في مشروعه الموسيقي “طرّوڨ”، لا يتعامل طارق زروق مع الموسيقى الإلكترونية كتقنية لإنتاج الأصوات فحسب، هو يجعل منها وسيلة لاستكشاف الذاكرة وإعادة بناء علاقته بالمكان والانتماء.
فمن ألمانيا، حيث نشأ، إلى جنوب تونس، حيث تمتد جذوره العائلية، تتشكل تجربة فنية تبحث عن لغة خاصة تتجاوز الصور الفولكلورية الجاهزة، وتعيد صياغة الموروث ضمن مقترحات صوتية معاصرة وتجريبية.
في ألبومه الأخير “شط”، يستعيد زروڨ شطّ الجريد، بما يحمله من أثر حسي وذاكرة شخصية، محوّلا انطباعاته عن المكان إلى أصوات وإيقاعات ومساحات إلكترونية تتداخل فيها التسجيلات الميدانية مع الأداء الحي. وفي هذا المشروع، لا تقتصر العودة إلى الجذور على استعادة ما مضى، وتصبح مناسبة لإعادة اكتشاف جزء من الذات ظلّ بعيدا، وللتساؤل عن الكيفية التي يمكن بها للموسيقى أن تحفظ أثر الأماكن، حتى بعد مغادرتها.
في هذا الحوار، يتحدث طارق زروڨ عن الرحلة التي قادته إلى جنوب تونس بعد سنوات طويلة من الغياب، وعن تحوّل شطّ الجريد إلى منطلق لتجربة موسيقية تستند إلى الذاكرة والحواس، وتبحث في العلاقة بين الهوية والتجريب.
يستحضر مشروع “شطّ الجريد” هذا المكان، ويحاول ترجمته إلى لغة إلكترونية وتجريبية. ما الذي بقي من المكان بعد مغادرتك له؟ وكيف تحوّل ذلك الأثر إلى موسيقى؟
قبل نحو ثلاث أو أربع سنوات، سافرت مجددا إلى تونس مع عائلتي، بعد غياب طويل. لم أزر تونس منذ نحو أربعة عشر عاما، أي إن فترة طويلة جدا كانت قد مرّت منذ زيارتي الأخيرة.
في تلك الأثناء، كنت قد بدأت العمل على هذا المشروع، وتحديدا مع ألبومي السابق. لكن عندما زرت جنوب تونس، حدث شيء ما في ذهني، وشعرت فجأة بأن هذا المكان يمثّل جزءا مهما جدا مني، وأنني ابتعدت عنه كثيرا وفاتني الكثير بسبب المسافة التي تفصلني عنه.
لم أكن مهتما به كثيرا من قبل، كما أنني لم أكن أتحدث اللهجة التونسية، لذلك بدأت أتعامل مع الموسيقى والكتابة بوصفهما نوعا من العلاج الذاتي، واستكشافا لعلاقتي بهذا الجزء من هويتي. وقد ظهر ذلك أيضا، إلى حد ما، في ألبومي السابق. بعد ذلك، قررت أن أخصص ألبوما كاملا لهذه التجربة.
لطالما كان شطّ الجريد مكانا مدهشا بالنسبة إليّ، حتى عندما كنت طفلا. كانت عائلتي تعيش بالقرب من توزر، في قرية صغيرة (دقاش)وكنا نذهب إلى هناك باستمرار. كنت أشعر وكأنني أمام كوكب آخر، لذلك ظلّ المكان يثير إعجابي، وكان اسمه مثاليا بالنسبة إليّ عنوانا للألبوم.
أما الموسيقى، فجميع المقطوعات تتناول موضوعات مرتبطة بهذه التجربة، وبما عشته بنفسي عندما زرت الجنوب التونسي، من الحرارة إلى مختلف الأحاسيس والانطباعات التي يتركها الوجود في ذلك المكان.
هناك أصوات كثيرة للطبيعة، من البحر والواحات إلى أشكال أخرى متعددة من الطبيعة في تونس؟
لطالما أحببت تسجيل الأصوات كلما ذهبت إلى مكان ما، ولذلك كنت أحمل معي مسجّل صوت صغير. أسجّل كل ما يلفت انتباهي، سواء أكان صوتا من الطبيعة أو أي شيء آخر.
أحب توظيف هذه التسجيلات في موسيقاي لأنها تمنحها، منذ البداية، طابعا عضويا وحيويا. وليست كل الأصوات التي أستخدمها مسجّلة في تونس، بعضها جُمع في أماكن مختلفة من العالم. لكنني أمزجها في النهاية بطريقة تجعلها تعبّر، بالنسبة إليّ، عن تجربتي في تونس، وعن الكيفية التي أسمع بها هذا البلد وأشمّ رائحته وأختبر مختلف أحاسيسه. لذلك أحب دائما الاشتغال على أصوات الطبيعة.
كيف اخترت الكلمات التي نسمعها في بداية العرض؟
كنت في شرفة منزلي في ألمانيا، ونظرت إلى القمر المكتمل. شعرت بشيء من الحزن، لأن الأشكال التي رأيتها على سطحه ذكّرتني، بطريقة ما، بملمس شطّ الجريد وتضاريسه. كنت قد شاهدت صورا فضائية لشطّ الجريد، ولاحظت تشابها بين ما رأيته فيها والأشكال التي ظهرت لي على سطح القمر.
من هنا جاءتني فكرة كتابة قصيدة قصيرة عن تلك اللحظة. ثم ترجمتها بمساعدة والدي إلى اللهجة التونسية، وهو الذي أدّى النص بصوته.
هل الصوت الذي نسمعه هو صوت والدك؟
نعم. في الألبوم، يشكّل هذا النص جزءا من المقطوعة الرئيسية التي تحمل عنوان “شطّ” لكنني أدرجته في العرض الحي ضمن مقطوعة أخرى، ووجدت أن ذلك ينسجم معها بشكل جميل، كما أنه يشكّل مدخلا مناسبا للعرض.
أحب هذه البداية كثيرا، لأن العرض يفتتح بصوت والدي، وهو أمر يحمل بالنسبة إليّ قيمة خاصة جدا.
في مشروع “شطّ”، لا تقدّم جنوب تونس من خلال صورة فولكلورية جاهزة، بل تعيد ابتكاره عبر الأصوات. ما الذي كنت تحاول مقاومته أو تجنّبه عندما حوّلت الذاكرة والتراث إلى موسيقى إلكترونية؟
أعتقد أن الأمر حدث بصورة طبيعية إلى حد كبير، فلم أفكّر فيه بشكل مسبق. أظن أن هذه هي ببساطة الطريقة التي أصنع بها الموسيقى. لست من النوع الذي يحاول تقليد شيء ما أو إعادة إنتاج الصور النمطية الجاهزة.
لطالما اهتممت بالموسيقى التجريبية، كما أنني درست العزف على الدرامز في موسيقى الجاز. ولم أفكّر يوما في تقديم ما نسمعه كثيرا تحت مسمّى الموسيقى الإلكترونية الشرقية، التي تعتمد بوضوح على استخدام الآلات الموسيقية الشرقية.
أعتقد أن ما تسمعونه في هذا المشروع خرج مني بصورة عفوية. لم أضع خطة مسبقة تحدّد ما أريد فعله وما أريد تجنّبه، بل تشكّلت الموسيقى على هذا النحو بشكل طبيعي. إنها ببساطة الطريقة التي أعبّر بها عن نفسي، وهذا هو صوتي الخاص.