في البدء لم تكن زاوية اللاشيء موجودة.
على الأقل لم نلاحظها.
كانت مجرد فراغ صغير في الرأس، مثل مساحة بيضاء في دفتر جديد، لا نكتب فيها لأننا نظن أننا سنحتاجها لاحقا لشيء مهم.
لكن الأشياء غير المهمة عنيدة، تأتي أولا.
وتطلب مكانا.
لم ننتبه إلى اللحظة التي ظهرت فيها زاوية اللاشيء.
لم نفتتحها رسميًا، ولم تحمل لافتة، كل ما في الأمر أنها بدأت تتكوّن، بهدوء إداري، مثل ملفّ يُفتح لأن الملفات الأخرى امتلأت.
في تلك المرحلة من العمر، كنّا نعتقد أن كل ما يدخل حياتنا يفعل ذلك لسبب، الأشخاص، المواقف، والصدف، والسنوات نفسها.
كنّا نؤمن إيمانا غير قابل للتشكيك بأن الحياة تشتغل بمنطق السرد: بداية، وعقدة، وذروة، ثم معنى أخير يمكن تلخيصه في جملة لمّاحة.
لذلك، حين لم تكن بعض الأشياء تقود إلى أي شيء، نرتبك، فنعيد التفكير ونبحث عن دلالات خفية ونبالغ في القراءة.
زاوية اللاشيء كانت حلّا عمليا لهذه الحيرة.
في البداية، لم تكن سوى مساحة جانبية، نضع فيها ما لا نجد له مكانا واضحا.
شخص لا نستطيع إدراجه ضمن خانة “كان مهما” ولا ضمن خانة “كان خطأ”، أو علاقة استمرّت لأن أحدا لم يتكفّل بإنهائها، أو موقفا مرّ ولم يترك خلفه ندبة ولا فرحا.
ركنا كل ما سبق في زاوية اللاشيء وقلنا لأنفسنا: سنعود لاحقا.
حينها لم نكن نكذب. ولكننا لم نعد نرى ضرورة للعودة.
كبرت الزاوية لأننا كبرنا.
ولأن القدرة على الاحتمال ليست بلا حدود كما كنّا نتصوّر.
مع الوقت، اكتشفنا أن أكثر ما يُرهق الإنسان ليس الألم، بل المعنى الزائد، أن تكون مطالبا بأن تفهم كل شيء، وأن تفسّر كل غياب، وأن تمنح كل تجربة وزنها الأخلاقي والعاطفي الكامل.
فالتعب الحقيقي يبدأ حينما يصبح كل ما حولك متطلبا ويحتم عليك ردّ فعل، وموقفًا، ورأيا نهائيا، وذاكرة حيّة.
زاوية اللاشيء لا تطلب شيئا.
هي المكان الذي نضع فيه ما انتهى مفعوله الشعوري لأنه استهلك، بعيدا عن كونه سيئا.
كما تُستهلَك الكلمات حين نكررها أكثر مما تحتمل، فتصير فارغة، وعادية، بلا روح ولاصدى، هناك، في تلك الزاوية، تقيم الأشياء التي فقدت قدرتها على إثارة أي انفعال صادق.
لسنا قساة حين نفعل ذلك فالقسوة تحتاج طاقة ونحن، في هذه المرحلة، نمضي بمنطق الاقتصاد.
نقتصد في الغضب، لأنه يستنزف ونقتصد في الحنين، لأنه يربك.
ونقتصد في الكراهية، لأنها علاقة طويلة الأمد لا نرغب في إدارتها.
لذلك، حين يتلاشى شخص من مركز الاهتمام إلى هامشه، لا نطارده بأسئلة كبرى.
لا نسأل: كيف حدث هذا؟ متى تغيّر؟ من المخطئ؟ نكتفي بالملاحظة البسيطة: لم يعد يعني لنا شيئا
وهذا الاكتشاف، رغم بساطته، يحرّرنا بقدر ما يوجعنا.
في زاوية اللاشيء لا نجد الخيبات الكبيرة، تلك لها طقوسها الصاخبة، وحدادها الطويل، وحضورها المتكرر في الحكايات، وهي لا تحتفظ بالأشياء الجميلة فتلك لا تحتاج إلى تخزين أصلا، هي تظهر وحدها حين تريد.
ما نجده هنا هو المنطقة الرمادية: الأشياء التي لم تؤذنا بما يكفي لنكرهها، ولم تفرحنا بما يكفي لنحملها معنا.
سنوات كاملة قد تُوضَع هنا.
سنوات لم يحدث فيها شيء خاطئ، لكنها لم تفعل شيئا يستحق الذكر.
حين نسأل عنها اليوم، نقول ببساطة: “مرت.” ولا نضيف شيئا. ولا نشعر بالحاجة إلى الإضافة.
الأسماء في زاوية اللاشيء لا تُمحى.
لكنها تفقد نبرتها.
تصبح متاحة للتذكّر دون أن تُلزِمنا بشيء.
نمرّ بها كما نمرّ بعناوين أخبار قديمة : نعرف أننا قرأناها يوما، لكننا لا نملك أي رأي حيالها الآن.
السخرية أن هذه الزاوية ليست مكانا للنسيان.
النسيان فعل عنيف.
زاوية اللاشيء ألطف من ذلك.
هي أشبه بإعادة تصنيف.
نقل من الواجهة إلى الخلفية.
من الدور الرئيسي إلى ظهور عابر بلا حوار.
في مرحلة مبكرة من حياتنا، كنّا نعتقد أن اللامبالاة عيب، شيء يدل على البرود أو الخيانة أو نقص العمق.
لاحقا، اكتشفنا أنها مهارة مكتسبة، نتيجة تدريب طويل على خيبات صغيرة، وعلى وعود واهية وعلى حكايات لم تببغ خاتمة تستحق اللهفة.
زاوية اللاشيء ليست انسحابا من الحياة، بل تفاوضا جديدا معها.
نقول عبره : لا أستطيع حمل كل شيء.
ولا أريد أن أفهم كل شيء.
ولا أرغب في أن أعلق على كل الأحداث
وهكذا، يخف الثقل، حينما نتوقّف عن السؤال،
ونختصر الشرح، ونترك الرسائل دون ردّ، ونغلق ملفات دون إعلان رسمي.
ونحن في كل هذا لا نشعر بالذنب، فالذنب يفترض علاقة قائمة، والتزاما
وهنا، لا التزام، فقط نهاية طبيعية لصلاحية الاهتمام.
أحيانا، نفتح زاوية اللاشيء بدافع العادة لا الفضول وننظر لكننا لا نُصاب بالحنين، ولا بالرغبة في استرجاع ما مضى فنغلقها بهدوء احتراما لقدرتنا المحدودة على الشعور.
في النهاية، تهمس الزاوية بسخرية هادئة لا تُزعج أحدا:
ليس كل ما مرّ مهمّا بما يكفي ليبقى.
*ملاحظة : تم توليد الصورة بالذكاء الاصطناعي