في زاوية أخرى نائية عن المحطات الفنية والنجاحات، تتبدّى مسيرة فوزي شكيلي كرحلة بحث طويلة عن صوت قادر على أن يجعل الجاز يتحدث بلهجة تونسية من دون أن يفقد روحه الكونية.
فمنذ بداياته، اختار أن ينأى عن التقليد، وأن يبني مشروعا موسيقيا يقوم على قناعة مفادها أنه لا يمكن للموسيقي أن يترك أثرًا في العالم إلا إذا انطلق من هويته.
وخلال مشاركته في مهرجان طبرقة للجاز، حيث قدّم مشروع “تقاسيم ريفايفل” ضمن عروض “ستريت جاز”، عاد شكيلي إلى واحدة من أهم محطات تجربته الفنية، وهي ألبوم “تقاسيم” الذي ألّفه سنة 1994، والذي شكّل آنذاك علامة فارقة في مسار الجاز التونسي.
عن هذا الألبوم، يقول فوزي شكيلي في حديث مع رياليتي أون لاين، إن الألبوم حقق نجاحًا مهمًا، وقاده مع فرقته إلى جولات في عدد من البلدان، مقدّمًا صورة مختلفة عن الموسيقى التونسية.
لكنه يرى أن الأعمال الموسيقية لا ينبغي أن تبقى أسيرة زمن إنتاجها، لذلك جاءت فكرة “تقاسيم ريفايفل” بوصفها استمرارًا طبيعيًا للمشروع.
وهذه الفكرة انطلقت من رغبته في إشراك جيل جديد من الموسيقيين يحمل طاقة مختلفة ويمنح المشروع نفسًا جديدًا، لذلك انضم إلى المشروع كل من سلمى شكيلي (بيانو وغناء)، ومهدي شكيلي(درامز)، وحمزة زرمديني (باص)، إلى جانب الرفاق القدامى هشام بدراني (ناي وغناء) وحبيب صمندي (إيقاعات).
ويرى شكيلي في حضور الشباب إضافة حقيقية غيّرت روح العمل، سواء من خلال الأداء أو التوزيعات أو لارتجال أو حتى إدخال الصوت البشري، وهو عنصر لم يكن حاضرًا في النسخة الأصلية.
ويشير إلى أن الألحان بقيت وفية لجوهرها، لكنها تطورت مع الزمن، فالموسيقى، في نظره، كائن حي لا يتوقف عن النمو.
أما التوزيعات والهارمونيات والارتجالات، فقد خضعت لإعادة تفكير، بما يسمح للعمل بأن يعيش في الحاضر من دون أن يتخلى عن ذاكرته.
وحينما يعود شكيلي إلى البدايات، لا يبدأ الحديث من المسارح ولا من المعاهد الموسيقية، بل من مدينة قليبية، التي يعتبرها منبع إلهامه الأول.
هناك، كما يروي، وُلد شغفه بالموسيقى بين ألعاب الطفولة، حين كان يصنع مع أصدقائه إيقاعاتهم الخاصة باستعمال شباك الصيد والعلب المعدنية، في محاولة عفوية لاكتشاف الأصوات.
ويستعيد أيضًا صورة البحر الذي كان يطل عليه طفلًا، حيث كانت أوروبا تبدو قريبة من الضفة المقابلة، أقرب إلى حلم يمكن بلوغه بالموسيقى.
ذلك الأفق المفتوح، كما يقول، غذّى خياله مبكرًا، وجعل فكرة الاكتشاف ترافقه منذ سنواته الأولى.
وفي أواخر الخمسينيات، أنّى كان طفلًا، كان يعزف ألحان أم كلثوم والموسيقى الشرقية، وهو ما لفت انتباه أصدقاء والده، الذي كان متفقدًا للتعليم، فنصحوه بأن يشتري لابنه آلة موسيقية.
وعندما سأله والده إن كان يريد آلة العود، جاء جوابه حاسمًا “أرجوك… أريد غيتارًا”. ومن تلك اللحظة، كما يقول، بدأت الرحلة الحقيقية.
ومنذ ذلك الاختيار المبكر، ظل الغيتار رفيق مشروعه الفني، لكنه لم يكن بالنسبة إليه مجرد آلة، بل وسيلة للبحث عن لغة موسيقية خاصة.
ولأنه أصر على أن يحمل معه العنصر التونسي أينما ذهب، سواء في الألحان أو في الارتجال أو في الهارمونيات تشرفت أمامه أبواب العالم وانجذب له الجمهور لأنه يعزفه بخصوصية تونسية واضحة.
وبالنسبة له، العلاقة بين الجاز والموسيقى التونسية ليست مجرد تجربة في المزج، بل لقاء طبيعي بين عالمين يملكان قدرة كبيرة على الارتجال والتجدد.
وهو يرى أن هذا اللقاء يحمل إمكانات واسعة لم تنكشف بعد لذلك يواصل، منذ عقود البحث في المساحة التي يلتقي فيها التراث بالحداثة، والذاكرة بالابتكار، مؤمنًا بأن الموسيقى التي تنطلق من جذورها هي وحدها القادرة على السفر بعيدًا.