في رحيل عبد الوهاب الدكالي لا يغادرنا مجرد مطربٍ كبير، بل ينطفئ صوتٌ كان يشبه ذاكرة المغرب وهي تغني نفسها. ذلك الصوت الذي لم يكن يخرج من الحنجرة وحدها، بل من تاريخٍ طويلٍ من الحنين، ومن المدن العتيقة التي تحفظ أسرارها في الأزقة، ومن الإنسان العربي حين كان يرى في الأغنية معنىً لا مجرد إيقاع
منذ بداياته، لم يكن الدكالي فنانًا عابرًا في مشهد الطرب المغربي، بل مشروعًا ثقافيًا كاملًا. حمل الأغنية المغربية من محليتها الضيقة إلى أفقها العربي الرحب، دون أن يفقدها رائحتها الأولى. كان يعرف كيف يجعل اللحن المغربي يتكلم بلهجة العالم، دون أن يخلع جلبابه المغربي الأصيل
في زمنٍ كانت فيه الأغنية العربية محكومة بمراكز القوة الفنية التقليدية، جاء عبد الوهاب الدكالي ليقول إن الرباط وفاس والدار البيضاء قادرة أيضًا على صناعة الجمال. لم يقل ذلك بخطابٍ سياسي أو شعاراتٍ ثقافية، بل قاله بالموسيقى. كل أغنيةٍ له كانت أشبه بمحاولة لترميم الروح العربية من الداخل.
كان صوته دافئًا كخشب العود، وفيه شيءٌ من الحكمة التي لا تحتاج إلى صراخ. وحين نستمع إلى أعماله اليوم، ندرك أن الفن الحقيقي لا يشيخ، لأن الزمن لا يستطيع هزيمة الصدق. لقد غنّى للحب، لكنه لم يكن حبًا استهلاكيًا عابرًا، بل حبًّا مشبعًا بالفلسفة والإنسان والأسئلة الوجودية. وحتى حين اقترب من الوجع، فعل ذلك بكرامة الفنان لا بابتذال البكاء.
ما يلفتني كباحث في الصورة والصوت، ومؤسس لمشروع “وعي الشاشة”، أن عبد الوهاب الدكالي كان ينتمي إلى جيلٍ يفهم الفن بوصفه مسؤولية جمالية وأخلاقية معًا. لم يكن يسعى إلى “الانتشار” كما تفعل ثقافة المنصات
اليوم، بل إلى الأثر.والفرق بين الاثنين شاسع . فالانتشار رقم، أما الأثر فذاكرة.
لقد عاش الدكالي زمن التحولات الكبرى في الإعلام العربي؛ من الراديو إلى التلفزيون، ثم إلى عصر الصورة السريعة. لكنه ظل وفيًا لفكرة الفنان الذي يبني عمله ببطء، كما يبني الخطاط المغربي زخرفته الأخيرة على بابٍ أثري. لهذا بقيت أغانيه حية، بينما ماتت آلاف الأغنيات فور انتهاء موسمها الرقمي.
إن خسارة عبد الوهاب الدكالي ليست خسارة المغرب وحده، بل خسارة الحسّ العربي القديم الذي كان يرى الفن تهذيبًا للروح لا مجرد صناعة للترفيه.
ومع رحيله نشعر أننا لا نودّع فنانًا فقط، بل نودّع زمنًا كاملًا كانت فيه الأغنية تحمل ملامح الإنسان العربي، لا خوارزميات السوق.
رحل الجسد، لكن بعض الأصوات لا تموتتبقى عالقةً في ذاكرة الليل العربي، مثل نافذةٍ مضاءة في بيتٍ قديم… كلما مررنا بالقرب منها، سمعنا أرواحنا تغني.