في دورة تحاكي فيها الصورة الأثر والذاكرة والأسئلة المفتوحة على العالم، تتولّى الفنانة عفاف بن محمود الإدارة الفنية لمهرجان قابس سينما فن وهي تدرك أنها تدخل إلى تظاهرة راكمت، عبر السنوات، هوية خاصة وبصمة باتت معروفة داخل المشهد الثقافي العربي.
وتتعامل بن محمود مع هذا الإرث كأرضية صلبة تنطلق منها لتقترح رؤيتها الخاصة؛ رؤية تحافظ على روح المهرجان وتوسّع في الآن نفسه مساحات العبور بين أقسامه، من السينما إلى فن الفيديو والواقع الممتد، ومن الأرشيف والذاكرة إلى الأسئلة الملحّة التي يفرضها حاضر عربي مثقل بالحروب والتمثيلات المضادة للتاريخ.
في هذا الحوار، تتحدث عفاف بن محمود عن تجربتها الأولى في إدارة المهرجان، وعن هاجس التناسق بين الأقسام، وعن الجسور التي سعت إلى بنائها داخل برمجة هذه الدورة. كما تتوقف عند مركزية الذاكرة في اختياراتها، وعند حضور الإنسان بوصفه محورًا جماليًا وأخلاقيًا في مسارها الفني.
المهرجان راكم هوية واضحة خلال الدورات السابقة. كيف تعاملتِ مع هذا الإرث عند توليك الإدارة الفنية؟
المهرجان قائم الذات وله بصمة واضحة. أنا لم أحضره سابقًا، لكنني أعرف سمعة المهرجان وسمعة القائمين عليه، وهي سمعة مشرّفة. في البرمجة كانت هناك وجهة نظري الخاصة، واطلعت على كل الدورات السابقة. رأيت توازنًا بين الأقسام، وكان مهمًا بالنسبة إليّ أن تكون جائزة الجمهور في قابس حاضرة، ليس فقط في السينما، بل أيضًا في فن الفيديو وفي الواقع الممتد. هذا هو الجديد، لأن الجوائز في السابق كانت في السينما فقط.
أين تتقاطع روح المهرجان مع بصمتك الشخصية؟
أنجزت هذه الدورة بكثير من الحب. الفريق رائع، وكل قسم يقوده أشخاص مهمون. في فن الفيديو فاطمة كيلاني ومالك قناوي، وفي الواقع الممتد محمد العربي الصوالحية، وفي السينما كنتُ مشرفة ومعي شيماء العبيدي ورباب المباركي، إلى جانب كثير من جنود الخفاء من التقنيبن وغيرهم.
حاولت أن تكون الدورة متناسقة حيث عندما نمر من قسم إلى قسم يكون هناك ترابط وتنقل سلسل.
الفيلم القصير “المينا” لرندة المعروفي مثال على ذلك، فهي معروفة أكثر في فن الفيديو، وشارك فيلمها القصير في “كان” السنة الماضية، وأنا فرحت بوجودها في قسم السينما. أحسست أنني أخلق جسورًا بين الأقسام، مثل الفيلم الإيراني “oh, what happy days” لهومايان غانيزادا.
برمجة هذه الدورة تبدو متماسكة حول ثيمة الذاكرة، سواء عبر فلسطين أو الأرشيف أو الأزياء. كيف تبلور هذا الاختيار؟
عرض الافتتاح في قلب فلسفة المهرجان وفي قلب الذاكرة، وهو من بين الاختيارات التي تمثلني.
العالم الذي نعيشه اليوم عالم حرب، العالم العربي يعيش معاناة وقصفا، فلسطين، ولبنان، وإيران أيضا، وغيرها من البلدان. وهذا ليس أمرًا هيّنًا.
في الوقت نفسه، عندما أرى الحربين العالميتين الأولى والثانية وكيف تم توثيقهما، أنتبه اليوم إلى أهمية التوثيق. من سيكتب التاريخ ستكون له بصمته. المهم بالنسبة إليّ أن نكتب نحن، الشعوب العربية، تاريخنا بأنفسنا.
ومعرض الأزياء في السينما التونسية يدخل في هذا الإطار، لأنه موروثنا. ولا يمكن أن يروينا أحد كما نروي أنفسنا. وهاجسي دوما هو ثقافتنا وتاريخنا والاعتراف بهما.
إلى أي حدّ يعكس هذا التوجّه أسئلتكِ أنتِ كفنانة قبل أن تكوني مديرة فنية؟
كفنانة، أكثر ما يهمني هو الإنسان. في الإخراج مثلا في فيلم “كواليس” ، الإنسان هو الأساس. وكممثلة، أنت تعير جسدك وأعضاءك وتدخل في شخصية أخرى، وهذا يتطلب فهمًا ودراية نفسية. حتى لو كانت هذه الشخصية تختلف مع قناعاتك، عليك أن تفهمها، وعندها يصبح هناك تعاطف. لا شيء يأتي من فراغ، ويجب أن نفهم هذه السيرورة.
أنا اليوم ممثلة ومخرجة ومنتجة، هناك أشخاص مهّدوا الطريق، وهم مصدر إلهام، وهم جزء مني، ويجب أن أحتفي بهم.
ما هي قراءتك لتوجّه “الكازما” نحو الفكاهة كأداة نقدية؟ هل ترين في ذلك استجابة لواقع مأزوم؟
هو اختيار، وسردية كيف تريد أن تحكي. كيف تتحكم في الفصل، وما نراه اليوم هو أن بعض الأشياء عندما تُحكى بالضحك تمرّ الرسالة فيها أفضل أحيانا.
نادية كعبي لينكه، وتيمو كعبي لينكه اختاروا أن يكرّموا أولغا أدورنو وجان دوبوي، الذين اشتغلوا على الفكاهة في محاكاة للمثل الشعبي التونسي “كثر الهم يضحك”.
أنا أهنئهم على هذا الاختيار.
ما هي أكثر الفيديوهات التي طبعت ذاكرتك؟
جواب: أحد الفيديوهات التي طبعت ذاكرتي هو فيديو “تنزه السمكة الحمراء ” لإسحاق تشونغ الذي يضع سمكة في حوض يسافر بها. بحركة بسيطة جدًا يعكس حال الإنسان اليوم ويطرح غياب الحق في أن تكون مختلفًا أو أن تحمل رأيًا مختلفًا، يجب أن نشبه بعضنا وأن نكون في أطر محددة، وقالب متشابهة.
هذا العمل، عبر فعل بسيط، يجعلك تضحك على نفسك، السينما تنجح عندما يرى المتفرج نفسه في الشخصية، وأنا أعتقد أن المتفرج يرى نفسه في تلك السمكة الحمراء.
في المقابل، “كا أوف” يعكس قلقًا وجوديًا واضحًا لدى جيل شاب. كيف تقرئين هذه النبرة؟
جواب: أحيّي ريم حداد على هذه الاختيار الذي يجمع بين الفني والإنساني، وتتخذ فيه الأشياء معاني أخرى. كل القائمين على الأقسام اشتغلوا بهذا النفس.
وفي هذه المساحة المخصّصة للأصوات التونسية الشابة، تم اختيار ثمانية أعمال تجمعها ثنائية الإبداع والحصار.
في قابس، يبدو أن البرمجة لا تنفصل عن المكان: الكورنيش، دار المدب، الفضاءات المفتوحة. هل يمكننا الحديث هنا عن “تجربة مدينة” لا فقط أفلامًا وأعمالًا تتعلق بالصورة؟
المدينة مشاركة بشكل كامل في المهرجان. الفضاءات نفسها جزء منه، الحاويات على الكورنيش، دار المدب، دار «كا». هذه معالم تابعة للبلاد، والمهرجان يبعث فيها حياة أخرى.
وطقس”التلحليح” الذي اتخذ ملامح أخرى إثر اللقاء مع آمنة معارف في الغرض الصوتي “يا بحر يا رايس جيناك عرايس يرسخ أن قابس في قلب المهرجان.
ما كان التحدي الأكبر لكِ في هذه التجربة الأولى؟
الفريق رائع ومعتاد على المهرجان. الهاجس الوحيد بالنسبة إليّ هو أنني أخوض تجربة جديدة المهرجان، في المقابل منحني عدد المهرجانات التي زرتها تجربة كبيرة، أستلهم منها.
لم أحضر المهرجان من قبل، لكنني وجدت كثيرًا من الحب والاحتواء. الفريق حضنني. في الحقيقة هم عائلة وليسوا مجرد فريق. نحن نعمل معًا من أجل الهدف نفسه، من دون تراتبية. أي إضافة مرحّب بها، وأنا أستمع إلى الجميع.