لم يكن طريق الممثل أمير المصري إلى “العملاق” هينا، إذ كان معبدا بأنفاسه ورقه وهو يعيد تشكيل جسده ليوازي جسد الأسطورة الحية التي يقتبس حياتها في الفيلم.
وأن يؤدي دور الملاكم البريطاني ذي الأصول اليمنية نسيم حامد يعني أنه اختار أن ينغمس في تفاصيل حياة وجدت طريقها إلى ذاكرة جمهور الملاكمة وكل شخص تأثر بها ولو عرضا.
منذ البدء كان يعي أنه يقف أمام ذاكرة لا تغفر الهفوات وتمعن في ملاحقة التفاصيل وأنه يحمل على عاتقه ثقل رجل تخطى العنصرية والاسلاموفوبيا قبل أن يسقط خصومه بالضربة القاضية.
بحساسية نادرة نسج ملامح نسيم حامد وعرض هشاشته دون أن يتخلّى عن كبريائه، مزج الغرور بجراحه المفتوحة، والقوة بمراهقة لم تلتئم، وتحرك بين النبرة الساخرة والرجفة الداخلية دون انفصال، ومنح الفيلم صدقه العاطفي.
أربعة أسابيع فقط، كانت المدة المحددة كي يستعد بما يكفي ليكون أقرب إلى شخصية الملاكم الذي شد إليه الأنظار قبل أن يعتزل في سن الثامنة والعشرين فخاض رحلته الوجدانية والجسدية.
“كنت أتدرّب يوميا لمدة 12 ساعة، من السابعة صباحا إلى السابعة مساء” قال الممثل أمير المصري في حديث مع رياليتي أون لاين السنة الماضيةإثر عرض الفيلم في افتتاح مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
ووسط ساعات التدريب، كانت الحلبة مساحة اختبر فيها قدرته على التقمص والتحول والاقتراب من رجلٍ عاش في منطقة وسطى بين الضجيج والصمت، وبين الرقص والغضب، بين الطفو والانغماس.
لم يكن عليه أن يتقن اللكمات فحسب بل أن يبحث، أيضا، عن جسد نسيم خارج الحلبة، وفق حديثه، وعن تلك الحركة التي تشبه خفّة ريح حادة، وعن تلك النبرة التي تتقاطع فيها السخرية والثقة، وعن مشيته التي تستلهم من عناده.
كما يستلزم الدور أن يتقن لهجة شيفيلد، تلك اللهجة التي تأتي من قلب مدينة بريطانية غزتها العنصرية والاسلاموفوبيا في فترة الثمانينات والتسعينات ولم تستقبل نسيم بسهولة لأنه كان مختلفا.
ومثل كل رحلة صعبة، كان هناك أثر خلفه المسار في شكل إصابة على يد الممثل المصري الذي حاول ما استطاع إليه سبيلا أن يتماهى مع شخصية نسيم حامد ومضى نحو نقطة وضعها هدفا منذ البداية وهي أن يلتقي الممثل بالشخصية ويلغي الفاصل بينهما دون استنساخ مفرغ من الروح.
ولعل أمير المصري وجد في شخصية الملاكم الملقب بالأمير الذي عاش طفولته في بريطانيا، ما يراود ذاكرته، إذ يقول أن مسيرته أثرت فيه كما الكثيرين وأنه يلتقي معه عند نقطة الكفاح من أجل الوصول إلى الحلم.
وفي السياق ذاته ، أشار إلى أنه كان يكابد من أجل دخول عالم التمثيل ولكن ما واجهه لا يضاهي الصعوبات التي عايشها نسيم في منطقة سكانها لا يشبهونه.
بين الملاكم والممثل يمتد خيط من الاختلاف،الاسم المختلف، الملامح المختلفة، وحلمٌ يحاول أن يفرض نفسه وسط نظام اجتماعي يبني أسواره من الشكّ والتمييز.
ولأنّ تجسيد شخصية موجودة فعلًا هو امتحان أكثر صرامة من تجسيد شخصية متخيلة، أو أخرى غادرت هذا العالم يقر أمير المصري بأن المسؤولية كانت كبيرة والخوف كان أكبر من التعامل مع سيرة معاصرة وموجودة.
كما يؤكد أنه كان واثقا منذ البداية من الوصول إلى نتيجة تعجب الجمهور وهو ما جعل أداءه أكثر صدقا ونال إعجاب نسيم حامد الذي حضر عرض الفيلم في افتتاح مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
الملاكم الذي ألهم جيلا كاملا كان حاضرا، يجلس في الصفوف الأولى ومعه أولاده، وكان يتتبع الرجل الذي يعيد سرد قصته والمغيب منها على الشاشة في ثالث عرض الفيلم، وفق حديث أمير المصري.
وهو يستعيد لحظة جلوسه جنبا إلى جنب مع الشخص الذي يجسد مسيرته المفعمة بالصخب والرفض والحلم والوجع الخفي، تجلى الاعتزاز على محياه وهو يتحدث عن تمثل نسيم حامد الإيجابي للفيلم.