حين تسمع عن حيّ يطل على البحر، يتبادر إلى الذهن مشهد جمال الطبيعة بنسيمها العليل، وشاطئها الجميل ذي الرمال الذهبيّة. ولكن في حي المريقب من مدينة منزل تميم لا تكفي زرقة البحر ولا جمال الشاطئ لإخفاء وجه آخر للحياة. هناك يعيش العم جميل ذو 65 سنة هذه المفارقة منذ سنة 2008، بين البحر من جهة، ووادي المريقب من الجهة الأخرى، وكأنهما عالمان لا يلتقيان.
في الشتاء، تتحول الأزقة إلى مستنقعات تعزل الحي عن محيطه، فتغرق الطرقات غير المهيأة وتصبح الحركة مغامرة يومية امام السكان وسياراتهم. أما في الصيف، فتحلّ الروائح الخانقة، وتجمعات البعوض وأتربة تملأ المنازل مع كل هبة ريح. وبين فصلين يتبدل فيهما المشهد، تبقى المعاناة واحدة، ويظل العم جميل شاهداً على مفارقة مؤلمة: حيّ يجاور البحر الذي يرمز للحياة، لكنه يعيش منذ سنوات وسط كارثة بيئية تحاصر السكان، وتحوّل نعمة الموقع إلى عبء يومي يثقل تفاصيل حياتهم.
مسار ملوّث: من فرجون إلى البحر، والحي في المنتصف
وثّقت جمعية البيئة بمنزل تميم المسارَ الكامل لهذا التلوث: مياه مُعالَجة جزئيا من محطة الديوان الوطني للتطهير (ONAS) بفرجون تُصرف في واد تافخسيت عبر قنطرة سيدي حميدة، ثم تجري مسافة أربعة كيلومترات حتى تصل إلى سبخة المريقب، قبل أن تندفع نحو البحر. وعلى طول هذا المجرى، تنضاف مصبات صناعية تُضخ في الوادي دون حساب.
يعاني المتساكنون من اختلاط المياه المعالجة المتأتية من محطة التطهير بمنزل تميم مع المياه غير المعالجة لتصب في وادي المريقب من منطقة سيدي حميدة، التي يتركز فيها التلوث بالمياه المستعملة قبل أن يواصل طريقه إلى البحر.
كارثة بيئية متجددة
لم يكن حي المريقب بعيداً عن اهتمامات المسؤولين خلال السنوات الأخيرة، إذ تواترت عليه الزيارات الميدانية لمعاينة مشاكله والاستماع إلى مشاغل سكانه. ففي فجر يوم 9 جويلية 2025، تحول رئيس الجمهورية قيس سعد في زيارة فجئية غير معلنة إلى مصبي المياه المستعملة بمنطقتي العمود والمريقب من معتمدية منزل تميم حيث عاين التعدي على حق المتساكنين في بيئة سليمة والانتهاكات التي تطال البيئة والسكان في عين المكان.

بعدها تحول معتمد منزل تميم لمعاينة الطريق الرئيسية الوحيدة والمنعدمة والطرقات الفرعية التي تعاني من التدهور، إلى جانب الوقوف على وضعية وادي المريقب ورغم تعدد الزيارات وتكرار المعاينات الميدانية، فإن سكان الحي يؤكدون أن واقعهم لم يتغير كثيراً، وأن المشاكل البيئية والبنية التحتية المتداعية ما تزال حاضرة، في انتظار أن تتحول الوعود والتقارير إلى تدخلات تنعكس على حياتهم اليومية.
أكد المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في بيان له منذ أربع سنوات أن هذه الكارثة البيئية متواصلة منذ وقت طويل وسط غياب توضيحات أو أي إجراءات للحد من هذا النزيف من طرف السلط المعنية، وخاصة منها ديوان التطهير بنابل وكل من معتمدية وبلدية المكان. والمشهد يتكرر بنفس السيناريو: تصريحات قلقة، وعود بالتدخل، ثم عودة إلى الصمت وعودة المياه الملوّثة إلى مجراها.
عرائض رسمية ويبقى الناموس الرفيق الذي لا يغادر المكان
رفع أهالي المريقب بتاريخ 4 ماي 2026 عريضة رسمية إلى بلدية منزل تميم لتعبيد الطريق الرئيسي بطول 600 متر. أشاروا فيها إلى معاناتهم بسبب غياب الطريق وإلى أطفال يتأخرون عن مدارسهم، والبعض منهم مهدد بالانقطاع، ومرضى لا تصل إليهم سيارات الإسعاف، ومنازل لا تُرفع فضلاتها بانتظام، وبعضها محروم من الماء والكهرباء. هناك تظل السيارات عالقة، وإن حاولت المرور إلا انه ينتهي بها المطاف في الوحل الكثيف الذي يبتلع عجلاتها، فتتوقف الحركة عند مداخل الحي. يقول العم جميل: ” نحن سكان المريقب ندفع سنويا الأداءات البلدية المستوجبة، لكننا خارج سياق الخدمات البلدية تماما.”

أكد رئيس جمعية البيئة بمنزل تميم أيمن حمام أن تسرب مياه الصرف الصحي بوادي العامود أدى إلى تكون مياه راكدة تسببت في تكاثر البعوض والناموس مما يثير قلق متساكني مدينة منزل تميم والمناطق المجاورة، مضيفا أن الإشكال لا يزال متواصلا، طالما أنه لم تتم معالجته جذريًا، حسب تعبيره.
قامت بلدية منزل تميم في بداية شهر جوان الجاري بالإعلان عن حملة لمقاومة الحشرات والتعقيم بوادي المريقب ومحيط المساكن. خطوة لم تفي بالغرض، إذ يشير العم جميل أنه طالما لم يوجد حل للمياه المتاتّيية من “فرجون” فستتواصل جحافل الناموس والروائح الكريهة”. وتدعو جمعية البيئة على لسان رئيسها الجهات المعنية إلى: التدخل العاجل لإيقاف مصادر التلوث ومعالجة جذور الإشكال المتعلق بالوادي والتصريفات ومراقبة ومنع أي تصريف مباشر في البحر أو الوادي وحماية الشريط الساحلي من التدهور البيئي.
تكشف المعطيات أن أزمة التصرف في المياه المستعملة ما تزال تمثل أحد أبرز التحديات البيئية في تونس، إذ يُطرح نحو 70% من إجمالي مياه الصرف الصحي، المقدرة بحوالي 276 مليون متر مكعب سنويًا، في البحر والسواحل والأودية والسباخ، في حين لا تتجاوز نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة 7%، وفق تصريح إعلامي للمختص في الشأن البيئي مهدي العبدلي. وهو ما يطرح تساؤلات متزايدة حول نجاعة منظومة التطهير واستغلال الموارد المائية في ظل تزايد الضغوط البيئية وشح المياه. ويزيد من الضغوط على المنظومة البيئية البحرية ويهدد استدامتها، والمريقب جزء من هذا الرقم المهول.
مع حلول المساء، يغلق العم جميل نوافذ منزله. يقول إن الروائح الكريهة تعرف طريقها إلى البيوت مع كل نسمة، فيما يبدأ الناموس رحلته اليومية ليحتل الأزقة والغرف. يشير بيده نحو الوادي الذي سُدّ مصبه بالرمال، ويختصر سنوات من المعاناة بجملة بسيطة: “الريحة ما تتوصفش”. وبين بحر لا يبعد سوى أمتار، ووادٍ تحوّل إلى حوض راكد للمياه الملوثة، يواصل أهالي المريقب حياتهم على أمل أن يأتي يوم يصبح فيه نسيم البحر أقوى من الروائح، وتعود نعمة الموقع الساحلي كما كانت، لا أن تبقى عنوانًا لمعاناة تتكرر مع كل شتاء وصيف.
ر. ش