في زمن تميل فيه التجارب الموسيقية إلى الفردانية وإلى صناعة النجوم أكثر من صناعة المشهد، يأتي مشروع “المائة كمان” ليقترح منطقا مختلفا، هو منطق الجماعة.
الجماعة هنا لا تتبدّى بوصفها تجمعا ظرفيا لعازفين يلتقون فوق الركح ثم يتفرقون، بل باعتبارها تصورا ثقافيا وتربويا يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد في الآن نفسه وهو كيف يمكن للموسيقى أن تصبح مساحة مشتركة لإنتاج المعرفة والمعنى والانتماء؟
منذ الإعلان عن فتح باب الترشحات أمام عازفي الكمان من مختلف الفئات (أطفالا،وشبابا، وطلبة وهواة ومحترفين) بدا جليّا أن المشروع لا يراهن على انتقاء نخبة مغلقة، بل على بناء تجربة واسعة، تسمح لدرجات متفاوتة من التكوين والخبرة أن تتجاور داخل فضاء واحد.
هذا الخيار في حد ذاته يحمل فلسفة تقوم على أن الموسيقى ليست امتيازا لمن بلغوا الاكتمال التقني، بل مجالًا يمكن أن تنمو فيه المهارات عبر اللقاء والتفاعل.
يقود المشروع فنيًا الموسيقار زياد الزواري، ويحضر في العملية البيداغوجية والإبداعية الفنانون والأساتذة شكري الخليفي، ورشيد قوبعة، ووديع بلغيث، وبهاء بن فضل، ومهدي ذاكر، وشوقي كفاية، ومجدي بهلول، وشادي نجاري، ومراد بوقارس، وعارف مذيوب.
ويحظى هذا المشروع الذي يحمل في طياته أبعادا يتقاطع فيها الفني والمجتمعي، بدعم إلى جمعية” We Love Sousse” ورئيسها أنيس بوفريخة ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية ومعاهد الموسيقى في تونس وسوسة.
من حلم مستوحى من العالم… إلى سؤال تونسي
وعن فكرة المشروع يقول الفنان زياد الزواري إنها لم تولد من فراغ، بل استُلهمت من تجارب عالمية، من بينها تجارب مشابهة على غرار التجربتين الفنزويلية واليابانية، حيث تتحول الموسيقى إلى أداة للتكوين المجتمعي.
والاستلهام هنا لا يعني النقل او الاستنساخ، فحين تبادرت الفكرة إلى ذهن الزواري فكٍؤ في صنع تونسي وموسيقى تونسية معاصرة فيها البعد الأوركسترالي، وفق حديثه.
وفي هذا المستوى، يتضح أن الرهان ليس إنتاج نسخة محلية من نماذج عالمية، بل محاولة إنتاج تجربة تونسية تنطلق من الواقع الثقافي المحلي ومن حاجاته الخاصة.
فالمشروع لا يكتفي بتجميع العازفين، بل يسعى إلى مساءلة مكانة الموسيقى الآلاتية داخل المشهد التونسي نفسه.
والكمان، تحديدا، ليس اختيارا اعتباطيا، فهذه الآلة ارتبطت طويلا بفكرة التعبير الفردي، وبالصوت الشخصي الذي يخرج من علاقة شبه حميمة بين العازف وآلته، الكمان في المخيال الموسيقي آلة الاعتراف، آلة الذات.
لذلك تبدو فكرة جمع مائة كمان، أو حتى 128 عازفًا كما سيكون الحال في العرض الأول اليوم 22 جوان برباط سوسة، ذات معنى خاص.
كيف يمكن لهذا العدد من الأصوات المتقاربة أن يظل متماسكا؟ كيف يتفادى هذا التشابه تكرار؟وكيف تحافظ تجربة التلحين الجماعي على خصوصيات كل عازف؟
انطلاقا من هذه الأسئلة يبدأ البعد الحقيقي للمشروع الذي يتجاوز العرض الموسيقي ليشكل “تجربة بيداغوجية وأكاديمية تخلق مسار تعلم مختلف، حسب حديث الزواري.
“نحاول أن ننفتح أكثر على الجهات الداخلية ونستقطب الشباب والأطفال الذين لديهم حس… نخلق أسرة تونسية موسيقية فيها أربعة أجيال، من سن ست سنوات حتى ستين سنة… من التلميذ إلى الطالب إلى الأستاذ وأستاذه”، يواصل الزواري الحديث عن المشروع الذي يحرر التعلم من النموذج العمودي التقليدي.
فالمعرفة، تنتقل أفقيا، عبر التمرين المشترك، والإنصات، والملاحظة، والتفاعل اليومي، عازف مبتدئ يجاور محترفًا، طالب موسيقى يشارك المساحة مع أستاذه، وأستاذ يجد نفسه بدوره داخل ديناميكية تعلم جماعية.
إنها محاولة لإعادة تعريف مفهوم التكوين الفني ليتعدى التلقين إلى مجتمع الممارسة، وسط “حلقة منقوصة” في العلاقة بالتعليم الموسيقي في تونس، حسب توصيف زياد الزواري.
والمقصود ليس غياب المؤسسات، بل عدم تكافؤ الوصول إلى التكوين، ففي مناطق عديدة من الداخل، تبقى فرص التعلّم الموسيقي محدودة، وتظل المناهج الحديثة في التدريس غير متاحة بالقدر نفسه الذي تعرفه المدن الكبرى.
من هنا يطرح المشروع نفسه كشبكة موازية أو مكمّلة ل”تحيين طرق التدريس وتعميمها في بعض المناطق الداخلية التي لا توجد فيها فرص بيداغوجية”.
واستعادة مكانة الموسيقى الآلاتية جانب آخر في دفاع المشروع عن الموسيقى الآلاتية، إذ يشر الزواري إلى أن هذا المجال حقه مهضوم في تونس”، وإن دولًا أخرى مثل تركيا اشتغلت على هذا النوع من المشاريع وأسهمت في إعادة الاعتبار له.
الملاحظة ليست جديدة، لكنها تكتسب معنى خاصًا حين تأتي من داخل الممارسة، ففي المشهد الموسيقي التونسي، كثيرًا ما تظل الأغنية والصوت البشري في مركز الاهتمام، بينما تبقى الموسيقى الآلاتية أقل حضورًا جماهيريًا ومؤسساتيًا.
لذلك فإن جمع هذا العدد من عازفي الكمان ليس فقط فعلًا تنظيميًا، بل أيضًا مانيفستو رمزي يحيل إلى الآلة يمكن أن تكون حدثًا.
ولأن المشاريع الثقافية لا تعيش بالحماسة وحدها، يظهر دور الخبير أنيس بوفريخة وجمعية “We Love Sousse”، إذ يقول بوفريخة إن ما أقنعه بالمشروع بالإضافة إلى صدقه، وصداقته مع الزواري، هو الحاجة إلى الاشتغال على البعد الوطني للموسيقى.
وفي سياق متصل، يضيف “نحن في المشروع لإعطاء أكثر عمق تنظيمي واستراتيجي… نحاول أن نهيكل وننظم ونمر إلى مأسسته”.
هذا التصريح يكشف وعيًا بمأزق كثير في المبادرات الثقافية في تونس فبعضها يبدأ بطاقة كبيرة ثم يتراجع بسبب غياب الهيكلة.
والانتقال من الحلم إلى المؤسسة يعني التفكير في الاستمرارية، وفي التمويل، وفي التكوين، وفي بناء شبكة، وفي تحويل التجربة إلى نموذج قابل للتطور.
ربما أكثر ما يمنح مشروع “المائة كمان” فرادته أنه لا يتحدث فقط عن الموسيقى، بل عن المجتمع، فالحديث عن التمييز الإيجابي، وحضور العنصر النسائي، والاندماج، والانتقال من التكوين إلى الاحتراف ثم إلى الإبداع، يكشف أن الرهان أوسع من إنتاج عرض ناجح.
فالموسيقى هنا تصبح وسيلة لتقليص المسافات بين الجهات، وبين الأجيال، وبين المستويات الاجتماعية، وبين من يملكون فرص التكوين ومن لا يملكونها.