في السابع من أكتوبر، بما يحمله هذا التاريخ من دلالات وذاكرة مثقلة بالوجع، التقيت زميلي محمد علي الصغير. لم نكن نعلم، ونحن نتبع الغرزة، إلى أيّ الحكايات ستقودنا الخيوط، ولا أيّ ذاكرة ستفتح لنا أبوابها.
مضينا خلف أثرها، فإذا بنا أمام لوحة ما تزال فيها الإبرة منتصبة، يشدّها خيط أحمر لم ينقطع، ولم يبلغ بعد نهاية الحكاية. لوحة مطرّزة بعنوان “القدس”، كأنّ يدًا توقّفت عند عتبة الكلام، وتركت للخيط أن يقول ما تعجز اللغة عن قوله، أو كأنّ صاحبة العمل أبت أن تضع الغرزة الأخيرة، لأنّ الحكاية نفسها لم تنتهِ بعد.
عند تلك الإبرة التي ظلّ الخيط الأحمر مشدودًا إليها، لم يعد التطريز خيوطا تتعانق فوق قطعة قماش، ولم تعد الغرزة تفصيلًا صغيرًا في نسيج لوحة، صار الخيط أثرًا للذاكرة، وصارت الإبرة شاهدًا صامتًا على حكاية مدينة مازالت جراحها مفتوحة.
وفي ذلك الالتقاء بين فعل التطريز ووجع الذاكرة، بدا القماش مساحة تتجاوز حدودها المادية، لتصير مجالًا تتقاطع فيه التجربة الإنسانية مع التعبير الفني، ويغدو فيه الأثر الصغير حاملا لمعنى أكبر منه.
من تلك اللحظة، قادتنا الغرزة إلى معرض “تَبَعْ الغُرْزَة” للفنانة التشكيلية والباحثة الدكتورة زهور الزردي، المقام برواق “Concept Store” في مدينة الثقافة الشاذلي القليبي بتونس العاصمة، من 3 إلى 24 أكتوبر 2026.
هذا المعرض يضع فنون النسيج والتطريز اليدوي في قلب تجربة تشكيلية معاصرة، ويفتح بابًا للتأمل في العلاقة بين الموروث والحاضر، وبين ما تختزنه الذاكرة الجماعية وما يمكن للفن أن يستخرجه منها من دلالات جديدة.
“تَبَعْ الغُرْزَة” ليس تسمية لمعرض عن النسيج فحسب، هو دعوة إلى اقتفاء أثر الخيط، وملاحقة مساره من اليد إلى القماش، ومن القماش إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى المعنى.
ففي فعل التتبّع ما يوحي بالبحث والتنقيب، وبالرغبة في اكتشاف ما تخفيه التفاصيل الصغيرة.
أمّا الغرزة، على بساطتها الظاهرة، فتختزن فعلًا مزدوجًا، إنها تثبّت الخيط في موضعه، وتصل بين نقطتين، لكنها تترك أيضا مجالا لخطّ جديد، ومسار مختلف، واحتمال لم يكن قائمًا قبل مرور الإبرة.
ولعلّ في هذه العلاقة بين التكرار والاختلاف ما يجعل التطريز قابلا لأن يتجاوز وظيفته الزخرفية، وأن يتحوّل إلى أداة للتفكير والتعبير.
فالغرزة تتكرّر، لكنها لا تكون متطابقة تماما مع سابقتها واليد تعود إلى الحركة نفسها، لكنها تترك في كلّ مرة أثرا يتشكّل وفق الإيقاع والاختيار والتجربة.
ويتجاور الانضباط الحرفي مع حرية الفنان، ويصبح النسيج مجالا تتفاوض داخله الذاكرة مع الابتكار، دون أن يلغي أحدهما الآخر.
في تونس، لا ينفصل التطريز عن تاريخ الحياة اليومية، ولا عن ذاكرة البيوت والأجساد والمناسبات.
فقد ظلّت الخيوط، عبر أجيال متعاقبة، وسيلة لتزيين الملابس والمنسوجات، وحفظ أشكال وزخارف تناقلتها الأيدي وتوارثتها النساء ضمن معرفة لم تحتج دائما إلى الكتب كي تستمرّ، كانت تنتقل بالمشاهدة والممارسة، وبالجلوس إلى جانب يد خبيرة تتعلّم منها يد أخرى كيف تمرّر الإبرة، وأين تثبّت الخيط، وكيف تمنح الغرزة شكلها وإيقاعها.
هذه الممارسات ليست أعمالا يدوية غايتها المنفعة أو الزينة إذ تحمل، في تفاصيلها، آثار بيئاتها الاجتماعية والثقافية، وتعكس اختلاف الأذواق والمواد والألوان، كما تحفظ أشكالا من المعرفة الجمالية التي تشكّلت داخل الحياة اليومية.
ومن هذا المنظور، يصبح التطريز أحد الأرشيفات المادية للذاكرة التونسية، أرشيفًا قوامه الملمس واللون والتكوين، وما تتركه حركة اليد من علامات على سطح القماش.
غير أنّ النظر إلى التطريز بوصفه ذاكرة لا يعني حصره في الماضي، أو التعامل معه باعتباره إرثا مكتملا لا يجوز الاقتراب منه إلا بقصد الحفظ والاستعادة.
فالموروث، مثل الذاكرة نفسها، ليس كتلة ساكنة، إنّه مادة قابلة لإعادة القراءة، تتغيّر دلالاتها بتغيّر الأزمنة والأسئلة التي نطرحها عليها.
وتبرز أهمية إدخال فنون النسيج والتطريز إلى فضاء الفن التشكيلي المعاصر، حيث تصبح الغرزة عنصرا في بناء العمل، وأداة لاختبار العلاقة بين المادة والصورة، وبين المهارة اليدوية والاختيار الفني.
إنّ انتقال التطريز إلى فضاء الفن المعاصر يطرح سؤالا يتجاوز حدود التقنية، ماذا يحدث حين تغادر الغرزة سياقها المألوف لتدخل في تركيب بصري جديد؟ وهل يظلّ الموروث محتفظًا بمعناه الأول، أم أنّه يكتسب دلالات أخرى حين يوضع في مواجهة قضايا الحاضر؟
هذه الأسئلة تستوعب فيضا من الإجابات، لأنّ قيمة التجربة تكمن تحديدا في قدرتها على فتح المعنى، وفي تحرير الحرفة من التصنيف الضيّق الذي يفصلها عن الفن، كما لو أنّ المهارة اليدوية لا يمكن أن تكون شكلا من أشكال التفكير الجمالي.
وفي هذا السياق، يتيح معرض “تَبَعْ الغُرْزَة” مدخلا للتفكير في النسيج بوصفه ممارسة فنية تستمدّ جذورها من الذاكرة، دون أن تتخلّى عن إمكانات الحاضر.
فالاشتغال على التطريز المعاصر يفتح المجال لإعادة النظر في علاقة الفنان بالمادة، وفي الحدود التي تفصل بين الحرفة والتشكيل، وبين المعرفة المتوارثة والبحث الفردي.
كما يعيد الاعتبار إلى اليد بوصفها أداة إنتاج للمعرفة، لا وسيلة لتنفيذ فكرة سابقة عليها، فاليد التي تمرّر الإبرة تختبر مقاومة القماش، وتضبط التوتّر بين الخيط والسطح، وتترك للحركة أثرا لا يمكن اختزاله في التصميم وحده.
وفي التطريز، ثمة زمن آخر لا يشبه إيقاع الصورة السريعة، زمن يتقدّم غرزةً غرزة، ويحتاج إلى الصبر والتركيز، وإلى علاقة حميمة بين اليد والمادة. فالخيط لا يعبر القماش دفعة واحدة، يشقّ طريقه عبر حركة متكرّرة، تتطلّب الانتباه إلى أدقّ التفاصيل. وكلّما تراكمت الغرز، نشأ سطح جديد، لا يخفي مادته الأولى، بل يحتفظ بأثر كلّ حركة ساهمت في تشكيله.
لذلك، يحمل التطريز في بنيته نفسها مفارقة جميلة فهو فعل بطيء ينتج صورة، وعمل يتأسّس على التكرار لكنه يتيح الاختلاف، وممارسة تبدو بسيطة من الخارج بينما تنطوي على معرفة دقيقة بالمواد والأشكال والتناسب.
وفي زمن تتسارع فيه الصور وتتزاحم فيه وسائل التعبير، يمكن لهذا الإيقاع اليدوي أن يستعيد قيمة التأنّي، وأن يدعو العين إلى الاقتراب والتأمل بدل الاكتفاء بالنظرة العابرة.
كما أنّ التطريز يستحضر تاريخا طويلا من العمل النسائي الذي ظلّ حاضرا في الحياة الاجتماعية، لكنه لم يحظَ دائما بالمكانة نفسها التي حظيت بها أشكال فنية أخرى. فقد أُدرجت مهارات كثيرة ضمن خانة الحرف التقليدية أو الأعمال المنزلية، على الرغم مما تتطلّبه من معرفة تقنية وحسّ جمالي وقدرة على الابتكار.
وإعادة النظر في هذه الممارسات من داخل الفن المعاصر تتيح مساءلة الحدود التي رسمتها الثقافة بين الفن والحرفة، وبين العمل الذي يُعرض في قاعة فنية والعمل الذي ظلّ طويلًا جزءًا من الحياة اليومية.
فالقيمة الفنية لا تُحدّدها المادة المستخدمة وحدها، ولا المكان الذي نشأ فيه العمل، وإنما تتصل أيضًا بطريقة تنظيم العناصر، وبالاختيارات الجمالية، وبما يتيحه العمل من إمكانات للتأويل.
والخيط، مهما بدا عاديا، قادر على أن يحمل فكرة والقماش، مهما ارتبط بوظيفة يومية، يستطيع أن يصبح سطحًا للتعبير والغرزة، مهما صغرت، يمكن أن تفتح بابًا على أسئلة واسعة بشأن الهوية والذاكرة والجسد والزمن.
تعود بنا لوحة “القدس” إلى المعنى الأكثر كثافة الذي يمكن أن تحمله هذه المادة البسيطة. فالخيط الأحمر الذي بقي مشدودًا إلى الإبرة يفتح بابا للتأويل، دون أن يفرض معنى واحدًا على المتلقّي.
يمكن النظر إليه باعتباره أثرًا لفعل لم يكتمل، أو علامة على حكاية مازالت مفتوحة، أو استعارة لذاكرة ترفض أن تُطوى. أمّا عنوان اللوحة، فيمنح هذه الصورة امتدادا يتجاوز حدودها المادية، ويصلها بمدينة تحمل في الوعي العربي والفلسطيني ذاكرة من التاريخ والوجع والتعلّق والأمل.
وفي هذا اللقاء بين التطريز والقدس، تتجاوز الغرزة وظيفتها الجمالية لتدخل مجال التعبير عن القضايا الإنسانية.
فلا يحتاج الفن دائما إلى خطاب مباشر كي يعبّر عن موقفه فقد تكفي إشارة صغيرة، أو لون، أو خيط متروك في موضعه، لفتح مساحة من التفكير والشعور.
وما تمنحه هذه اللغة البصرية من قوة هو قدرتها على الجمع بين الخاص والعام، أثر يد فردية من جهة، وذاكرة جماعية تتجاوز حدود التجربة الفردية من جهة أخرى.
ولا تنفصل لوحة “القدس” عن الأسئلة التي يثيرها المعرض بشأن الذاكرة وتمنحها وجهًا آخر.
فإذا كان التطريز يستبقي آثار الماضي داخل مادة ملموسة، فإنّه يستطيع أيضًا أن يحمل أسئلة الحاضر، وأن يحوّل التراث من موضوع للاستعادة إلى وسيلة للتعبير عن العالم.
وتتجاور الذاكرة التونسية التي تستدعيها فنون النسيج مع ذاكرة أوسع، تتصل بالتضامن الإنساني وبقدرة الفن على تجاوز الحدود الجغرافية، دون أن يفقد جذوره المحلية.
وتكمن أهمية “تَبَعْ الغُرْزَة” في استعادة التطريز اليدوي وفي إمكان النظر إليه من زاوية جديدة بوصفه ممارسة تجمع بين الذاكرة والتجريب، وبين المعرفة المتوارثة والبحث عن لغة تشكيلية معاصرة.
إنّ حماية الحرف التقليدية وصون المهارات التي تناقلتها الأجيال يظلان أمرين أساسيين، لكنّهما لا ينفصلان عن ضرورة توفير فضاءات تسمح لهذه المهارات بالتطوّر، وبالالتقاء مع الفنون الأخرى، وباكتشاف إمكانات جديدة للتعبير والعرض والتلقّي.
فحين تدخل الغرزة فضاء المعرض، لا تفقد بالضرورة صلتها بالبيت والذاكرة واليد التي تعلّمتها ويمكنها أن تحمل هذه الصلة معها، وأن تمنحها حياة أخرى داخل سياق جمالي مختلف.
و”تَبَعْ الغُرْزَة” أكثر من دعوة إلى مشاهدة أعمال فنية، إنّها دعوة إلى الاقتراب من التفاصيل التي اعتدنا المرور أمامها دون انتباه، وإلى الإصغاء لما تختزنه المواد البسيطة من معرفة وذاكرة.