بعض المهرجانات تُقام داخل الأحياء، وبعضها تُعيد التفكير في الحي نفسه، ومهرجان”7ay Hlel Urbain Fest” الذي يقام في الفترة الممتدة من 19 إلى 28 جوان 2026 يبدو أقرب إلى الصنف الثاني.
فمنذ عنوانه، يبدو تجربة تعيد طرح سؤال قديم ومتجدّد في آن حول من يملك الثقافة ومن يحقّ له أن يصنعها؟
الجواب الذي يقترحه المشروع واضح في شعاره “الثقافة تغيّر الأحياء، والأحياء تغيّر الثقافة”.
العبارة في ظاهرها تبدو بسيطة، لكنها تحمل انقلابًا كاملًا على تصور طويل للثقافة في مجتمعاتنا، ذلك التصور الذي جعلها مرتبطة بالمؤسسات الرسمية، وبالمراكز الكبرى، وبالقاعات المغلقة، وبالأماكن التي يُفترض أن يذهب إليها الجمهور كي ينال نصيبه من الفن.
أما هنا، فالحركة معاكسة إذ لا تنتظر الثقافة الناس، بل تدخل حياتهم اليومية، باعتبارها أداة لإعادة النظر في المكان ذاته.
اختيار حيّ هلال ليس تفصيلًا جغرافيًا اعتباطيا، فالأحياء الشعبية في المخيال العام تُقدَّم غالبًا من خلال خطابين متناقضين يلتقيان في خانة التنميط فهي إما مناطق نقص وتهميش، أو فضاءات فولكلورية للاستهلاك الرمزي.
وفي كلتا الحالتين، تُروى الحكاية من خارج هذه الأحياء، أما ما يقترحه “7ay Hlel Urbain Fest ” (مهرجان حي هلال الحضري) فهو أن يصبح الحيّ راويًا لنفسه.
والمشروع، كما يعلن منظموه، لن يبدأ يوم الافتتاح إذ سبقته أشهر من الإقامات الفنية، وورشات العمل، واللقاءات مع الأطفال والشباب.
وهذا المعطى يكشف عن طبيعة الفلسفة التي تحكم المشروع، إذ يشكل السكان جزءا من الإنتاج ويتحوّلون من المتلقي إلى الفاعل.
وهذه الفكرة تبدو جلية في محور السينما، فشاحنة “سينما تدور” لا تختزل في عرض أفلام إذ تحمل رمزيات في تحرك السينما التي تترك مكانها التقليدي ويتحوّل الشارع إلى قاعة.
لكن الأهم من ذلك أن الأطفال لا يكتفون بالمشاهدة، إذ تمنحهم تجربة الدبلجة الحية لفيلم “Ma vie de Courgette” حق إعادة كتابة الصوت فلا يكتفوا باستهلاك العمل الفني بل يعيدون إنتاجه بلغتهم وحساسيتهم، ثم يأتي عرض الاختتام ” حي هلال حالة موش عادية” ليؤكد الفكرة نفسها.
في المسرح والرقص، أيضًا، تتجاور أعمال خرجت من الورشات والإقامات مع أعمال لفنانين مثل غازي الزغباني وحاتم القروي، فيتقاسم الهاون والمحترفون المساحة نفسها.
هذا التصور يغيّر معنى الركح نفسه، فالركح لم يعد منصة متعالية ينظر إليها الناس من الأسفل، بل صار فضاءً لكسر المركزية والنمطية.
في قسم التصوير الفوتوغرافي يبلغ المشروع واحدة من أكثر لحظاته كثافة، فأن تُعرض الصور في بيوت السكان لا في قاعة عرض، يتجاوز الخيار الجمالي ليصبح موقفا ثقافيا على إيقاع تحوّل البيوت إلى مؤسسة ثقافية مؤقتة والحيّ إلى معرض متنقّل.
والأكثر دلالة أن جزءًا من المعرض يحمل عنوان “حي هلال بعيون أطفاله”، بعيدا عن النظرة الخارجية يصنع الأطفال صورة من الداخل.
وفي الموسيقى تتخذ فكرة التهجين شكلًا واضحًا، إذ يلتقي الراب بالمزود ويتحاور الـDJ مع الطبلة والزكرة، ويمارس الأطفال الفن فوق أسطح المنازل.
هذه الاختيارات لا تبدو اعتباطية، إنها تعكس تصورًا للهوية الثقافية باعتبارها حركة لا جوهرا ثابتا، فالموسيقى هنا لا تبحث عن نقاء الأنماط، بقدر ما تلاحق قدرتها على اللقاء.
حتى الرياضة داخل المهرجان تدخل ضمن تصور أوسع يرى أن الجسد نفسه جزء من التجربة الثقافية، وذلك عبر مسابقات كرة القدم والسلة، والجري ويوم الصحة، والواقع الافتراضي.
ومن خلال كل ما سبق من الأقسام، يحاول استعادة الفضاء العام بوصفه مكانا تبنى فيه فكرة الجماعة، وتصبح المدرسة مكانا للعرض، والمقهى فضاءً للنقاش، والشارع مسرحا، والسطح منصة.
لكن يبقى التحدّي الحقيقي خارج أيام المهرجان العشرة، فالنجاح لن يُقاس بعدد الحضور أو الصور المنشورة أو العروض المنجزة، بل بأثر المشروع بعد انحسار الأضواء.