في “الخطيفة” لسوسن الجمني، تتجاوز شخصية “خالد” أداء الوظيفة الدرامية، لتظهر ككثافة إنسانية تمشي على حافة أسئلة كبرى تتعلق بالأخوة والعجز والسلطة حينما يغرقها الشك.
“خالد” ليس بطلا تقليديا، لا شريرا مكتمل الملامح، ولا هو خالص الطيبة بل هو منطقة رمادية تتحرّك داخلها التناقضات بهدوء مربك.
ومن هنا تحديدا يتبدّى اشتغال الممثل غانم الزرلي على الدور : من الداخل، من تلك المساحة الخفية التي لا نراها مباشرة، لكننا نستشعرها في نبرة الصوت، وفي ارتباكة النظرة، وفي الصمت الذي يسبق الجملة أو يعقبها.
و”خالد” أحد شخصيات سوسن الجمني التي تضعها غالبا في امتحان أخلاقي قاسٍ، وتتركها تتخبّط داخل اختيارات ليست هينة وتحرمها ترف الوضوح.
هو رجل يتقدّم بخطوات قد تكون محسوبة أو غير محسوبة، لكنه في العمق يعيش تصدّعا ساكنا، لا يصرخ كثيرا، ولا يندفع بانفعال فجّ، بل يراكم توتّره كما تُراكم الغيوم شحنتها قبل العاصفة ويجعل من المسكوت عنه محور أدائه.
في المشاهد التي يواجه فيها تداعيات اقتلاع “طائر” من عشه وما خلّفه من ارتباك في العلاقات والمواقف، لا يلجأ إلى تضخيم ردّة الفعل بل يترك للجسد أن يتكلّم بلغة سلسة من انقباض الكتفين، إلى تثاقل النبرة، فنظرة قصيرة تنسحب سريعًا.
“خالد” يحاول أن يبدو متماسكا أمام الآخرين، بينما يتسرّب قلقه من بين التفاصيل الصغيرة، وهذا الاقتصاد في التعبير لا يُضعف الشخصية، بل يمنحها عمقًا لأنه يستدرج المشاهد إلى القراءة، إلى تأويل الصمت، بعيدا عن استهلاك الانفعالات الجاهزة.
“خالد”، كما يتشكّل عبر الحلقات، هو رجل تصطدم صورته عن نفسه بالواقع وثمة لحظات انكشاف دقيقة، يضعه فيها السيناريو أمام هشاشته.
في تلك اللحظات تحديدًا، يتخلّى الزرلي عن أي محاولة لتجميل الشخصية، يسمح لها بأن ترتبك، وتتلعثم، وتتردّد، لا يسعى إلى تبرئتها بالكامل ولا إلى إدانتها، بل يتركها عالقة في منطقة السؤال.
واشتغال الزرلي على “خالد” يبدو قائما على فهم عميق لبنية العمل ككل فمسلسل “الخطيفة” ليس مسلسل حدث واحد بقدر ما هو شبكة علاقات ترزح تحت ضغط الأزمة. لذلك لا يمكن قراءة خالد بمعزل عن الآخرين.
حضوره يتغذّى من التفاعل : من نظرة شريكه، ومن صمت خصمه، ومن خوف طفل يمرّ في الخلفية وفي كل مرّة، يضبط الزرلي إيقاعه وفق إيقاع المشهد، فلا يطغى ولا يتوارى، بل يتموضع بدقّة داخل الجماعة الدرامية.
ثمّة مشاهد حوارية طويلة كان يمكن أن تتحوّل إلى مجرّد تبادل معلومات، لولا ذلك الشحن الداخلي الذي يضخه في الجمل فحين يتحدّث خالد، تتجلى في صوته طبقات متعدّدة من صلابة ظاهرة، وشكّ خافت، وندم يمرّ عابرًا كظلّ.
وهذه الطبقات لم تأت صدفة، بل هي نتيجة وعي بأهمية النبرة، بالمسافة بين الكلمة ومعناها، وبين القول والرغبة في القول.
ومن اللافت أيضًا أن الزرلي لا يسقط في فخّ “توحيد” الأداء فشخصية “خالد” في البيت ليست نفسها في الفضاء العام.
حينا يخفّ صوته قليلا، وتتغيّر نظرته، ويلين الإيقاع، وحينا آخر يتصلّب جسده، وتصبح عباراته أقصر وأكثر حدّة، في تلوين أدائي يعكس فهما لتحوّلات الشخصية حسب السياق، ويمنحها مصداقية إضافية.
على مستوى البناء الدرامي، يشكّل خالد ركيزة في تعميق سؤال المسؤولية : من يتحمّل وزر ما حدث؟ إلى أي مدى يمكن للفرد أن يسيطر على تداعيات فعل واحد؟ وهنا يتحوّل الأداء إلى أداة تفكير.
في عينيه ترتسم أحيانًا دهشة خافتة، كأنّه يواجه للمرة الأولى نتائج قراراته، تلك الدهشة هي مفتاح قراءة الشخصية: إنها لحظة سقوط كل الأقنعة أمام الذات.
تستفيد سوسن الجمني من هذا الحضور المتماسك فتمنح خالد مساحات صمت محسوبة.
الكاميرا تقترب من وجهه، ولا يحدث شيء “كبير” في الظاهر، لكن الكثير يتحرّك في الداخل وهنا ينجح الزرلي في أن يجعل من السكون حدثًا.
لا يحتاج إلى فعل صاخب ليشدّ الانتباه؛ يكفي أن يترك ملامحه تعبر ببطء عن ارتباك داخلي، فنشعر بأننا أمام إنسان حقيقي، لا أمام صورة مصقولة.
ما يميّز هذا الدور أيضًا أنه لا يستجدي تعاطف المتفرّج فهو مزيج معقّد من النوايا الحسنة والأخطاء، من الرغبة في الحماية والعجز عن السيطرة.
هذا التعقيد هو ما يمنح الأداء قيمته وتنساب الشخصية في توتّرها، في تناقضها، في إنسانيتها الناقصة.
في النهاية، يمكن القول إن “خالد” لم يكن مجرّد دور إضافي في مسار غانم الزرلي، بل محطة تؤكد قدرته على حمل الشخصيات المركّبة دون افتعال.
أداؤه في “الخطيفة” يذكّر بأن الدراما ليست سباقًا نحو أعلى طبقة صوت، بل بحثًا دؤوبًا عن الصدق.
و”خالد”، كما تجلّى على الشاشة، كان تمرينًا على هذا الصدق، صدق رجل يواجه نفسه في مرآة أزمة، وصدق ممثل يعرف أن أعظم الانفعالات قد تمرّ أحيانا عبر نظرة وسكون.