تواصل تونس تنفيذ التزاماتها الدولية في مجال حماية البيئة والتصدي للتغيرات المناخية، من خلال تسريع الانتقال نحو منظومة تبريد أكثر استدامة وكفاءة، ترتكز على الحد من استخدام الغازات ذات التأثير المرتفع على الاحتباس الحراري، وتعزيز النجاعة الطاقية، إلى جانب تطوير الكفاءات الوطنية في هذا القطاع.
وجاء ذلك خلال ورشة وطنية نظمتها الوكالة الوطنية لحماية المحيط، عبر الوحدة الوطنية للأوزون، اليوم بالعاصمة، بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للتبريد لسنة 2026، تحت شعار “التبريد الذكي”، وذلك بمشاركة خبراء وممثلين عن المؤسسات العمومية والقطاع الخاص، وبدعم من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
وأكد منسق الوحدة الوطنية للأوزون بالوكالة الوطنية لحماية المحيط، يوسف الهمامي، أن تونس شرعت منذ سنة 2024 في تجميد استهلاك مركبات الهيدروفلوروكربون (HFCs)، تنفيذا لالتزاماتها بموجب تعديل كيغالي لبروتوكول مونتريال، بعد أن صادقت على التعديل سنة 2021، موضحًا أن هذا التعديل لا يهدف إلى الإزالة الكاملة لهذه المواد، وإنما إلى التخفيض التدريجي في استهلاكها بنسبة تصل إلى 80 بالمائة على المدى الطويل.
وأضاف أن الاحتفال باليوم العالمي للتبريد يمثل مناسبة لتسليط الضوء على أهمية هذا القطاع في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، باعتباره عنصرًا أساسيًا في حماية البيئة، والحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، ودعم الاقتصاد الوطني والصحة العامة.
وأوضح الهمامي أن قطاع التبريد أصبح اليوم جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، سواء في حفظ الأغذية والأدوية واللقاحات، أو في دعم مختلف الأنشطة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الدراسات الدولية تؤكد وجود نحو 5.5 مليارات نظام تبريد حول العالم، ويعمل في هذا القطاع قرابة 12 مليون شخص.
ولفت إلى أن غياب سلاسل تبريد فعالة يؤدي إلى فقدان نحو 12 بالمائة من الإنتاج الغذائي العالمي، بينما يستهلك قطاع التبريد حوالي 20 بالمائة من الكهرباء المنتجة عالميًا، ويساهم بنحو 2 بالمائة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة، وهو ما يجعل تطوير تقنيات تبريد أكثر كفاءة ضرورة بيئية واقتصادية.

وفي السياق ذاته، صرح الهمامي لرياليتي أونلاين، أن تونس تمكنت إلى غاية 31 ديسمبر 2025 من خفض استهلاك مركبات الهيدروكلوروفلوروكربون (HCFCs) بنسبة 70 بالمائة مقارنة بالمستوى المرجعي الوطني، وهو ما ساهم في تفادي انبعاث أكثر من 917 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
كما نجحت البلاد، وفق المتحدث، في تجميد استهلاك مركبات HFCs منذ سنة 2024، فيما تم خلال سنة 2026 تخصيص حصة سنوية لاستيراد هذه المواد تقدر بـ2.023 مليون طن مكافئ ثاني أكسيد الكربون لفائدة 41 مؤسسة موردة، في إطار منظومة رقابية تهدف إلى التحكم في استخدامها والحد من آثارها المناخية.
وكشف الهمامي أن الوكالة الوطنية لحماية المحيط تعمل خلال السنة الحالية على إعداد إطار قانوني جديد ينظم دورة حياة غازات التبريد، بداية من التوريد والتصنيع والاستعمال، وصولًا إلى الاسترجاع وإعادة التدوير والتخلص الآمن منها، بما يرسخ التصرف الرشيد في هذه المواد.
وأضاف أن المرحلة الثالثة من البرنامج الوطني لإزالة المواد المستنفدة لطبقة الأوزون، الممتدة بين 2026 و2030، تتضمن جملة من المشاريع، من أبرزها تحويل خطوط إنتاج سبع مؤسسات تونسية مصنعة لمكيفات الهواء المنزلية لاعتماد غاز R-32 الأقل تأثيرًا على المناخ، إلى جانب تحسين النجاعة الطاقية لهذه الأجهزة من خلال اعتماد تقنية الإنفرتر (Inverter)، بما يساهم في تقليص استهلاك الطاقة وخفض الانبعاثات الكربونية.
وفي إطار دعم الكفاءات الوطنية، أشار المسؤول إلى مواصلة تنفيذ برامج تكوين لفائدة الفنيين والمكونين العاملين في قطاع التبريد والتكييف، إلى جانب تجهيز عشرة مراكز للتكوين المهني بالمعدات الضرورية لتدريس الممارسات الحديثة في التعامل مع سوائل التبريد.
من جانبه، أكد ممثل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية بتونس، لسعد بن حسين، أن المنظمة تواصل مرافقة تونس في تنفيذ مشاريع حماية طبقة الأوزون والانتقال إلى تقنيات تبريد أكثر استدامة، معتبرًا أن التبريد لم يعد مجرد خدمة تقنية، بل أصبح ركيزة أساسية للأمن الغذائي والصحة العامة والتنمية الاقتصادية.
وأوضح أن غياب منظومات تبريد فعالة يؤدي سنويًا إلى فقدان نحو 526 مليون طن من الأغذية، أي ما يعادل 12 بالمائة من الإنتاج الغذائي العالمي، فضلًا عن تأثيره المباشر على حفظ الأدوية واللقاحات والمنتجات الطبية الحساسة للحرارة.
وأشار إلى أن الطلب العالمي على خدمات التبريد مرشح لأن يتضاعف أكثر من ثلاث مرات بحلول سنة 2050، وهو ما يستوجب الاستثمار في حلول أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على المناخ، لافتًا إلى أن اليونيدو تدعم في تونس مشاريع لتحسين النجاعة الطاقية بقيمة تفوق 1.3 مليون دولار أمريكي، كما ساهمت في تكوين أكثر من مائة مكون وفني في مجال إدارة غازات التبريد، وتعمل على دعم تجهيز عشرة مراكز للتكوين المهني.
وأكد بن حسين أن المنظمة تساند أيضًا مشروع تحويل سبع مؤسسات تونسية مصنعة لمكيفات الهواء المنزلية نحو استعمال غاز R-32، وهو ما سيمكن من تقليص الانبعاثات بنحو 150 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مشددًا على أن الاستثمار في التبريد المستدام يمثل استثمارًا في الأمن الغذائي والصحة العامة والاقتصاد الوطني، فضلاً عن دوره في تعزيز قدرة الدول على التكيف مع التغيرات المناخية.
وتندرج هذه الجهود ضمن التزامات تونس في إطار بروتوكول مونتريال وتعديل كيغالي، اللذين يهدفان إلى حماية طبقة الأوزون والحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، عبر اعتماد تقنيات تبريد حديثة أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا على البيئة، بما يواكب التحولات العالمية في هذا القطاع الحيوي.
أميمة زرواني