في افتتاح الدورة الخمسين لمهرجان دقة اختارت الفنانة التونسية شيماء الهلالي أن تراهن على القرب من الجمهور، مقدمة عرضًا جمع بين الأغنية الطربية والأغنية التونسية، في أمسية غلبت عليها العفوية.
وتنقلت شيماء الهلالي بين أعمال من رصيدها الخاص، على غرار “إمتى نسيتك” و”مين بيعشق بدقيقة” إلى جانب مجموعة من الأغاني الطربية والتراثية التي أعادت الجمهور إلى ذاكرة الأغنية العربية والتونسية.
ورغم محدودية رصيدها الغنائي، حاولت أن تبني عرضا متنوعا، انتقلت فيه بين اللهجات والإيقاعات والمناخات الموسيقية المختلفة.
هذا التنوع، حال دون شعور الجمهور بالرتابة، وجعل السهرة محافظة على إيقاعها حتى لحظاتها الأخيرة، بقيادة المايسترو قطيبة الرحالي.
والعفوية كانت العنوان الأبرز لحضورها على الركح، فقد خاطبت بها الجمهور، وتوقفت لتهنئة الناجحين في امتحان البكالوريا، داعية إياهم إلى رفع أيديهم وسط الحضور، فتحولت تلك اللحظة إلى احتفاء جماعي.
كما لم تتردد في إطلاق الزغاريد، لتضفي على السهرة روحًا تونسية احتفالية، زادها دفئًا حضور أفراد من عائلتها بين الجمهور.
وحينما هز العازف محمد حاتم هميلة “الشقاشق” شاركته الرقص على الركح، وسرت الكيمياء في المدارج.
وكان من المنتظر أن تسبق سهرة الافتتاح محطة توثيقية تحمل قيمة رمزية خاصة، من خلال عرض فيلم قصير أُنجز بمناسبة الاحتفال بخمسين سنة على تأسيس مهرجان دقة الدولي، غير أن إشكالًا تقنيًا حال دون تقديمه للجمهور في موعده.
ولا يقتصر هذا العمل على استعادة محطات المهرجان، بل يقدّم قراءة في تاريخ فضاء ثقافي ارتبط، على امتداد عقود، بالمسرح الروماني بدقة، أحد أبرز المواقع الأثرية المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. فمن خلال وثائق أرشيفية وصور نادرة وشهادات لفنانين وباحثين وعدد من أبناء الجهة، يعيد الفيلم تركيب مسار مهرجان استطاع أن يحافظ على حضوره بين أبرز التظاهرات الثقافية في تونس وفي الضفة الجنوبية للمتوسط.
ويتتبع الشريط البدايات الأولى لاستغلال المسرح الأثري في العروض الفنية خلال النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن يتوقف عند سنة 1976، تاريخ ميلاد مهرجان دقة الدولي، مستعرضًا الظروف التي رافقت تأسيسه، والتحولات التي شهدها لاحقًا حتى أصبح موعدًا سنويًا يستقطب أسماء تونسية وعربية وعالمية، ويجعل من الموقع الأثري فضاءً للحوار بين الفنون والثقافات.
كما يسلط الضوء على أبرز المحطات التي صنعت ذاكرة المهرجان، وعلى العروض التي تركت أثرًا في وجدان جمهور دقة وتبرسق، مبرزًا كيف استطاعت هذه التظاهرة أن تجدد نفسها عبر الانفتاح على تجارب موسيقية ومسرحية متنوعة، مع الحفاظ على خصوصية المكان الذي يحتضنها.
ويحمل الفيلم بعدًا توثيقيًا يتجاوز مجرد سرد الوقائع، إذ يهدف إلى حفظ الذاكرة الثقافية للمهرجان وتثمين إرث كل من أسهم في بنائه على امتداد خمسة عقود، حتى تظل هذه التجربة حاضرة في ذاكرة الأجيال القادمة.
ويحمل العمل توقيع المخرج فوزي الشلبي، صاحب تجربة طويلة في مجالي السينما والسمعي البصري، بينما كتبت نصه أحلام غيازة، التي اختارت مقاربة تجمع بين الدقة التاريخية والنَفَس السردي، ليأتي الفيلم في صيغة تستحضر الإنسان والمكان والتاريخ في آن واحد.