في بلد يعيش منذ سنوات على وقع الإجهاد المائي، لا يمكن التعاطي مع أي خبر يتعلق بالسدود كخبر عابر، لذلك أثار الإعلان عن تسجيل عطب فني بأحد أبواب سدّ ملاّق بولاية الكاف قلقا واسعا.
هل ما حصل نتيجة تراكمات مرتبطة بالصيانة والترسّبات وإدارة المنشآت المائية؟ وما الذي يعنيه فقدان كميات من المياه في هذا الظرف المناخي الدقيق؟ أسئلة كثيرة تقفز إلى الذهن فيما يتواصل تدفق الماء.
وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري سارعت إلى إصدار بلاغ أكدت فيه التدخل الفوري للفرق الفنية التابعة للإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى، مع متابعة مستمرة للوضع بالتنسيق مع السلطات الجهوية والمحلية، إلى جانب توجيه تحذيرات عاجلة للمتساكنين القريبين من مجرى وادي ملاّق والمناطق المنخفضة الواقعة أسفل السد.
لكن خلف البلاغ الرسمي، تبرز أسئلة أوسع تتعلق بما حدث فعليًا وبما يمكن أن يترتب عنه.
سدّ ملاّق : منشأة استراتيجية في شمال غرب تونس
يقع سدّ ملاّق في ولاية الكاف ويُعد من المنشآت المائية المهمة ضمن منظومة السدود بالشمال الغربي، وهي المنطقة التي تستقبل نسبة كبيرة من الموارد المائية السطحية في تونس.
ولا يقتصر دور السدود على تخزين المياه فقط، بل تشمل وظائفها تنظيم تدفق المياه أثناء فترات الأمطار، ودعم التزويد بالمياه نحو منشآت أخرى، وحماية جزئية من الفيضانات ودعم النشاط الفلاحي والاقتصادي المحلي.
لذلك فإن أي اضطراب تقني في تشغيلها ينعكس مباشرة على أكثر من مستوى.
ماذا يعني العطب الفني في باب السد؟
في السدود، تُعدّ الأبواب من المكوّنات الأساسية التي تسمح بالتحكم في كميات المياه الخارجة والمحافظة على توازن الضغوط داخل المنشأة.
وعندما يقع عطب في أحد الأبواب، قد تصبح عملية التحكم في التصريف محدودة أو غير ممكنة بالشكل المطلوب، وهو ما يؤدي إلى تدفق متواصل للمياه إلى حين السيطرة على الوضع أو اعتماد حلول تقنية بديلة.
وفي متابعة الحادث، تحيل المعطيات المتداولة عن استمرار تدفق المياه بوتيرة قوية، لكن من المهم الإشارة إلى أن الأسباب النهائية لا تُحسم عادة إلا بعد انتهاء المعاينات الفنية والتقارير الرسمية.
ومنذ الإعلان عن الحادث، عاد الحديث عن مسألتين تتكرران باستمرار عند النقاش حول السدود في تونس: الصيانة الدورية والجهر (إزالة الطمي والترسبات).
فالطمي ليس مجرد تراب يتجمع داخل السد، بل عنصر يؤثر على عدة مستويات إذ يقلّص القدرة التخزينية الفعلية للسد، ويغيّر حركة المياه داخله، وقد يضغط على تجهيزات التشغيل، ويمكن أن يعقّد عمل الأبواب وأنظمة التنفيس.
ومع مرور السنوات، تتحول مشكلة الترسبات إلى تحدٍّ هندسي ومالي، لأن عمليات الجهر مكلفة وتحتاج تخطيطًا واستمرارية.
في انتظار مآلات التحقيق في الحادث، ما سبق لا يعني أن الطمي هو سبب العطب الحالي، لكنه عاد إلى الواجهة بمجرد وقوع الحادث
الخسائر المتوقعة …
صحيح أن جزءًا من المياه المتدفقة قد يُعاد تجميعه أو يصل إلى منشآت أخرى مثل سدّ سيدي سالم وفق ما يتم تداوله، لكن ذلك لا يلغي أن التدفق غير المتحكم فيه يطرح إشكاليات عديدة من بينها فقدان القدرة على إدارة المخزون بالشكل الأمثل، وصعوبة توجيه المياه حسب الأولويات، وارتفاع نسبة الضياع مقارنة بالتخزين المبرمج، وضغط إضافي على المنظومة المائية.
كما تكون المناطق المحاذية لمجرى المياه عادة الأكثر عرضة للخسائر، إذ تغمر المياه بعض الأراضي الزراعية، وتتضرر المحاصيل والبنية الفلاحية، ويتعطل النشاط الزراعي مؤقتًا.
كما يُتوقع أن يكون مربّو الأسماك داخل السد من أكثر المتضررين، لأن تغير مستوى المياه وسرعة التدفق قد يؤديان إلى فقدان الإنتاج الذي تم الاستثمار فيه لأشهر.
وهنا تتحول الحادثة من ملف هندسي يتحسر في الصيانة إلى ملف اقتصادي واجتماعي أيضًا.
وفي الأيام القادمة، ستحسم أربعة عناصر في فهم الصورة كاملة وهي التقرير الفني الرسمي الذي سيحدد سبب العطب بدقة، وحجم المياه التي تم فقدانها فعليًا مقارنة بما أُعيد توجيهه، وتقييم الأضرار الفلاحية والاقتصادية بالمناطق المتأثرة، الإجراءات المستقبلية المتعلقة بصيانة السدود والجهر وإدارة المخاطر.
إلى ذلك الحين، يبقى الأهم بالنسبة للمتساكنين هو الالتزام بتوصيات السلطات وعدم الاقتراب من مجاري المياه إلى حين استقرار الوضع.
تطيمنات رسمية
ويأتي حديث المدير العام للسدود والأشغال المائية الكبرى، فايز مسلّم ليقطع الطريق أمام فرضية تسبب نقص الصيانة في الحادث وإدارة الماء كنتيجة له.
وأكد مسلّم، في تصريح لموزاييك سلامة سدّ ملاق واستقرار وضعه، عقب تسجيل عطب فني مفاجئ بأحد أبوابه أدّى إلى تدفق كميات مُهمّة من المياه.
وعن تفاصيل الحادث، قال إنه بعد استكمال تزويد المناطق السقوية بنحو 100 ألف متر مكعب من سد “نبر ملاق القديم” في حدود الساعة التاسعة، طرأ خلل فني غير مألوف على مستوى منظومة الغلق (الساكورة) في إحدى البوابات الرئيسية الثلاث.
وأضاف مسلّم أنّ فريقا برفقة مجموعة من الخبراء قد تحوّلوا فورا إلى عين المكان، حيث تمّ وضع خطة عمل عاجلة تضمن سلامة المنشأة المائية وأمن المواطنين في المنطقة، مؤكّدا على أنّ الاختبارات الأولية أثبتت أنّ السد في حالة إنشائيّة جيّدة وآمنة.
ونفى المدير العام وجود أيّ علاقة بين الحادثة ونقص الصيانة، مشددا في الوقت ذاته على عدم “هدر أيّ كميات من المياه”، إذ إنّ المياه المتدفقة تخرج من سد ملاق لتمر عبر وادي ملاق ووادي مجردة، ليتم استيعابها بالكامل في سدّ سيدي سالم.
وأشار إلى أنّه من المتوقّع السيطرة على العطب وإيقاف التدفّق في حدود الساعة الخامسة مساءً.