في لجنة تحكيم المسابقة الدولية للأفلام الطويلة بمهرجان الدوحة السينمائي 2026، يحضر اسمان تونسيان من موقعين مختلفين في صناعة الصورة، المنتجة درّة بوشوشة، التي راكمت على امتداد عقود تجربة في دعم المخرجين والمشاريع السينمائية المستقلة، والممثل آدم بيسا، الذي شقّ طريقه بين السينما التونسية والإنتاجات الدولية، حاملاً معه أداءً يتنقّل بين خصوصية التجربة المحلية واتساع أفقها العالمي.
ويأتي اختيار بوشوشة وبيسا ضمن لجنة يرأسها المخرجة اليابانية نعومي كواسي، وتضمّ المخرج الوثائقي الإيطالي جيانفرانكو روزي والمخرج والفنان الفلسطيني كمال الجعفري، ليمنح الحضور التونسي موقعاً لافتاً في تركيبة تجمع بين الإخراج والتمثيل والإنتاج، وتستند إلى تجارب مختلفة في مقاربة السينما المستقلة وأسئلتها الجمالية والإنسانية.
ولا يقتصر هذا الحضور على تمثيل تونس داخل لجنة دولية، فهو يستحضر مسارين يلتقيان عند البحث عن سينما تتجاوز حدود الصناعة التقليدية، مسار يشتغل على بناء المشاريع ومرافقة المواهب الجديدة، وآخر يجعل من أداء الممثل وسيلة للنفاذ إلى الشخصيات وتناقضاتها، ومن التجربة المحلية نقطة عبور نحو فضاءات أوسع.
درّة بوشوشة.. من الإنتاج إلى صناعة الفرص
على امتداد مسيرتها، ارتبط اسم درّة بوشوشة بالإنتاج السينمائي وبالعمل على فتح المجال أمام أصوات جديدة في السينما التونسية والعربية والإفريقية. فمنذ تأسيسها شركة “نوماديس إيمج” عام 1995، انخرطت في إنتاج أفلام روائية ووثائقية وجدت طريقها إلى المهرجانات الدولية، وأسهمت في التعريف بتجارب سينمائية تنطلق من خصوصياتها المحلية من دون أن تنغلق داخلها.
وتكشف قائمة الأعمال التي ارتبطت بها، من “الحرير الأحمر” و”نحبك هادي” و”ولدي” إلى وراء الجبل” و”سعاد” و”عائشة لا تستطيع الطيران”، عن امتداد تجربتها عبر أجيال ومقاربات فنية مختلفة.
وهي أفلام تتباين في موضوعاتها وأساليبها، لكنها تلتقي في سعيها إلى تقديم حكايات وشخصيات تخرج من سياقاتها الخاصة لتطرح أسئلة أوسع حول المجتمع والهوية والعلاقات الإنسانية.
ولم تتوقف مساهمة بوشوشة عند الإنتاج، إذ أسست مبادرة “سود إكريتور” عام 1997، واشتغلت على تطوير المشاريع السينمائية من خلال ورشات جمعت مخرجين ومنتجين من إفريقيا والعالم العربي.
ولا تنحصر تجربتها في تمويل الأفلام أو مرافقة تنفيذها، وتشمل المساهمة في تهيئة الظروف التي تسمح للمشاريع الأولى بأن تجد طريقها إلى الشاشة، وللمخرجين الجدد بأن يختبروا إمكاناتهم داخل صناعة شديدة التنافس.
ويكتسب حضورها في لجنة تحكيم الدوحة دلالة إضافية بالنظر إلى طبيعة المسابقة، التي تضم 15 فيلماً من مناطق وتجارب سينمائية متعددة.
فخبرتها تتيح مقاربة الأعمال من زاوية تتجاوز اكتمال الفيلم بوصفه منتجاً فنياً، لتلامس أيضاً شروط تشكّله، وجرأة المشروع، وقدرته على اقتراح لغة سينمائية خاصة.
آدم بيسا.. مسيرة تمثيل لافتة
من جهته، يمثل آدم بيسا وجهاً آخر للحضور التونسي، من خلال مسيرة تمثيلية جمعت بين الإنتاجات الفرنسية والأوروبية والأميركية، دون أن تنقطع عن السينما العربية وشخصياتها وأسئلتها.
وقد برز اسمه دولياً مع فيلم “حرقة” للمخرج لطفي ناثان، الذي نال عنه جائزة أفضل أداء في قسم “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي عام 2022، قبل أن يحصل على جائزة أفضل ممثل في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
وتكتسب تجربة بيسا أهميتها من تنقّله بين عوالم سينمائية مختلفة، ومن اختيارات تتيح له الاشتغال على شخصيات تتحرك في مناطق إنسانية واجتماعية معقدة.
وقد شارك لاحقاً في فيلم “ماء العين” للمخرجة مريم جعبر، الذي نافس في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين عام 2024، ثم في “أثر الأشباح” لجوناثان مييه، وصولاً إلى مشاركته عام 2026 في “حكايات متوازية” للمخرج أصغر فرهادي.
وتعكس هذه المسيرة اتساع حضور الممثل التونسي في الإنتاجات الدولية، حيث لم يعد الانتماء إلى جغرافيا سينمائية واحدة شرطاً لتشكيل المسار المهني، وأصبحت القدرة على الانتقال بين اللغات والسياقات والشخصيات جزءاً من تجربة الممثل نفسه.
وفي هذا السياق، يضيف بيسا إلى لجنة التحكيم معرفة عملية بأداء الممثل، وبالطريقة التي تتحول بها الشخصية المكتوبة إلى حضور حيّ قادر على حمل التوترات الداخلية للفيلم.
حضور تونسي برؤيتين مختلفتين
يجمع اختيار درّة بوشوشة وآدم بيسا بين موقعين متكاملين في صناعة السينما فالأولى تشتغل على ما يسبق وصول الفيلم إلى الجمهور، من تطوير المشاريع وإنتاجها إلى مرافقة المواهب، فيما ينتمي الثاني إلى المساحة التي تتجسد فيها الرؤية السينمائية عبر الجسد والصوت والانفعال والأداء.
ويجمع الحضور التونسي بين خبرة في بناء المشاريع السينمائية وخبرة في تجسيد عوالمها الإنسانية.
كما يسلّط الضوء على تنوّع المسارات التي يمكن أن تحمل السينما التونسية إلى المنصات الدولية، سواء من خلال الإنتاج ودعم الأصوات الجديدة، أو عبر ممثلين يوسّعون حضورهم داخل تجارب عابرة للحدود.
وبين خمسة أسماء تتوزع تجاربها على قارات ومدارس سينمائية مختلفة، ستكون مهمة اللجنة اختيار الأفلام الفائزة من بين 15 عملاً في المسابقة الدولية.
وفي هذا الموعد، تحضر تونس عبر تجربتين لا تختزلان في المشاركة الرمزية، وتستندان إلى مسارين مهنيين متباينين يلتقيان في الإيمان بقدرة السينما على اكتشاف الحكايات، وتوسيع حدود الصورة، ومنح التجارب المستقلة فرصة الوصول إلى جمهور أوسع.