عقدت جمعية “المحبة” بالقلعة الكبرى مساء السبت 30 ماي 2026 جلستها العامة الخارقة للعادة بحضور أعضائها ومسيريها، في موعد خُصص لتقديم حصيلة الأداء والمصادقة على التقريرين الأدبي والمالي (2024-2025)، ورسم معالم الإستراتيجية المستقبلية للجمعية في مناخ ديمقراطي عكس حيوية التفاعل والتزام الحاضرين بالارتقاء بالعمل التنموي المحلي.
الجلسة التي أدارها رئيس الجمعية إسماعيل الغدامسي، استهلت أشغالها بتلاوة التقرير الأدبي من قِبل الكاتب العام محمد البشير بلعيد، والذي استعرض بأسلوب مستفيض وموثق مختلف التدخلات الميدانية، قبل أن يُفسح المجال لأمين المال رؤوف بوقديدة لتقديم الحسابات المالية والقوائم الختامية للجمعية، لتنطلق إثر ذلك نقاشات ثرية تمحورت حول سبل تطوير الأنشطة وتوسيع إشعاع الجمعية.
تحوّل نوعي
كشف التقرير الأدبي عن تحول نوعي في عقيدة العمل لدى جمعية “المحبة”، إذ لم تعد الأنشطة مقتصرة على البعد الخيري التقليدي، بل تمددت لتشمل أبعاداً تنموية وتربوية وثقافية وازنة. وتجلى ذلك بوضوح في اشراف الجمعية خلال سنة 2025 على تنفيذ القسط الأول من مشروع ترميم وتجهيز “مدرسة المنصورة” بتكلفة ناهزت 265 ألف دينار، وهي بادرة حظيت بتمويل كامل من “مجمع الزواري” برعاية رجل الأعمال ومؤسس الجمعية حافظ الزواري، لتنضاف هذه المنشأة إلى سجل حافل من التدخلات المماثلة، أبرزها إعادة تأهيل “مدرسة غرة جوان” سنة 2022 بمبلغ ضخم تخطى 1.6 مليون دينار، فضلاً عن التدخلات المستمرة بصيانة “مدرسة ابن خلدون”.
وعلى الصعيد الاجتماعي والتضامني، ثبتت الجمعية دورها كصمام أمان للعائلات محدودة الدخل بالجهة، حيث خصّصت أكثر من 33 ألف دينار في شكل جرايات شهرية منتظمة، إلى جانب رصد مساعدات غذائية بقيمة 20 ألف دينار بمناسبة شهر رمضان المعظم، ومثلها تزامناً مع العودة المدرسية، علاوة على التكفل بتحسين مسكن أحد القاطنين بالجهة بمبلغ فاق 26 ألف دينار.
وفي خطوة ريادية تُعد سابقة في المشهد الجمعياتي المحلي، ساهمت “المحبة” في تمويل بعض الأنشطة لجمعيات أخرى تكريساً لثقافة التضامن الجمعياتي. كما حافظت الجمعية على سنّتها المحمودة في الاستثمار في الرأس المال البشري عبر تظاهرة “يوم العلم”، حيث كرّمت 44 تلميذاً متفوقاً سنة 2025 عبر تمكينهم من دفاتر ادخار بقيمة إجمالية بلغت 28 ألف دينار لمساعدتهم على مجابهة مصاريف مشوارهم الأكاديمي.
توازن مالي وانفتاح أكبر على الشباب
أما على المستوى المالي، فقد حمل التقرير المالي مفاجأة إيجابية تمثلت في نجاح الجمعية في تحقيق معادلة التوازن المالي و”الاكتفاء الذاتي” بفائض تجاوز 5 آلاف دينار (مداخيل بـ 159,588 دينار مقابل مصاريف بلغت 154,424 دينار)، وهو إنجاز يكتسي أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن الجمعية لم تتمتع بالتمويل العمومي، بناءً على خيار إستراتيجي اتخذه القائمون عليها بعدم التقدم بمطالب في هذا الغرض، والتعويل بدلاً من ذلك على نجاعة الحوكمة التسييرية وثقة النسيج الاقتصادي المحلي، إذ تخطّت التبرّعات المحلية من مؤسسات وأفراد حاجز الـ 108 آلاف دينار.
وفي خطوة استشرافية تعكس الرغبة في التطوير والتجديد، لم تكتفِ الجلسة بالمصادقة على التقارير المعروضة، بل أقرت جملة من القرارات الهيكلية، أبرزها التخفيض في معلوم الانخراط السنوي إلى 20 ديناراً فقط، بهدف استقطاب الطاقات الشبابية وتطعيم الجمعية بدماء جديدة قادرة على تنويع مجالات الفعل الجمعياتي. كما تم الإعلان عن قرار نوعي ببعث فرع جديد في قلب المدينة، ليكون فضاءً لتقريب الخدمات وتأمين دورات تكوينية وتدريبية تتماشى مع تطلعات أبناء الجهة. واختتمت الجلسة بفتح أفق التفكير حول تنويع مصادر التمويل مستقبلاً عبر تعزيز الانفتاح على المؤسسات الاقتصادية الناشطة بالجهة، مع إمكانية التوجه نحو طلب الدعم العمومي لضمان استدامة المشاريع ذات البعد التنموي الشامل و تنويع برامج المساعدات وتوجيهها نحو مستحقيها بكل شفافية ونزاهة.