منذ منتصف القرن العشرين، برزت السينما التونسية كفضاء متميز داخل السياقين العربي والأفريقي، بفضل جرأتها في معالجة قضايا المجتمع، الهوية، والتحولات السياسية والاجتماعية، ووعيها المبكر بأن السينما ليست مجرد أداة لتسجيل الواقع، بل ممارسة فكرية وجمالية لإعادة بنائه بصريًا ونقديًا.
أسهمت هذه السينما في مزج الحس الفني بالالتزام الاجتماعي والبعد السياسي، وفتحت المجال أمام تساؤلات عميقة حول الجسد والذاكرة والسلطة، ومكانة المرأة داخل المجتمع، لتصبح تجربة تونسية فريدة تجمع بين الابتكار الفني والرهانات الاجتماعي.
السينما التونسية منذ بداياتها لم تقتصر على الأداء التمثيلي أو الإخراج الروائي، بل شملت مختلف مفاصل صناعة الفيلم: المونتاج، كتابة السيناريو، الإنتاج، الإضاءة، الصوت، الديكور، الملابس، وإدارة التصوير.
ومع ذلك، ظل حضور النساء في المواقع التقنية الأكثر مباشرة محدودًا نسبيًا، إذ ارتبطت النساء تاريخيًا بالعمل في المونتاج أو السكريبت، بينما بقيت مواقع مثل إدارة التصوير والإضاءة والصوت حكراً على الرجال، ما يعكس التحديات الاجتماعية والثقافية التي واجهتها النساء في اختراق المجالات التقنية عالية الحساسية.
رغم هذه الحواجز، تمكنت مجموعة من الرائدات في المونتاج من فرض حضورهن وإعادة صياغة لغة السينما التونسية من الداخل. لعبت مفيدة التلاتلي، كلثوم برناز، وكاهنة عطية دورًا محوريًا منذ سبعينيات القرن الماضي في تنظيم الإيقاع وبناء المشهد، وتحويل المونتاج من مرحلة تقنية لاحقة إلى فضاء لإنتاج المعنى بصريًا، وإعادة كتابة العلاقة بين اللقطة والزمن. أصبح المونتاج بالنسبة إليهن أداة فاعلة لإعادة صياغة اللغة السينمائية، وإبراز حساسية جديدة تجاه الجسد والذاكرة وقضايا المرأة والمجتمع، ما مكّنهن من امتلاك سيطرة جزئية على أدوات الصورة، وبالتالي المشاركة في إنتاج الرؤية الفنية نفسها.
وبالإضافة إلى عملهن في المونتاج، انتقلت بعضهن لاحقًا إلى الإخراج، حيث حققت مفيدة التلاتلي وكلثوم برناز مسارات مهنية بارزة على الصعيد العربي والدولي، وأثبتتا أن الانتقال من التقنية إلى الرؤية الكاملة للفيلم ممكن، وأن المرأة قادرة على فرض حضورها الفني على مستوى السرد والإخراج البصري، ليس فقط في تونس، بل في العالم العربي والمهرجانات الدولية.
مع مرور الوقت، توسع حضور النساء ليشمل مواقع إنتاجية واستراتيجية، حيث برزت أسماء مثل سلمى بكّار او درة بوشوشة، التي لم يقتصر دورها على الإنتاج المالي أو التسيير، بل شمل دعم المشاريع الجريئة، مرافقة الأصوات الجديدة، والمساهمة في توجيه الخيارات الجمالية والفكرية للأفلام، بما يعيد توزيع القوة البصرية والفكرية داخل صناعة السينما التونسية ويفتح المجال أمام رؤية نسائية مستقلة، على مستوى المحتوى والصورة على حد سواء.
على الصعيد التقني البصري، شكل دخول النساء إلى مواقع مثل إدارة الكاميرا والإضاءة منعطفًا نوعيًا، إذ انتقلت النساء من مواقع الدعم إلى مواقع تحكم مباشر في شروط ظهور الصورة. أصبح للمرأة القدرة على التحكم في الكادر، حركة الكاميرا، الضوء، وتنظيم الفضاء البصري بما يعكس حساسية جمالية واجتماعية متفردة، وهو ما سمح ببلورة لغة سينمائية تونسية جديدة، تعكس التجربة النسائية، وتحافظ على الحس الاجتماعي والسياسي الذي أسسته الأجيال السابقة.
في هذا السياق، تبرز تجربة فريدة مرزوق كنموذج حي للجيل الجديد من النساء التقنيات في السينما التونسية، مستمرة في الإرث الفني والتقني للرائدات في المونتاج والإنتاج وإدارة التصوير. بدأت مسارها الفني كمساعدة كاميرا ومتدربة، قبل أن تتخصص في إدارة التصوير، لتصبح اليوم مسؤولة عن تحويل التحكم التقني في الضوء والكادر إلى ممارسة جمالية وأخلاقية تعكس الحساسية الاجتماعية والثقافية
ويأتي اختيار دراسة تجربتها عن قصد، فهو ليس مصادفة قد كانت مديرة تصوير لأربعة أفلام تونسية وعربية خلال السنة الماضية (2025) جميعها من إخراج نساء تونسيات وعربيات.
وقد تم عرض هذه الأفلام التي قامت بإدارة صورتها ومتابعتها فنيا وجماليا وإدارة فرقها التقنية سوآءا في تونس اوفي الجزائر او في السعودية، في أهم المهرجانات الدولية مثل كان، برلين، البندقية، لوكارنو، القاهرة، البحر الأحمر، وحققت حضورًا متميزًا ونال بعضها جوائز مهمة، مما يؤكد مكانة السينما التونسية اليوم كواحدة من القوى الفنية في العالم العربي وأفريقيا، وقدرتها على المنافسة على أعلى مستويات الاحتراف والاعتراف الدولي. إن هذه الحصيلة تؤكد أن السينما التونسية اليوم تمثل حضورًا دائمًا ومؤثرًا في جميع المهرجانات العربية والأفريقية والدولية، وتحقق جوائز وتقديرًا عالميًا، مع حفاظها على خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، وهو ما يعكس تطور الصناعة وقدرة المرأة التونسية على العمل في مواقع القرار الفني والتقني، والمساهمة في بناء لغة سينمائية فريدة.
إن دراسة النساء في المواقع التقنية، التي غالبًا ما تُغفل في مجالات البحث والنقد السينمائي، تتجاوز مجرد رصد الحضور الكمي، لتتجه نحو تحليل البنية الفنية للسينما. فوجود المرأة في المونتاج، والإضاءة، والكاميرا يعيد توزيع السلطة البصرية داخل الفيلم، ويُنتج رؤية سينمائية تتميز بالحساسية الاجتماعية والجمالية، مما يضع التجربة النسائية في قلب عملية صناعة الصورة وبناء المعنى السينمائي.
يعتمد هذا المقال على منهج مزدوج يمزج البعد التاريخي التوثيقي الذي يتتبع مسار النساء التقنيات في السينما التونسية منذ الستينيات، مع إبراز إسهامات الرائدات في المونتاج وإدارة التصوير مثل مفيدة التلاتلي، كلثوم برناز، كاهنة عطية، آمنة القلي، وليليا السلامي، لتوثيق حضورهن الفني وتحليل تأثيره في بناء لغة سينمائية تونسية متميزة، وبيان تطور مشاركتهن من مواقع داعمة إلى مواقع مركزية في صناعة الصورة.
اما البعد الميداني فيعتمد على مقابلة مباشرة مع مديرة التصوير التونسية فريدة مرزوق، لفهم كيفية تحويل الخبرة التقنية إلى ممارسة جمالية وأخلاقية تعكس الحساسية الاجتماعية والثقافية في السينما التونسية والعربي المعاصرة، واستراتيجيات العمل مع الفرق الفنية، وآليات إعادة توزيع السلطة البصرية من خلال الصورة، مع التأكيد على أهميتها كمديرة تصوير للأربعة أفلام النسائية البارزة في 2025.
فمن خلال الجمع بين البعدين التاريخي والميداني، يقدم المقال قراءة شاملة لدور النساء في المواقع التقنية، ويبرز مساهمتهن في إعادة صياغة اللغة البصرية للسينما التونسية، مع تثبيت استمرارية هذا الإرث الفني والتقني في جيل اليوم، حيث تلعب النساء دورًا مركزيًا في تحويل الصورة إلى أداة للتعبير الفني والاجتماعي، وهو ما يظهر بوضوح في أعمال الجيل الجديد من مديرات التصوير مع فريدة مرزوق نموذجًا حيًا ومتميزًا على الصعيد المحلي والدولي.
النساء في المونتاج وكتابة السينما التونسية من الداخل
برزت في أواخر ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي في تونس مجموعة من الرائدات في مجال المونتاج السينمائي، تلقّين تكوينهن في المعاهد السينمائية بباريس قبل أن يعدن للعمل في الميدان السينمائي التونسي ثم العربي والأفريقي والأوروبي. وقد شكّلت كل من كاهنة عطية، كلثوم برناز، ومفيدة التلاتلي النواة الأبرز لهذه الدفعة، وكان لعملهن أثر بالغ في ترسيخ الممارسة الاحترافية للمونتاج في تونس وإعادة تعريف موقعه داخل صناعة الفيلم. وجاء بروزهن في سياق كانت فيه المهن التقنية في السينما حكرًا شبه مطلق على الرجال، ولم تنجح سوى قلة نادرة من النساء في اختراق هذه الصناعة التي هيمنت عليها البنية الذكورية ومواقع الإقصاء المهني.
ويكتسي هذا الحضور النسائي المبكر دلالة خاصة في السياق التونسي، إذ يرتبط بالخصوصية الاجتماعية والسياسية التي تشكّلت منذ الاستقلال، مع المشروع التحديثي الذي قاده الزعيم الحبيب بورقيبة، والقائم على دعم تعليم النساء وترسيخ مبدأ المساواة القانونية، ما أتاح لهن الولوج إلى التكوين العالي والمتخصص، بما في ذلك التكوين السينمائي.
وقد لعبت الشركة “التونسية للإنتاج والاستغلال والتوزيع”[1] دورًا مركزيًا في هذا الإطار، إذ تم تأسيسها بعد الاستقلال لتطوير ودعم السينما التونسية، وساهمت في توفير فرص تكوين ودمج الفنيين التونسيين، من بينهم النساء، في مشاريع إنتاجية على الصعيد المحلي والعربي والأفريقي والدولي، ما مكّنهم من اكتساب خبرة واسعة في المواقع التقنية والإبداعية.
وقد مثّل ظهور هؤلاء الرائدات ترجمة فعلية لإمكانية دخول النساء إلى مواقع صناعة القرار الفني داخل الفيلم، إذ لم يعد المونتاج مجرد وظيفة تقنية، بل أصبح فضاء لإعادة كتابة الزمن وبناء المعنى البصري من داخل الصورة نفسها.
قبل أن تبرز مفيدة التلاتلي بوصفها واحدة من أهم المخرجات في تاريخ السينما التونسية والعربية، كانت قد كرّست اسمها منذ سبعينيات القرن العشرين كمونتيرة من الصف الأول، وفرضت حضورها كإحدى العلامات الفارقة في تطور السينما التونسية والعربية. اشتغلت مفيدة التلاتلي مع نخبة من أبرز المخرجين في تونس مثل عبد اللطيف بن عمار، فريد بوغدير، نوري بوزيد، وفي المنطقة العربية مثل ميشال خليفي (فلسطين) وفريدة باليزيد (المغرب)، وأسهمت بشكل حاسم في بلورة أفلام مفصلية مثل “حلفاوين”،”ريح السد”،” ذاكرة خصبة” وغيرها من الأعمال التي أصبحت اليوم من اهم كلاسيكيات السينما العربية.
ولم يكن حضورها في المونتاج مجرد أداء لوظيفة تقنية، بل ممارسة إبداعية فعلية أسهمت في صياغة لغة سينمائية تونسية جديدة، تقوم على توتر دقيق بين الحميمي والسياسي، وبين الجسد والذاكرة.
فقد أتاح لها الاشتغال العميق على المادة الفيلمية تطوير حس مرهف بالزمن السينمائي وبناء المشهد، وهو ما انعكس لاحقًا بوضوح في أولى تجاربها الإخراجية (صمت القصور)، حيث تتحول الصورة إلى فضاء داخلي للتجربة، ويتحوّل الإيقاع إلى كتابة حسّية للذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي. وتجعل هذه التجربة من مفيدة التلاتلي نموذجًا دالًا على الدور الجوهري للنساء التقنيات في إعادة تشكيل لغة السينما التونسية والعربية، وعلى إسهام المرأة ليس فقط في المواقع التقنية، بل بوصفها فاعلة مركزية في إنتاج الرؤية البصرية والفنية داخل الفيلم وصياغة رهاناته الجمالية والرمزية.
اما كلثوم برناز فتعد واحدة من الشخصيات المؤسسة للممارسة الاحترافية للمونتاج في السينما التونسية، ومن الركائز التي اشتغلت في صمت داخل قلب صناعة الفيلم منذ أواخر ستينيات القرن العشرين. وقبل أن تتجه إلى الإخراج، فرضت نفسها كمونتيرة محترفة في مجال تقني ظل طويلًا تحت هيمنة الرجال، ونجحت في ترسيخ حضورها بفضل انضباطها المهني، ودقّتها العالية، وحسّها الفني المرهف.
وقد شكّل تكوينها في فرنسا منعطفًا حاسمًا في مسارها، إذ تحصلت سنة 1968على شهادة متخصصة في المونتاج، لتكون من أوائل النساء العربيات اللواتي امتلكن تكوينًا تقنيًا احترافيًا في هذا المجال داخل مؤسسات سينمائية أوروبية.
وأتاح لها هذا المسار العمل مع مخرجين عالميين مثل جورج لوكاس ورومان بولنسكي، واكتساب خبرة واسعة في تقنيات المونتاج وأساليب السرد الحديثة. وعقب عودتها إلى تونس، تعاونت مع أبرز المخرجين التونسيين وأسهمت في صياغة البناء السردي والإيقاعي لعدد من الأفلام التي مثّلت مرحلة نضج في تاريخ السينما التونسية، من بينهم عبد اللطيف بن عمار، حميدة بن عمار، نظال شطا، ونادية الفاني. وعلى الرغم من هيمنة الرجال على أغلب المناصب التقنية، أصبحت مرجعًا أساسيًا للمخرجين والفرق الفنية، ومعروفة بقدرتها على التحكم في الإيقاع البصري للفيلم.
وتكمن أهمية مسارها في أنها كرّست وجود المرأة داخل واحد من أكثر مواقع السلطة غير المرئية في السينما: سلطة ترتيب الاحداث، الزمن، وصناعة المعنى عبر القطع والوصل. وقد أسهم عملها في ترسيخ شرعية المونتيرة التونسية داخل المشهد المهني كشريكة فعلية في كتابة الفيلم وصياغة رؤيته البصرية، ومؤثرة في اللغة السينمائية وتحديد الإيقاع الدرامي للمشاهد.
كما تُعدّ كاهنة عطية رائدة ومرجعية للجيل المعاصر من المونتيرات، وواحدة من أبرز المونتيرات في تاريخ السينما التونسية، والعربية، والأفريقية.
لا يقتصر تميزها على طول مسيرتها المهنية، بل يتجلّى في قدرتها الفريدة على فرض نفسها كفنية محترفة في وسط يهيمن عليه الرجال. لقد اشتهرت عطية بهدوئها، رصانتها، وحسها الفني المرهف، فضلاً عن قدرتها على التعامل مع مختلف المخرجين من جنسيات وأعمار متنوعة، مما مكنّها من العمل بفعالية ونجاح، واكتساب احترام المخرجين والفرق التقنية، سواء في تونس أو خارجها.
أصبح حضورها الفني مثالًا للانضباط والاحترافية في المواقع التقنية الحساسة، مما جعلها مرجعًا لا غنى عنه للجيل الجديد من النساء في مجال المونتاج. تلقت عطية تكوينها السينمائي في فرنسا، متخصصة في فنون المونتاج، ما منحها مهارات تقنية وفنية متقدمة. وبعد عودتها إلى تونس، أصبحت مرجعًا للمونتاج السينمائي في المنطقة، وأسهمت بشكل مباشر في تكوين عدد كبير من المونتيرين و المونتيرات المعاصرات، اللواتي استفدن من خبرتها العملية وحسها الفني في الإيقاع البصري وبناء المشهد، ما جعلها جسرًا بين الجيل الأول و والثاني وكذلك الجيل الجديد المعاصر.
تعاونت مع كبار المخرجين التونسين مثل النوري بوزيد، سلمى بكّار، رضا الباهي، محمود بن محمود، الناصر خمير، المنصف ذويب، انيس الأسود، مختار العجيمي، وأسهمت في بلورة إيقاع الصورة والبناء الدرامي للأفلام، خصوصًا خلال مرحلة حاسمة من تطور السينما التونسية.
امتد حضورها أيضًا إلى السينما الأفريقية والعربية، حيث عملت مع مخرجين مرموقين مثل عثمان سامبان، الشيخ عمر سيسوكو، هنري دوبارك، محمد ملص، برهان علوية، فريدة بليزيد ، مصطفى الدرقاوي، حسن بنجلون، وفاروق بلوفة، عبد الرحمان تازي، وغيرهم، ما جعلها حلقة وصل بين التجربة السينمائية التونسية والرهانات الجمالية للسينما في القارة الأفريقية والعالم العربي. وقد ساهمت خبرتها في صناعة مونتاج أفلام تم عرضها في أهم المهرجانات الدولية مثل مهرجان كان، البندقية، وتورنتو، برلين، لوكارنو وغيرها من المهرجانات الإقليمية والعربية المرموقة، والحائزة على العديد من الجوائز الأمر الذي منحها اعترافًا دوليًا لموهبتها الفنية وقدرتها على تحويل المونتاج إلى أداة إبداعية لتشكيل اللغة البصرية للفيلم وتنظيم فضائه الزمني.
لقد مثّل عملها في هذه الإنتاجات الكبرى على مدى عقود مصدرًا لإعادة التفكير في وظيفة المونتاج، اذ أصبح المونتاج عنصرًا فاعلًا في بناء الرؤية السينمائية، لا مجرد إجراء تقني. ويمكن وصف عطية بأنها “ذاكرة المونتاج للسينما التونسية والعربية والأفريقية”، إذ تعكس أعمالها كيف تشكّلت لغة الصورة وإيقاعها في لحظات انتقالية مهمة من تاريخ السينما في المنطقة.
وقد لاقى دورها هذا تقديرًا عربيا وافريقيا وعالميًا، بما في ذلك التكريم الذي حصلت عليه في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة سنة 2023 مما يعكس المكانة المرموقة التي احتلتها داخل الذاكرة الجماعية للسينما، إضافة إلى إرثها في تكوين الجيل الجديد من المونتيرات الذي يواصل إثراء السينما التونسية والعربية اليوم.
أسهمت هذه الثلاثية الرائدة : مفيدة التلاتلي، كلثوم برناز، وكاهنة عطية في فتح فضاء احترافي جديد للنساء داخل المهن التقنية المرتبطة مباشرة بصناعة الصورة السينمائية، كاسرات بذلك الهيمنة الذكورية التي كانت تطبع هذه المواقع.
فقد حولن المونتاج من مجرد وظيفة تقنية إلى مساحة فاعلة لصياغة المعنى، بناء الإيقاع البصري، وتطوير اللغة السينمائية، بما جعل حضور المرأة في مواقع القرار الفني واقعًا ملموسًا. وقد حظي هذا الدور باعتراف دولي، من ذلك تكريمهن في العديد من المناسبات المحلية والاقليمية، مما يعكس المكانة المرموقة التي أصبحت تحتلها داخل الذاكرة السينمائية في تونس و في المنطقة.
كما تجاوزت مفيدة التلاتلي وكلثوم برناز حدود المونتاج لتصبحا مخرجات بارزات، حيث شقت كل منهما مسارًا مهمًا على الصعيدين العربي والدولي، مؤكدتين قدرة النساء على الجمع بين الاحترافية التقنية والرؤية الإبداعية. وقد أتاح لهما العمل في المونتاج اكتساب حس عميق بالزمن السينمائي وبناء المشهد، مما انعكس لاحقًا على أعمالهما الإخراجية التي نالت شهرة واسعة ومشاركة في مهرجانات كبرى، وأسهمت في بلورة لغة سينمائية تونسية وعربية متميزة.
إلى جانب ذلك، لعبت هذه الرائدات دورًا أساسيًا في نقل الخبرة وتكوين الأجيال الجديدة من المونتيرات والمونتيرين، فهنّ لم يقتصرن على إنتاج الأفلام، بل انخرطن في توجيه وتدريب من بعدهن، مما أسهم في استمرار إرثهن الفني والتقني داخل السينما التونسية والعربية. ومن بين الأسماء المعاصرة التي حملت هذا الإرث نادية بن رشيد، التي طوّرت لغة مونتاج حديثة متسقة مع تحولات السينما المعاصرة، مع الحفاظ على الحس الاجتماعي والسياسي الذي أرسته الرائدات.
تكشف هذه المسارات أن النساء لم يدخلن السينما التونسية من أبواب هامشية، بل من مواقع حساسة تمكّن من خلالها التحكم في بنية الفيلم ومعناه البصري. ومن خلال الجمع بين الاحترافية التقنية، الرؤية الإبداعية، والتوجيه التكويني للأجيال الجديدة، أسست هذه الرائدات قاعدة صلبة لمكانة المرأة كفاعل أساسي في صناعة الرؤية السينمائية التونسية، العربية، والدولية.
مع مرور الوقت، توسّع حضور النساء في السينما التونسية ليشمل مواقع أكثر تقنية وتأثيرًا على الإنتاج البصري، مثل إدارة الإضاءة والكاميرا. فقد أصبح بإمكانهن الجلوس خلف الكاميرا، أي التحكم مباشرة في زاوية الرؤية، إيقاع الحركة، والتفاعل بين الضوء والفضاء. هذا التوسع لم يقتصر على الجانب التقني فحسب، بل مكّن النساء من تطوير لغة بصرية خاصة مستمدة من حساسياتهن وتجاربهن المهنية، وأسهم في إعادة توزيع السلطة البصرية داخل الفيلم، وإتاحة نظرة نسائية فريدة ومميزة.
وبذلك لم تعد المرأة مجرد متلقية أو مساعدة للعمل الفني، بل أصبحت فاعلة في جميع مراحل إنتاج الصورةالسينمائية، من الإعداد إلى التصوير والمونتاج و الصوت والتصميم الفني، وهو ما يعكس مسارًا نوعيًا في السينما التونسية بدأ بالعمل في المونتاج، ثم امتد إلى مواقع التقنية والإبداع كافة، وصولًا إلى جيل من النساء المعاصرات مثل فريدة مرزوق، اللاتي يواصلن فرض حضورهن في قلب صناعة السينما. وهذا يبرهن أن الحس الفني والقدرة التقنية لا يعرفان جنسًا، وأن التجربة النسائية أصبحت جزءًا أساسيًا من تاريخ السينما التونسية.
مديرات التصوير في السينما التونسية : من اختراق المجال التقني إلى إعادة تشكيل السلطة البصرية
في امتداد مباشر لما خلص إليه الجزء الأول من هذا المقال حول الحضور النسائي في المونتاج وبقية المهن التقنية، ينتقل هذا الجزء من المقال إلى أحد أكثر مواقع صناعة الفيلم تعقيدًا وحساسية: إدارة التصوير. فكما بيّنت التجربة التونسية، لم يكن دخول النساء إلى السينما مسارًا فجائيًا أو معزولًا، بل تشكّل ضمن حركة تاريخية تدريجية بدأت من مواقع وُصفت طويلًا بـ«الداعمة»، ثم توسعت لتشمل مختلف مفاصل الصناعة، وصولًا إلى مواقع القرار البصري العليا. وتُعدّ إدارة التصوير، بما تحمله من ثقل تقني وجمالي وتنظيمي، من أبرز المؤشرات على هذا التحول البنيوي في موقع المرأة داخل السينما التونسية.
تاريخيًا، تشكّلت مواقع الصورة في السينما، في تونس كما في معظم السياقات العربية والأفريقية، داخل فضاء مهني هيمن عليه الرجال، ليس فقط بسبب الطابع التقني للمهنة، بل أيضًا لما تتطلبه من سلطة ميدانية على مواقع التصوير، وإدارة فرق كبيرة تضمّ اختصاصات دقيقة (الكهرباء، الكاميرا، المساعدون، الضبط، المؤثرات الضوئية…). فمدير/ة التصوير لا يتحكم فقط في آلة تصوير، بل يقود منظومة كاملة لإنتاج الصورة، ويشارك بشكل مباشر في بلورة الرؤية الفنية للفيلم، وفي بناء علاقته بالجسد، بالفضاء، وبالزمن. لذلك ظل هذا الموقع لفترة طويلة مرتبطًا بالتصورات الذكورية للخبرة التقنية والقيادة المهنية.
غير أن المسار التونسي أظهر منذ وقت مبكر قدرة خاصة على تفكيك هذا الاحتكار. فقد أفرزت التحولات الاجتماعية والسياسية منذ الاستقلال مناخًا أتاح للنساء الولوج إلى التكوين العالي والمتخصص، بما في ذلك التكوين السينمائي والتقني.
كما مثّلت الهياكل الوطنية للإنتاج، وفي مقدمتها الشركة التونسية للإنتاج والاستغلال والتوزيع، فضاءً أساسيًا للربط بين التعلم والممارسة، حيث انخرطت النساء داخل فرق تصوير وطنية ودولية، واكتسبن خبرة ميدانية فعلية في مواقع ظلّت لعقود مغلقة تقريبًا أمامهن. وقد مكّن هذا التراكم العملي من انتقال النساء من وضعية الحضور الهامشي إلى فاعلات تقنيات داخل بنية الصناعة.
ومع بداية الألفية الجديدة، تعزز هذا المسار بظهور منظومة تكوين أكثر تخصّصًا، خاصة بعد إحداث المدرسة العليا للسمعي والبصري والسينما بجامعة قرطاج سنة 2004. فقد مثّلت هذه المؤسسة وكذلك مؤسسات أخرى تعنى بالتكوين في مجال السمعي البصري، منعطفًا حاسمًا في تكوين أجيال جديدة من الفنيين والفنيات، من خلال برامج تجمع بين الدراسة النظرية الصارمة والتدريب المكثف في مواقع التصوير. وشمل هذا التكوين دراسة معمقة للغة الصورة، فيزياء الضوء، تكوين الإطار، حركة الكاميرا، والتحليل الجمالي للصورة السينمائية، بما أتاح للطلبة والطالبات التعامل مع إدارة التصوير بوصفها ممارسة فكرية وجمالية بقدر ما هي ممارسة تقنية. وقد ساهم هذا المسار في إرساء قاعدة بشرية جديدة من مديري ومديرات التصوير القادرين على العمل في إنتاجات معقدة وذات طموح فني عال.
ضمن هذا الإطار التاريخي والمؤسساتي، برزت أسماء نسائية اختارت اقتحام مواقع الصورة، وأسهمت في نقل المرأة التونسية من الهامش التقني إلى قلب السلطة البصرية داخل الفيلم.
تحتلّ أمنة القولي ثابت موقعًا خاصًا في تاريخ الصورة السينمائية التونسية، ليس فقط باعتبارها من أوائل النساء اللواتي امتلكن صفة مديرة تصوير، بل أيضًا بوصفها مثالًا دالًا على الكيفية التي دخلت بها النساء فعليًا إلى مواقع الصورة داخل بنية مهنية ظلّت، لفترة طويلة، مغلقة تقريبًا أمامهن.
فمن الناحية الرسمية، تمتلك أمنة القلي ثابت صفة مديرة تصوير، غير أن مسارها المهني تشكّل في معظمه داخل موقع المساعدة، حيث اشتغلت لسنوات طويلة كمساعدة لرؤساء تصوير رجال، في سياق مهني لم يكن يسمح بسهولة للنساء بتولي القيادة البصرية الكاملة لمواقع التصوير. تخرّجت من المعهد العالي للفنون السمعية والبصرية (بلجيكا)، ما أتاح لها تكوينًا تقنيًا متينًا في مجال الصورة. وقد مكّنها هذا التكوين من الاندماج مبكرًا في مواقع تصوير احترافية، والعمل ضمن فرق تقنية كبرى في أفلام شكّلت محطات أساسية في تاريخ السينما التونسية من بين هذه الأعمال نذكر”ريح السد” للنوري بوزيد و … لرضا الباهي، و”صيف حلق الواد” لفريد بوغدير،و”صمت القصور” لمفيدة التلاتلي، حيث عملت خطة مساعدة أولى.
ان أهمية هذا المسار لا تكمن فقط في قائمة الأفلام التي اشتغلت عليها، بل في طبيعة الموقع الذي شغلته داخلها فوظيفة مساعدة مدير التصوير ليست موقعًا تقنيًا ثانويًا، بل هي موقع مركزي في التنظيم البصري للفيلم، يتطلّب معرفة دقيقة بالمعدات، إدارة الوقت، التنسيق بين الفرق، وضبط العلاقة بين المخرج، مدير التصوير، وبقية الطاقم التقني. وقد سمح هذا الموقع لإمنة القلى ثابت باكتساب خبرة عميقة داخل قلب صناعة الصورة، والمشاركة فعليًا في بناء عدد من أهم التجارب السينمائية التونسية، حتى وإن ظلّ اسمها، مثل كثير من التقنيات النساء، أقل حضورًا في الذاكرة النقدية والبحثية. ولا توجد، إلى اليوم، دراسات أكاديمية معمّقة تتناول تجربة إمنة القلي ثابت أو تقيّم بدقة موقعها داخل تاريخ السينما التونسية أو السمعية البصرية عمومًا.
هذا الغياب في التوثيق يجعل من الصعب إصدار أحكام نهائية حول حجم تأثيرها الفردي، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن إشكالية أوسع تتعلّق بتهميش مسارات التقنيات داخل البحث السينمائي، ولا سيما النساء منهنّ. لذلك تُقرأ تجربتها هنا بوصفها تجربة مؤسسة من حيث كونها فتحت، عبر العمل اليومي والمراكمة المهنية، إمكانية وجود المرأة داخل مواقع الصورة، وأسهمت في تطبيع حضورها داخل فرق التصوير.
تمثّل أمنة القلي ثابت، بهذا المعنى، نموذجًا للجيل الذي مهّد الطريق بصمت، من داخل الممارسة التقنية ذاتها، لا عبر الخطاب أو النجومية. فقد كان اشتغالها الطويل كمساعدة لرؤساء تصوير رجال جزءًا من ديناميكية تاريخية سمحت للنساء بدخول المجال، واكتساب شرعية مهنية، وبناء خبرة ميدانية متراكمة، قبل أن يصبح من الممكن لاحقًا أن تظهر مديرات تصوير يتولين القيادة الكاملة للصورة. ومن هنا تكتسب تجربتها قيمة تاريخية خاصة، لأنها تكشف أن انتقال النساء إلى مواقع القرار البصري لم يكن قفزة مفاجئة، بل نتيجة مسار طويل بدأ من مواقع المساندة التقنية داخل مواقع التصوير نفسها.
ولا يقتصر دور أمنة القلي ثابت على الممارسة المهنية داخل مواقع التصوير، بل يمتدّ أيضًا إلى المجال البيداغوجي، الذي شكّل أحد أهم أبعاد تأثيرها. فمنذ سنة 2004، ساهمت في التدريس والتكوين بالمدرسة العليا للسمعي البصري والسينما، حيث شاركت في تكوين أجيال متتالية من الطلبة في اختصاص الصورة. وقد اضطلعت بدور أساسي في نقل المعرفة التقنية المرتبطة بالكاميرا، الإضاءة، تنظيم العمل داخل مواقع التصوير، وأخلاقيات المهنة، مساهمة بذلك في بناء جيل جديد من التقنيين والتقنيات القادرين على العمل داخل إنتاجات معقّدة على المستويين الفني والتنظيمي.
وتبرز نتائج هذا العمل البيداغوجي اليوم بوضوح في المشهد السمعي البصري التونسي، من خلال ظهور أسماء جديدة في إدارة التصوير دخلت بقوة إلى السينما والدراما، وأسهمت في رفع مستوى الاحتراف البصري للإنتاجات التونسية والعربية المعاصرة.
من بين هذه الأسماء يمكن الإشارة إلى فاروق العريضي، مدير تصوير فيلم “بنات الفة” للمخرجة كوثر بن هنية، إضافة إلى عمر بوحولة، ربيع المسعودي، عصام السعيدي، سوار بن حسين، وغيرهم من المهنيين الذين شقّوا طريقهم في عالم الإنتاج السينمائي والدرامي في تونس وخارج تونس، والذين يعكس مسارهم التحوّل الذي عرفته مواقع الصورة في تونس بفضل التكوين الأكاديمي المتخصص والتأطير الذي قام به رائدو و رائدات مثل أمنة القلي ثابت وغيرها من مديري التصوير.
بهذا المعنى، لا تُقرأ تجربة أمنة القلي ثابت فقط بوصفها مسارًا فرديًا داخل تاريخ السينما التونسية، بل باعتبارها حلقة تأسيسية في سلسلة انتقال المعرفة والخبرة داخل مجال الصورة، حيث يلتقي العمل الميداني بالتكوين الأكاديمي، وتتحوّل التجربة الفردية إلى رصيد جماعي أسهم في إعادة تشكيل البنية المهنية لإدارة التصوير في تونس، وفي تطبيع حضور النساء داخل هذا الموقع التقني الحساس.
تمثل ليليا السلامي محطة أساسية ثانية ومختلفة في تاريخ دخول النساء إلى مواقع الصورة في السينما التونسية والمغاربية، ليس فقط من حيث الكفاءة التقنية، بل من حيث الحس الجمالي الذي تُضيفه للصورة السينمائية. وُلدت السلامي في فرنسا لتنطلق مبكّرًا نحو عالم الصورة: بدأت مسيرتها في مواقع التصوير كمساعدة كاميرا ومتدرّبة، واكتسبت خبرة تنفيذية قبل أن تتخصص في إدارة التصوير. وقد تخرجت عام 1998 في فرنسا في مجال الصورة السينمائية، وهو تكوين أكاديمي وتقني مكّنها من الاندماج بسرعة في مواقع تصوير عالية المستوى، سواء في الإنتاجات التجارية الكبرى أو أعمال المؤلفين.
في بداياتها المهنية، اشتغلت السلامي كمساعدة كاميرا في إنتاجات ضخمة، منها مشاركات ضمن فرق عمل أفلام عالمية مثل “حرب النجوم” وعملت ضمن فرق التصوير الخاصة بمخرجين مرموقين مثل سيدريك كلابيش، وبرناردو بيرتولوتشي، وصوفي مارسو وغيرها من الأسماء مما منحها خبرة تنفيذية واسعة على مستوى التقنيات المتقدمة للكاميرا وتنظيم مواقع التصوير الدولية.
هذه التجارب المتنوعة مكنتها من صقل مهارات تقنية عالية والتعامل مع نظم تصوير معقدة باحترافية. وعند انتقالها للعمل في شمال افريقيا، انخرطت السلامي ضمن فرق إنتاج متنوعة، تعاونت من خلالها مع مخرجين مغاربة وتونسيين في مشاريع تتناول قضايا اجتماعية وثقافية عربية.
تتميّز رؤية ليليا السلامي في إدارة التصوير بعدّ الصورة أكثر من مجرد تسجيل بصري للحدث، بل بوصفها فضاءً للتعبير العاطفي والرمزي. فأسلوبها في التعامل مع الضوء والظل لا يقتصر على إظهار العناصر داخل الإطار، بل يسهم في بناء البعد النفسي للشخصيات وفي توجيه علاقة المتفرّج بالفضاء والزمن داخل الفيلم. عبر اختيارات دقيقة في تكوين الإطار، توزيع الإضاءة، وإدارة حركة الكاميرا، تعمل السلامي على تقديم صورة خادمة للمعنى، تتجاوز الوظيفة التقنية وتكون شريكًا في البناء السردي للصورة.
هذه المقاربة تجعل من دور مديرة التصوير فاعلًا إبداعيًا مؤثرًا في توجيه التجربة البصرية للمشاهد، وليس مجرد منفّذ لتعليمات تقنية أو وظيفية. تجربة ليليا السلامي تمثّل حلقة مهمّة في سلسلة التحوّلات التي عرفتها إدارة التصوير في السينما التونسية والمغاربية، إذ تبيّن كيف يمكن لمخرجة صور ذات تكوين دولي أن تنقل خبرتها إلى فضاء محلي وإقليمي، وأن تسهم في إعادة تعريف الدور الفني لمديرة التصوير عبر تركيزها على البعد الجمالي النفسي للصورة، وربط التقنية بالتعبير المعنوي داخل المشهد السينمائي.
إن المسارين اللذين تمثلهما إمنة القلي ثابت وليليا السلامي يعكسان مرحلتين متكاملتين في تاريخ مديرات التصوير في تونس: مرحلة الاختراق والتأسيس من الداخل، ومرحلة الانفتاح والتكثيف الجمالي عبر التجربة الدولية. وقد مهّد هذا التراكم الطريق أمام جيل جديد من التقنيات والتقنيين، نشأ في سياق باتت فيه المرأة حاضرة في مختلف فروع الصناعة السينمائية، من الصورة إلى الصوت، ومن الديكور إلى الإنتاج، ومن الكتابة إلى الإخراج، ضمن مناخ مهني يتجه تدريجيًا نحو تطبيع وجودها في جميع التخصصات.
وضمن هذا الامتداد التاريخي، تبرز مديرة التصوير فريدة مرزوق اليوم بوصفها إحدى أبرز مديرات التصوير في الجيل المعاصر، وتجسيدًا حيًا لاستمرارية هذا الإرث وتحوّله. فقد تلقت تكوينها خارج تونس، واكتسبت خبرة دولية مكثفة، قبل أن تعود لتنخرط في مشاريع سينمائية تونسية وعربية ذات حضور قوي في المهرجانات الكبرى.
وتعاملت مع العديد من الاسماء اللامعة منذ بداياتها الاولى وفي مختلف المناصب التقنية الخاصة بالصورة مثل عبد اللطيف كشيش، كريستوفر نولان، لياس بكار، لينا سوالم، أريج السحيري، أمال قلاتي، فراس خوري، ايمي ايمانيشي، عهد كامل، سكندر قبطي، مجدي الأخضر،جوليان فالون، فرانسيس لوننس واغيرهم.
وقد تميّزت خلال الثلاثة سنوات الأخيرة باعمال كان لها الصيت العالمي . وتعد سنة 2025 سنة استثنائية حيث تألقت باعمالها كمديرةً للتصوير في أربعة أفلام عربية من إخراج نساء تونسيات وعربيات، وهو ما يعكس ليس فقط تطور مسارها الفردي، بل أيضًا الموقع الذي باتت تحتله المرأة التونسية داخل المشهد السينمائي العربي المعاصر الذي يهيمن عليها الرجال في غالب الأحيان.
وتمثّل تجربة فريدة مرزوق مرحلة جديدة في تاريخ مديرات التصوير في تونس والعالم العربي، حيث تتقاطع الكفاءة التقنية العالية مع الوعي الجمالي والأخلاقي بدور الصورة. فهي تتعامل مع إدارة التصوير بوصفها ممارسة تفكير في العلاقة بين الجسد والفضاء، وبين الضوء والسلطة البصرية، وبين الإطار والمعنى. كما تبرز تجربتها قدرة المرأة على قيادة فرق تصوير معقّدة، واتخاذ قرارات فنية في سياقات إنتاجية محدودة وضاغطة، دون التفريط في الحساسية الاجتماعية والثقافية التي تميز السينما التونسية.
وانطلاقًا من هذا المسار التاريخي المتدرج، تأتي المقابلة مع فريدة مرزوق في الجزء التالي من المقال بوصفها محورًا تطبيقيًا أساسيًا. فهي لا تُقدَّم كشهادة ذاتية، بل كأداة بحثية لفهم آليات العمل اليومي لمديرة تصوير تونسية معاصرة: كيف تُدار الفرق التقنية؟ كيف تُصاغ العلاقة مع المخرج/ة؟ كيف تُتخذ القرارات الجمالية داخل مواقع التصوير؟ وكيف تتحوّل الخبرة التقنية إلى رؤية بصرية قادرة على إعادة توزيع السلطة داخل الصورة؟
فريدة مرزوق : من التقنية إلى الأخلاق البصري
تم تصميم المقابلة لتغطي محاور رئيسية تشمل التكوين والمسار، حيث يُستعرض خلفيتها الأكاديمية في السوربون الجديدة ونيويورك وبداياتها المهنية، وكيف ساهمت هذه التجارب في تشكيل رؤيتها للصورة والسرد السينمائي. كما تتناول المقابلة التعاون وبناء الصورة، مع التركيز على دينامية العمل مع المخرجات والمخرجين، وبناء العالم البصري للفيلم، وكيفية التكيف بين الرؤية الفنية والرؤية الإخراجية. وتشمل أيضًا النظرة والكتابة البصرية، مع إبراز تأثير كونها امرأة في تصوير الجسد والعاطفة، وكيف تُترجم التحولات النفسية للشخصيات إلى اختيارات ضوئية وتركيبية مع احترام التجربة الإنسانية. ويُسلط الضوء كذلك على النساء التقنيات ودينامية البلاتو، بما يشمل دور النساء في الفرق الفنية، تأثيرهن على الإبداع داخل البلاتو، ونقل الخبرة إلى الجيل الجديد من التقنيات السينمائيات التونسيات. أخيرًا، تتناول المقابلة السينما المعاصرة وآفاق المستقبل، من خلال مشاريعها الأخيرة، أسلوبها الفني، ما ترغب في استكشافه مستقبلًا، ورؤيتها لتطور إدارة التصوير في تونس ودور المرأة فيها. من خلال هذه المحاور، لا تكتفي المقابلة بسرد السيرة الذاتية، بل تكشف أيضًا عن تجربة عملية وحس فني نسائي يمكّننا فهم التحديات والفرص التي تواجه النساء في السينما التونسية، وكيف يمكن لخبرة فردية أن تعكس تغيرات أوسع في المشهد السينمائي العربي والدولي.
كيف شكّلت دراستك في السوربون الجديدة بباريس وعيك بالصورة السينمائية؟
درساتي في جامعة السوربون شكّلت الأساس الفكري لرؤيتي للسينما. هناك لم أتعلم فقط تاريخ السينما أو أساليب تحليل الصورة، بل تعلّمت التفكير في “النظرة” نفسها : من يصوّر؟ ولماذا؟ وكيف تتحوّل الصورة إلى موقف من العالم. أدركت أن الصورة ليست حيادية أبدًا، وأن كل كادر هو اختيار جمالي وأخلاقي وسياسي في آن واحد. الضوء، المسافة، زاوية الكاميرا، كلها قرارات تعبّر عن علاقتنا بالمكان، بالجسد، وبالسلطة. هذا الوعي النظري يرافقني اليوم في كل مشروع، ويجعلني أتعامل مع إدارة التصوير بوصفها كتابة بصرية ومسؤولية ثقافية، وليس مجرد تقنية.
ماذا أضافت لك تجربة نيويورك مقارنة بالتكوين الأكاديمي في باريس؟
إذا كانت باريس قد منحتني أدوات التفكير، فإن نيويورك منحتني أدوات الممارسة. هناك اكتشفت الصرامة التقنية، والعمل الصناعي، وتنوّع طرق الإنتاج. تعلمت كيف تُدار الفرق الكبيرة، وكيف تُبنى العلاقة بين الإبداع والظروف المادية، وكيف يمكن للصورة أن تولد داخل أنظمة إنتاج مختلفة تمامًا. هذه التجربة جعلتني أكثر وعيًا بأهمية التنظيم والدقة وإدارة الوقت، لكنها أكدت لي أيضًا أن الحساسية الفنية لا تنفصل عن الواقع. هذا المسار المزدوج سمح لي بأن أرى السينما التونسية كفضاء قادر على الحوار مع السينما العربية والدولية، لا كفضاء هامشي، بل كمساحة تمتلك ضوءها، وأجسادها، وأسئلتها الخاصة.
كيف أثّرت بداياتك كسكريبت ثم مساعدة كاميرا في بناء علاقتك بالصورة؟
هذه المرحلة كانت حاسمة .عملي كسكريبت، خصوصًا مع مفيدة التلاتلي، علّمني الدقة والانتباه للزمن والاستمرارية الشعورية. تعلمت أن اللقطة لا تُفهم بمعزل عن سياقها، وأن السينما كتابة للوقت قبل أن تكون تركيب صور. أما عملي كمساعدة كاميرا وتقنية كهرباء، خاصة في أفلام عبد اللطيف كشيش، فقد كان دخولًا مباشرًا إلى جسد المهنة: الآلة، الضوء، الإرهاق، الضغط، إدارة الأزمات اليومية على البلاتو. هناك فهمت أن مديرة التصوير ليست فقط صاحبة رؤية، بل منسّقة طاقات بشرية وتقنية، وأن إدارة الصورة تبدأ بإدارة العلاقات.
متى شعرتِ أنك أصبحتِ فعلًا مديرة تصوير؟
مع أول تجربة لي كمديرة تصوير في فيلم مع إلياس بكّار والتي كانت في تونس سنة2015. أدركت أنني انتقلت من موقع التنفيذ إلى موقع الاقتراح والقرار. هناك واجهت لأول مرة المسؤولية الكاملة عن الرؤية البصرية للفيلم، وعن إدارة فرق الكاميرا، والإضاءة، والماكينات. فهمت أن هذا الموقع ليس موقع سلطة بل موقع توازن: بين الجمالي والتقني، بين المخرج والفرق، وبين الرغبة والواقع. كما أدركت أن تجربتي السابقة سهّلت عليّ التعامل مع الضغط ومع فرق يغلب عليها الطابع الذكوري، دون أن أشعر بعوائق مرتبطة بكوني امرأة، خصوصًا في السياق التونسي حيث حضور النساء على البلاتوهات قديم وطبيعي وسبع لي ان تعاملت مع العديد من التقنيين التونسيين في تجارب ومناصب تقنية مختلفة.
كيف تصفين موقعك اليوم داخل السينما التونسية والعربية والدولية؟
أرى نفسي امتدادًا لتقاليد السينما التونسية، التي ارتبطت تاريخيًا بالانساني ، بالاجتماعي، وبالأسئلة السياسية غير المباشرة، بالجسد، بالمراة ، بالثورة وغيرها من المواضيع الجريئة. في الوقت نفسه، أصبح عملي يتقاطع بشكل متزايد مع فضاء عربي أوسع ومع إنتاجات دولية. اشتغلت مع سينمائيين وسينمائيات من تونس، فلسطين،الجزائر، السعودية، المغرب، وغيرها، مثل أريج السحيري، فراس خوري، شيرين دعيبس، لينا سوالم، إسكندر قبطي، أمل قلّاتي، وسوزانا مرغني. هذا الموقع الوسيط يسمح لي بأن أستثمر الأدوات الدولية دون أن أفقد علاقتي بالضوء المتوسطي وبالحساسية الثقافية للمنطقة.
لماذا تؤكدين على أن السينما قبل كل شيء مغامرة إنسانية؟
لأنني مقتنعة بأن الصورة انعكاس مباشر للعلاقات داخل البلاتو. يمكن امتلاك أحدث الكاميرات وأغلى العدسات، لكن دون ثقة وإصغاء واحترام متبادل، تصبح الصورة باردة. إدارة التصوير بالنسبة لي هي فن بناء مناخ: حين يشعر الممثل بالأمان، وحين يشعر التقني بقيمته، تتحرّر الكاميرا ويصبح الضوء أكثر صدقًا. العلاقة الإنسانية ليست عنصرًا محيطًا بالصورة، بل هي مادتها الأولى.
كيف تتكيّفين مع العمل في فضاءات عربية مختلفة؟
هناك قرب ثقافي ولغوي وحسّي واضح. في العالم العربي، توجد علاقة مشتركة بالجسد، وبالفضاء، وبالصمت. كوني تونسية يسهل بناء الثقة، لأن للنساء التونسيات سمعة مهنية وإنسانية جيدة في الوسط السينمائي العربي. هذا القرب يسمح بالدخول السريع إلى جوهر الشخصيات، خصوصًا في الأفلام التي تتناول مواضيع حسّاسة أو حميمية.
هل يختلف عملك مع المخرجات عنه مع المخرجين؟
أنا لا أؤمن بفروق جوهرية مبنية على الجنس، لأن الأساس هو الإنسان. لكن عملي مع مخرجات مثل أريج السحيري، لينا سوالم، أمل قلّاتي، وشيرين دعيبس غالبًا ما يتجاوز الإطار المهني ليتحول إلى علاقة ثقة وصداقة. هناك حساسية مشتركة ومساحات أوسع للتجريب، ما ينعكس مباشرة على الصورة وطريقة الاقتراب من الجسد والتفاصيل.
ما المعايير التي تعتمدينها في اختيار مشاريعك؟
أختار الأشخاص قبل النصوص. أبحث عن إمكانية حوار حقيقي، عن فضول متبادل واستعداد لبناء صورة مشتركة. عندما أشعر بالاحترام والرغبة في العمل الجماعي، ألتزم بالمشروع. أؤمن أن الفيلم نتيجة علاقة إنسانية بقدر ما هو نتيجة فكرة فنية.
كيف تعرّفين كتابتك البصرية؟
هي كتابة قريبة من الجسد والإحساس. كاميرتي ليست مراقِبة من بعيد، بل حاضرة، تتنفّس مع الشخصيات. أحب التفاصيل الصغيرة: ارتجافة يد، نظرة مترددة، صمت طويل. أبحث عن صورة لا تشرح بل تُشعر، وعن ضوء يصبح جزءًا من الحالة النفسية، لا مجرد إضاءة وظيفية.
ما الأفلام التي تجسّد هذه المقاربة بشكل واضح؟
يتجلى ذلك خصوصًا في أفلام مثل تحت الشجرة لأريج السحيري، من أين يأتي الريح لأمل قلّاتي، وعَلَم لفراس خوري. في هذه الأعمال، الكاميرا قريبة من الأجساد، الضوء طبيعي في معظمه، والصورة جزء من السرد وليست مجرد زينة له.
ماذا يمثّل لك الضوء التونسي والمتوسطي؟
هو ذاكرة بصرية ومادة درامية. ضوء قاسٍ أحيانًا وحنون أحيانًا أخرى، لكنه دائمًا كاشف. تجاربي مع سينمائيين أجانب جعلتني أراه بوعي أكبر، وأحوّله إلى عنصر سردي أساسي في عملي داخل تونس وفي العالم العربي.
كيف يؤثر كونك امرأة في علاقتك بالجسد المصوَّر؟
أتعامل مع الجسد باعتباره كيانًا حيًا لا موضوعًا بصريًا. أفكر كثيرًا في المسافة، موضع الكاميرا، وكيفية دخول الضوء على البشرة. هذه اختيارات جمالية لكنها أيضًا أخلاقية. أبحث عن صورة تحمي الشخصيات وترافقها بدل أن تهيمن عليها أو تستهلكها.
كيف تصفين عملك مع المخرجين والمخرجات على المستوى المنهجي؟
نبدأ عادة بنقاشات طويلة حول الجوّ، المشاعر، الفضاء، والضوء، ثم ننتقل إلى التجريب، وبعدها نترك مجالًا واسعًا للصدفة وحضور الممثلين. أحب أن تكون لمدير التصوير مساحة اقتراح حقيقية، لأن أجمل اللحظات تولد عندما يصبح التفكير بالصورة فعلًا مشتركًا.
ما أهمية الفرق التقنية في تصورك للسينما؟
الفرق التقنية هي الذاكرة غير المرئية للفيلم. لا توجد صورة دون مساعدي الكاميرا، الكهربائيين، أو الماكينات. في تونس لدينا تقنيون ممتازون، ومن الضروري ذكر أسمائهم وتثمين عملهم، لأن السينما عمل جماعي قبل كل شيء.
ماذا يضيف حضور النساء التقنيات داخل البلاتو؟
يضيف أشكالًا أخرى من التواصل، الانتباه، وحلّ المشكلات. كثيرًا ما جاءت اقتراحات حاسمة من مساعدات كاميرا أو رئيسات كهرباء. هذا التنوع يثري الصورة فعليًا، لا رمزيًا فقط.
لماذا تعتبرين نقل الخبرة مسألة أساسية؟
لأنني تعلمت على البلاتو. وفي بلداننا حيث تبقى مؤسسات التكوين محدودة أحيانًا، يصبح موقع التصوير فضاءً أساسيًا للتعلّم. أحرص دائمًا على فتح المجال أمام الشباب، وخاصة الشابات، للتجريب والخطأ واكتساب الثقة.
كيف ترين السينما العربية المعاصرة من موقعك؟
أراها في لحظة حيوية قوية، مع حضور متزايد للنساء، وجرأة أكبر في الأسئلة وفي الأشكال. اشتغلت مؤخرًا على مشاريع وإنتاجات عربية مشتركة تم تصويرها في عدة دول، مثل فيلم «ملكة القطن» من إخراج المخرجة السودانية سوزانا ميرغني، الذي عُرض عالميًا لأول مرة في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي ضمن أسبوع النقاد ولاقى اهتمامًا واسعًا. كما قمت بتصوير جزء من فيلم «اللي باقي منك» من إخراج المخرجة شيرين دعبس، وهو إنتاج مشترك بين عدة دول منها ألمانيا، قبرص، فلسطين، الأردن، اليونان، قطر والسعودية، وقد عُرض لأول مرة عالميًا في مهرجان صندانس السينمائي الدولي في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يشارك في عروض ومهرجانات عربية ودولية. هذه التجارب تؤكد حيوية المشهد العربي السينمائي وقدرته على التجدد والتعاون الدولي، وأنا فخورة بمساهمتي فيها.
لماذا كان فيلم تحت الشجرة محطة مفصلية في مسارك؟
لأنه شكّل لحظة تلاقي قوية بين الرؤية الجمالية والبعد الإنساني. مع أريج السحيري، كان لدينا مراجع مشتركة، خاصة سينما عبد اللطيف كشيش، حيث الكاميرا قريبة من الجسد والتفاصيل والصمت. هذا الفيلم أكد لي أن السينما فن التفاصيل والحساسية.
ما نصيحتك للشابات الراغبات في أن يصبحن مديرات تصوير؟
أقول لهنّ ألا يدعن القوة الجسدية تشكّل عائقًا، فالإنتاج السينمائي عمل جماعي لا يقوم به شخص واحد بمفرده. الكاميرا، الإضاءة، الماكينات، كل هذه المعدات يمكن التعامل معها بالتخطيط والتنظيم والعمل الجماعي، ولا تحتاج إلى قوة جسدية خارقة. الأهم هو اختيار فرق العمل بعناية: أن تكون مهنية، متعاونة، ومتفاهمة، لأن نجاح الفيلم يعتمد بشكل أساسي على جودة العلاقات داخل البلاتو.
ما الذي يميّز مديرة تصوير تونسية في الفضاء العربي والدولي؟
اللغة والثقافة والانفتاح. فهم السياق يمنح الصورة عمقًا وعدالة. مديرة تصوير عربية تفهم ما يمكن إظهاره وما يجب حمايته، وكيف ولماذا. هذه المعرفة الثقافية تغيّر طبيعة النظرة جذريًا.
كيف تنظرين إلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة؟
هي أدوات يمكن أن تطوّر بعض الجوانب التقنية، لكنني آمل ألا تحلّ محلّ الحس الإنساني. العين، التجربة، والذاكرة لا تُبرمج.
كيف ترين مستقبل إدارة التصوير في تونس؟
أعتقد أن مستقبل إدارة التصوير في تونس سيكون أكثر نسائية وتنوعًا، مع وعي متزايد بمسؤولية الصورة. السينما التونسية اليوم قادرة على التطور بسرعة لأن كل فريق، حتى في المشاريع الصغيرة، يمكنه الاطلاع على ما يفعله زملاؤه في الخارج: كاميرات، معدات، تقنيات تصوير، وحتى أساليب إخراج الضوء والحركة في الأفلام العالمية والمسلسلات. هذه الإمكانية توفر فرصة للنهوض بالصورة البصرية بسرعة أكبر، وتطوير مستوى العمل الفني دون انتظار البنية التحتية التقليدية. أرى أيضًا أن التطور مدفوع بتوسع الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي يمكن أن تساعد في بعض الأعمال التقنية، لكنها لن تحل محل الحس الإنساني والخبرة المكتسبة على البلاتو. كل هذا يعني أن السينما التونسية ستصبح أقوى بصريًا، أجمل وأكثر جرأة، مع حضور متزايد للمديرات والفرق النسائية، وقدرة على الابتكار والاستفادة من التجارب العالمية دون فقدان الهوية الثقافية المحلية.
وماذا عن مشاريعك القادمة؟
مشاريعي القادمة لا تزال قيد النقاش. الأهم بالنسبة لي هو اللقاء الأول مع المخرج أو المخرجة، لأن كل فيلم يبدأ بعلاقة إنسانية. فهم الثقافة واللغة والسياق الاجتماعي ضروري لاتخاذ قرارات بصرية مسؤولة وتحويل التحديات إلى خيارات جمالية. التقنيات الحديثة قد تساعد، لكن الصورة الحقيقية تبقى نتيجة التفاهم والاحترام والعمل الجماعي.
[1] SATPEC / la Société Anonyme Tunisienne de production et d’Exploitation Cinématographique
*تم إصدار هذا المقال ضمن كتاب ” عدسة ومرآة … صورة المرأة في السينما العربية ” تحرير أمنية عادل من إصدارات مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة