إن قضايا الأمن الغذائي هي جزء أساسي من الأمن القومي والسيادة الاقتصادية للشعوب، وأصبح -خاصة مع الرهانات الحالية- إدماج الكفاءات العلمية والهندسية في صياغة الرؤى والسياسات والحلول وضمان استدامتها في القطاع الفلاحي ضرورة وليس خيارا. ولا يغيب على المطلع والمتابع للشأن العام، القيمة الحقيقية للمهندس التونسي كصاحب اختصاص و كعنصر فاعل في بناء القرار الوطني وكفاءته في مستوى الإنتاج والتخزين والجودة والتكنولوجيا والتصرف في الموارد خاصة ان العالم اليوم يعيش تحولات عميقة في سلاسل الإنتاج والتوريد وأسعار المواد الأساسية، ما جعل الدول التي تمتلك ثروات فلاحية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بحسن إدارة مواردها وحمايتها وتثمينها اذ أن الاكتفاء بالتصدير التقليدي الذي لا يعكس القيمة الحقيقية للمنتوج.
والرهانات التي تواجهها تونس اليوم، وتحديدا في مجالات الفلاحة والتحولات المناخية والطاقة والمياه والتثمين الغذائي، تؤكد أن الهندسة أداة استراتيجية في معركة التنمية والسيادة الغذائية. والمهندس، بما يملكه من قدرة على التحليل والتخطيط والابتكار، يمثل أحد أهم الفاعلين القادرين على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو والاستقرار الاقتصادي.
وتحتفل تونس يوم 12 ماي من كل سنة بعيد الجلاء الزراعي، وكما يعرف الجميع هو مناسبة وطنية تخلد استرجاع الأراضي الفلاحية من المعمرين الفرنسيين سنة 1964. فبعد الاستقلال سنة 1956، بقيت مساحات واسعة من الأراضي الخصبة تحت سيطرة الاستعمار، إلى أن صدر قانون الجلاء الزراعي الذي أمم تلك الأراضي وأعادها للدولة التونسية. وقد مثل هذا القرار خطوة تاريخية لترسيخ السيادة الوطنية والتحكم في الثروات الفلاحية والاقتصادية للبلاد. وهي مناسبة نستحضر فيها كل سنة أهمية الفلاحة والأمن الغذائي ودور الكفاءات التونسية في حماية الثروات الوطنية وتطويرها.
وفي هذا الإطار، يكتسب اليوم الوطني الذي تنظمه الهيئة الجهوية لعمادة المهندسين التونسيين بصفاقس يوم الثلاثاء 12 ماي 2026 بمناسبة عيد الجلاء الفلاحي بعنوان ” من الأزمة الى الفرصة : حلول هندسية مبتكرة وارادة تشريعية لإنقاذ قطاع الزيتون ” أهمية خاصة، لأنه يعكس وعيا متقدما بدور العمادة والهياكل المهنية في الانخراط المباشر في القضايا الوطنية الكبرى، ومشاركتها الحقيقية في النهوض بالاقتصاد وعدم الاكتفاء بالأدوار الإدارية أو التمثيلية التقليدية. فالحديث عن الزيتون وزيت الزيتون ليس مجرد حديث عن منتوج فلاحي بل عن ملف استراتيجي يرتبط بالاقتصاد الوطني وبصورة تونس عالميا. وهذا النشاط يعكس أهمية المقاربة التشاركية بين مختلف المتدخلين، من مهندسين وفلاحين وخبراء ومؤسسات وطنية ومهنيين وصناع قرار، لأن قضايا بهذا الحجم لا يمكن أن تعالج بمنطق القطاع الواحد أو الرؤية الأحادية، فالتنمية الحقيقية تقوم على التكامل بين الخبرة العلمية والتجربة الميدانية والاستثمار والبحث العلمي. ومن هنا تأتي أهمية التفاعل مع هذا اليوم الوطني التي تعده العمادة على جميع المستويات، سواء من قبل المهندسين أو الفاعلين الاقتصاديين أو المؤسسات الوطنية أو وسائل الإعلام أو المجتمع المدني، لأن نجاح مثل هذه المبادرات يقاس بالقدرة على خلق نقاش وطني. كما ان دعم مثل هذه الأنشطة يمثل دعما لمبدأ ان تونس تبنى بالعلم وتقوم على رؤية وتخطيط من كفاءات قادرة على تحويل الإمكانيات إلى نتائج ملموسة.
ويؤكد هذا اللقاء مرة أخرى أن عمادة المهندسين التونسيين في رهانها الجديد ليس بعيدة عن قضايا الوطن، بل حاضرة في قلب المعركة التنموية، ايمانا بأن المسؤولية تتطلب العمل المشترك والانفتاح والمبادرة والشجاعة في طرح الحلول.
