاتها أيضاً، ولهذا يبدو القمع في الفيلم أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة مباشرة بين الضحية والجلاد.
الفاشية هنا ليست نظاماً سياسياً فحسب، بل طريقة كاملة في تنظيم النظرة إلى الجسد، إلى “الرجولة”، إلى ما يُعتبر “طبيعياً” وما يُزج به إلى الظلّ على اعتبار أنه “غير طبيعي”.
كثير من الأفلام التي تتناول التاريخ المثلي تقع في فخّ البلاغة الأخلاقية أو تجعل المثلية ديكورا، أمّا “لوس خافيس” فيفهمان أنّ الرغبة البشرية أكثر التباساً من ذلك، لا أحد هنا بريء تماماً، ولا أحد يمتلك شجاعة كاملة. الشخصيات تتردّد، تنكر، تخاف، تصمت حين ينبغي أن تتكلّم، وتتكلّم حين يكون الصمت أكثر أماناً وهذا ما يمنحها إنسانيتها.
في الفصل الخاص بالحرب الأهلية، يبلغ الفيلم ذروته الفنية، جندي “فاشي” شاب يحرس سجيناً جمهورياً داخل عزلة المحاجر. الفكرة، في ظاهرها، قابلة لأن تتحوّل بسهولة إلى ميلودراما سياسية سهلة، لكن الفيلم ينجو من ذلك لأنه لا يقدّم العلاقة بين الرجلين بوصفها قصة حب بالمعنى التقليدي، بل بوصفها لحظة تصدّع داخل اليقين الأيديولوجي نفسه.
وبينما تفترض الحرب وضوحا مطلقاً : نحن وهم، الخير والشر، المنتصر والمهزوم، يفسد الجسد هذه الثنائيات دائماً.
الرغبة لا تظهر كتحرّر رومانسي، بل كارتباك وجودي، لأن الحاجة الإنسانية أعمق من كلّ الشعارات، بعيدا عن المكتوبة الرومانسية القديمة التي تقول إن الحب أقوى من السياسة السجين ورقيبه يعرفان معاً ما لا تعرفه راية أيّ منهما على حدة، وهنا يكمن “خطر” الفيلم الجمالي الحقيقي وهو طريقته في تشغيل الجسد كوثيقة.
في مشاهد الاقتراب بين الشخصيتين، لا تتسرّع الكاميرا لا يوجد قطع سريع يحاول تجاوز الحميمية التي تتحول إلى عملية بطيئة، ومترددة، تتحرك كالماء في إناء مغلق يبحث عن شقّه الوحيد للانسياب.
اختيار غيتاريكا ديلافوينتي في أول ظهور سينمائي له يبدو جزءاً من هذا التصوّر، المغنّي لا يدخل الفيلم كممثل محترف بقدر ما يدخله كحضور جسدي خام. ثمة شيء في صمته، في ارتباكه الجسدي، في طريقته في النظر، يجعلك تشعر أنّ الشخصية لا “تُمثَّل”.
في مواجهته، يقدّم ميغيل بيرنارديو أداءً شديد الاقتصاد، يحمل التمزّق الداخلي من دون انفجارات عاطفية أو خطابات موشحة بالمبالغة فالتوتر بين الشخصيتين ينبني على المسكوت عنه.
ويبقى القرار الأكثر ذكاءً في الفيلم عدم توجيه كل الضوء نحو “لوركا” كشخصية إذ كان يمكن بسهولة تحويل الشاعر إلى أيقونة تتجوّل داخل المشاهد مطلقة الجمل الشعرية، وكان الجمهور سيصفّق لذلك فوراً.
غير أنّ “لوس خافيس” يدركان أنّ تحويل لوركا إلى “تمثال” يعني اختزاله وتحنيطه، فيتعاملان معه كغياب فاعل كخيط خفي ناظم ويثيران الفضول لاكتشاف أثره.
حضوره يتسرّب في كلّ شيء في الخوف من الفضيحة، وفي الإقصاء الطبقي، وفي الموسيقى التي تبدو كأنها آتية من مكان بعيد، وفي ذلك الإحساس العميق بأنّ المجتمع لا يكره المختلف لأنه مختلف فقط، بل لأنه يكشف هشاشته الداخلية.
حتى “بينيلوبي كروز”، التي كان يمكن أن تتحوّل بسهولة إلى مركز استعراضي داخل الفيلم، يضادد حضورها فكرة النجومية نفسها.
والدور المكتوب خصيصاً لها لا يقدّمها كأيقونة، بل كجزء من النسيج العاطفي العام وطبقة إضافية من التعب الإنساني والحنين.
أما “غلن كلوز” فتبدو، داخل هذا العالم الإسباني المشبع بذاكرته المحلية، كأنها امرأة جاءت من بعيد لتقول إنّ الذاكرة لا حدود لها، وإنّ القمع، مهما بدا محلياً، يحمل دائماً ظلاً كونياً.
بصرياً، لا يحاول الفيلم إبهار المتفرّج عبر الفخامة الجمالية السهلة، بل يبني لغته على التوتر بين الضوء والعتمة حيث الوجوه غالباً نصف مضاءة، والأمكنة تبدو كأنها تستعيد ذاكرتها.
لا يوجد احتفاء إيروتيكي بالجسد، بل وعي دائم بأنه جسد مهدَّد، ومراقَب، وقابل للمحو في أي لحظة.
وهذا ما يجعل “الكرة السوداء” بعيداً عن كثير من الأفلام التي تستخدم التاريخ المثلي زينة ميلودرامية معاصرة.
والفيلم لا يستدعي الماضي من زاوية النوستالجيا، بل يكشف العنف البنيوي الكامن داخله، ذلك العنف الذي يبدأ قبل الرصاصة بزمن طويل، بالنظرة، وبالإشاعة، وبالسخرية، وبالإقصاء على حيز ضيق سرعانما يتحوّل إلى نظام كامل للمحو.
وإن قتلت الفاشية لوركا، وأخفت جسده، وتركت روايته ناقصة، فإنها لم تستطع قتل الأثر الذي تركه فالنصوص، حتى المبتورة منها، تمتلك قدرة غريبة على النجاة.
في القاعة الكبرى في مهرجان كان السينمائي الدولي، وقف الجمهور يصفّق ستّ عشرة دقيقة كاملة للفيلم الإسباني المشارك في المسابقة الرسمية، وكأنهم يحتفون بالصفحات الأربعة التي نجت من الفاشية.