في إطار تظاهرة “فيا بغرادا”، برزت تجربة ضيعة “نفيس” (Nefiss)، بمنطقة الجديدة من ولاية منوبة، باعتبارها نموذجاً يفتح النقاش حول العلاقة بين الفلاحة والإيكولوجيا، وإمكانات التوفيق بين تثمين الموروث الفلاحي واعتماد أساليب إنتاج تراعي البيئة وتحافظ على الموارد الطبيعية.
وتأتي هذه التجربة ضمن سياق أوسع من التفكير في الاستدامة، حيث لم يعد إنتاج زيت الزيتون يقتصر على جودة المحصول وخصائصه الحسية، وبات يرتبط أيضاً بطرق استغلال الأرض، وإدارة الموارد المائية، والحد من الأثر البيئي للأنشطة الفلاحية.
وهذه المحاور تتقاطع مع القضايا التي تثيرها تظاهرة “فيا بغرادا”، من خلال فتح المجال أمام التعريف بالتجارب المحلية التي تسعى إلى إقامة علاقة أكثر توازناً بين الإنسان ومحيطه الطبيعي.
وتدير عائلة شعبان ضيعة “نفيس” منذ أكثر من ثلاثين عاماً، على مساحة تناهز 13 هكتاراً، في منطقة الجديدة من ولاية منوبة، ضمن مجال فلاحي يرتبط بتقاليد زراعة الزيتون وإنتاج زيته.
وتعتمد الضيعة أساساً على صنف الزيتون الشّتوي، الذي يُعدّ من الأصناف التونسية المعروفة بخصائصه الحسية ومكانته في منظومة إنتاج زيت الزيتون.
ومن هذه التجربة العائلية، يأتي زيت الزيتون البكر الممتاز “سينغاريس” (Singaris)، الذي يتميز بخصائص عطرية وفاكهية ونكهة حيوية، إلى جانب غناه بمركبات البوليفينول، وهي مركبات طبيعية تحظى باهتمام في دراسة الخصائص التركيبية لزيت الزيتون.
ولا تتوقف خصوصية التجربة عند المنتوج النهائي، وتشمل أيضا طريقة استخراجه، إذ تعتمد معصرة “نفيس” نظاما بيئيا دون إضافة الماء أثناء عملية الاستخراج.
ويكتسب هذا الخيار أهمية في سياق البحث عن أساليب إنتاج أكثر مراعاة للموارد، ولا سيما في بلد مثل تونس، حيث تفرض ندرة المياه وتحديات التغيرات المناخية التفكير في طرق أكثر كفاءة في استعمال هذا المورد الحيوي.
كما تحمل منتجات الضيعة شهادة الزراعة البيولوجية من مؤسسة “إيكوسير” (ECOCERT)، وفق المعايير المشار إليها في بياناتها التعريفية، وهو ما يضع التجربة ضمن توجه يسعى إلى تثمين المنتوج الفلاحي مع الالتزام بمتطلبات الإنتاج البيولوجي.
وتتيح تجربة “نفيس” مدخلاً لقراءة العلاقة بين جودة المنتوج والمحافظة على البيئة، وبين استمرارية التقاليد الفلاحية وتطوير أساليب الإنتاج.
فالمحافظة على الموروث لا تعني الجمود عند الممارسات القديمة، ويمكن أن تترافق مع البحث عن حلول تستجيب للتحولات البيئية والاقتصادية، وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصية المنتوج المحلي.
وفي هذا السياق، تمثل تظاهرة “فيا بغرادا” مناسبة لربط التجارب الفلاحية بالنقاش الأوسع حول الإيكولوجيا والاستدامة، والتفكير في كيفية تحويل الثروات الطبيعية من موارد اقتصادية إلى عناصر ضمن منظومة تنموية متكاملة، تأخذ في الاعتبار حماية البيئة وحقوق الأجيال القادمة.
وتكشف تجربة ضيعة “نفيس” أن مستقبل الفلاحة يرتبط بما تنتجه الأرض، وبكيفية التعامل معها، وبمدى القدرة على الجمع بين المعرفة المتوارثة والخيارات الإنتاجية المسؤولة.
وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل التحديات البيئية الراهنة، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول إمكانية بناء نموذج فلاحي تونسي يجعل من الجودة والاستدامة ركيزتين متكاملتين.