يبدو أن التصعيد الأخير بين إيران و إسرائيل يبرز بجلاء أن الحرب في الشرق الأوسط لم تنته بعد. و معها بالطبع انعكاساتها على الأزمة الطاقية. و أن الصعوبات التي تعرفها بلادنا في المجال ستستمر إلى وقت. و يبقى الحل في اعتماد سياسة الطاقات المتجددة. و هي ما انطلقت فيه الدولة بعد.
الوضع لا يمكن إلا أن يبقى قائما ما دامت الحرب بين ايران و الولايات المتحدة و إسرائيل لم تنته رسميا و معها بالطبع مسألة إغلاق مضيق هرمز الذي يتسم كما يعلم الجميع بصعوبات مرور البواخر التي تحمل أنواعا من السلع و من بينها بالطبع البترول الذي وصل سعره إلى 110 دولارا و الذي اسقر اليوم في حدود 93 دولارا. علما أن عددا من الخبراء يؤكد أن هذا السعر لن يعود إلى ما كان عليه قبل هذه الحرب (قرابة 70 دولارا). فقد يتطلب الأمر حسب بعض المصادر أسابيع أو حتى أشهر لن ينزل فيه البرميل أقل من 80 دولارا. و هو سيناريو لا يخدم بالطبع الاقتصاد التونسي علما أن السعر الذي اعتمدته ميزانية الدولة للسنة الحالية كان في حدود 63 دولارا. علما كذلك أن ارتفاعا لبرميل النفط بدولار واحد يكلف الدولة نفقات في حدود 164 مليون دينار.
و هو الشيء الذي يهدد التوازنات التي تقبل عليها الميزانية هذه السنة و كذلك على نفقات الدعم المخصصة للطاقة و التي تستهلك تقريبا نصف كل نفقات الدعم . و لعل البعض يتذكر هنا تصريح وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ الذي قدمه خلال لقاء جمعه بنواب المجلس الوطني للجهات و الأقاليم و الذي قال فيه أن : ” العجز الطاقي ساهم بنسبة 57 بالمائة من العجز التجاري التو نسي خلال الثلاثي الأول من السنة الحالية“.
سببان إثنان
خاصة أن العجز الطاقي تفاقم منذ 2011 حسب ما تفيد به عدد من البيانات. و يعود هذا إلى التراجع الواضح في حجم الموارد الطاقية الذي تقلص إلى أكثر من النصف. فقد مرت هذه الكميات من 8,3 مليون طن من مكافئ النفط (و هي وحدة تُستخدم لقياس كميات كبيرة من الطاقة) إلى 3.4 مليون طن من مكافئ النفط سنة 2025.
و حسب ما أوضحه عدد من الخبراء التونسيين في المجال فإن هذا التقلص يعود إلى سببين إثنين . أولهما النقص الحاصل في الكميات المستخرجة من تونس. فقد انخفض عدد التراخيص الممنوحة لشركات النفط من 52 سنة 2010 إلى 17 سنة 2023. وعدد الأبار التي تم حفرها من 38 سنة 2010 إلى 3 سنة 2022.
“وينو البترول”
و قد ساهم على ما يبدو في هذا الوضع عدد من الأسباب و من بينها الحملات الموجهة إلى الشركات الأجنبية العاملة في مجال النفط. فقد غادرت بسبب هذه الحملات بعض الشركات البلاد التونسية و ذلك أمام الإضرابات و الاعتصامات وحركات الاحتجاج إلى جانب الخوف حتى على أمن عمالها و تجهيزاتها. الشيء الذي عطل الإنتاج و نقل المنتجات. نذكر في هذا السياق خاصة أحداث “تسكير الفانة” (غلق أبار النفط ) سنة 2020 في الكامور في ولاية تطاوين والتي أقدم عليه عدد من الشباب و الذي تسبب في خسائر قدرت ب 374 مليون دينار.
هذا بالطبع فضلا عن تأثيرات حملة “وينو البترول” و هي حملة تمت المطالبة خلالها سنة 2017 ب“مراجعة عقود البترول وإعطاء شباب الجهات التي توجد فيها أبار النفط و الغاز نصيبهم المستحق من الثورة“. و تم الاستناد في ذلك إلى الفصل 13 من دستور 2014 و الذي نص على أن “الثروات الطبيعية هي ملك للشعب التونسي وتتولى الدولة ممارسة السيادة عليها باسم“. و الذي غذى الحملة المنظمة أنداك والتي ساهم فيها بعض الفاعلين السياسيين. و هو السبب الثاني.
ثمار مشجعة
و يتساءل البعض اليوم و قد أصبحت هذه الحملة و الاحتجاجات التي رافقتها و سبقتها في عداد الماضي كيف يمكن أن نتجاوز هذا العجز الطاقي؟ ويصح القول هنا أن الأمر ليس هينا. فهل ستواصل تونسبلالدنا العيش في ضل هذه “التبعية الطاقية” إن صح التعبير لسنوات أخرى. علما أن الإستقلالية الطاقية نزلت من 94 في المائة سنة 2010 إلى 34 في المائة. فإضافة إلى الأمل في أن تنتهي الحرب على إيران و معها بالطبع الارتفاع في سعر الطاقة فإن الأمل قائما بالأساس في انخراط بلادنا بطريقة أكبر في الطاقات المتجددة خاصة و أن حظوظها متوفرة جدا بسبب ما أنعم عليها الخالق من شمس و رياح و هي قادرة أن تطور صناعة ما يسمى الطاقة البديلة. دون أن ننسى أن التنقيب عن النفط و الغاز قد يأتي مستقبلا بثمار مشجعة.
هذا فقد انخرطت بلادنا في مشاريع قد تسمح لها بتوليد 35% من الطاقات المتجددة في مزيج توليد الكهرباء بحلول عام 2030. وذلك ضمن الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي. هذا فضلا عن المنافع التي تتحصل عليها بفضل المشاريع المبرمجة لتمرير مصادر الطاقة من الجزائر إلى القارة الأوروبية و التي تمر حتما عبر التراب الوطني و االقادرة على تعزيز الأمن الطاقي في تونس. و من بينها مشروع “أل ماد” و الذي يتعلق بوضع خط في عمق البحر بين الوطن القبلي و جزيرة صقلية الإيطالية.
محمد قنطاره