ماذا نطلب من هيفاء وهبي حين تصعد إلى المسرح؟سؤال يفتح بابا واسعا على ظاهرة عمرها سنوات، ويفرض نفسه بعد حفلتها على ركح قرطاج في عروض الأوف.
فالحقيقة التي يصعب تجاوزها أن هيفاء لا تمتلك صوتا استثنائيا، وليست من صاحبات الحناجر التي تجعل الأغنية مناسبة لاستعراض القوة والمساحات والطبقات، ولا تقوم تجربتها على الطرب أو البراعة التقنية أو القدرة على إبهار المستمع بما تستطيع الحنجرة فعله.
لكن، في المقابل، ثمة حقيقة أخرى أكثر إثارة هي أنها تملك جمهورا.وجمهورها لا يأتي إلى حفلتها ليختبر صوتها، ولا ينتظر منها أن تثبت أنها صاحبة أقوى حنجرة في الساحة، هو يأتي من أجل هيفاء نفسها، حضورها، حركتها، إطلالتها، أغنياتها، وطريقتها في تحويل المسرح إلى مساحة للفرجة.
وفي هذا السياق، يمكن استعارة عنوان أغنيتها “شو المطلوب؟” لطرح سؤال يلخص علاقتها بجمهورها على المسرح.
ماذا يريد هذا الجمهور من هيفاء؟ الإجابة لا تبدو معقدة، هو يريد الأغنية ومعها المشهد، يريد الحضور، والحركة، والإضاءة، والكوريغرافيا والإخراج الركحي.
واختزال هيفاء في سؤال الصوت وحده سيكون ظلما لتجربتها، وربما سوء فهم للظاهرة التي صنعتها، لأن هيفاء بنت جمهورها في مكان آخر،
في الصورة، في الحضور، في الجسد الذي يتحرك على الخشبة، في قدرتها على صناعة شخصية تتغنج على الركح، وفي فهمها المبكر لحقيقة أن الجمهور جماهير، وأن بعضها لا يبحث عن امتحان صوتي فقط.
وفي عروض هيفاء، باتت الكوريغرافيا جزءًا من هويتها الركحية، حيث يتحول المسرح إلى صورة متحركة، وتتضافر الإضاءة والملابس والرقص والإيقاع لصناعة عرض يعرف كيف يستحوذ على العين بعيدا عن غياب عنصر الصوت.
ورغم محدودية صوتها، يعرف الجمهور أغنياتها، يحفظ كلماتها، يسبقها أحيانًا إلى الجمل والمقاطع، ويلتقط إشاراتها وحركاتها، ويرد عليها بالهتاف والتصفيق والغناء الجماعي.
وفي لحظات كثيرة يصبح الجمهور نفسه جزءًا من المشهدية، آلاف الأصوات تردد الأغنية، وآلاف الأجساد تتحرك معها.
وتكمن خصوصية العلاقة بين هيفاء وجمهورها، في أنها لا تغلق العرض على نفسه وتترك فيه مساحة للجمهور كي يدخل ويشارك ويغيّر إيقاع اللحظة.
هيفاء تعرف جمهورها، وجمهورها يعرف ما ينتظره منها، نشأت بينهما، على امتداد سنوات، ذاكرة مشتركة تضم أغنيات، وحركات، وإطلالات، وعبارات، وتفاصيل صغيرة تكفي لتؤجج الحماسة في المدرجات.
وربما هنا تكمن المفارقة الأهم في تجربة هيفاء وهبي فهي فنانة لا تملك صوتا استثنائيا، لكنها تملك جمهورا استثنائيا في وفائه وقدرته على تحويل حضورها إلى حدث.
ولم تحاول هيفاء وهبي أن تكون مطربة ولم تدخل أصلا إلى المسرح من الباب نفسه الذي أطلت منه مطربات خزنت الذاكرة الموسيقية أصواتهن، هي اختارت لنفسها منطقة أخرى، وراكمت فيها حضورا وجمهورا.
حين تصعد هيفاء إلى المسرح، لا تلتقي جمهورا يأتي بالضرورة ليسمع صوتا جميلا، هو يأتي ليرى هيفاء، وهذا فرق كبير.
فهيفاء ليست نجمة الصوت، بقدر ما هي “نجمة” الحضور والفرجة والصورة.
وفي الأثناء يقفز سؤال “ماذا يطلب الجمهور من فنانة يعرف حدود صوتها، لكنه لا يبدو مستعدا للتخلي عن حضورها؟”
الجواب ببساطة “لا يريد منها أن تكون شيئا آخر.. يريد هيفاء كما عرفها، وكما أحبها، وكما صنعت لنفسها مكانا خاصا في ذاكرته.”
*صورة لرفيق بودربالة