على أعتاب المسرح الأثري بقرطاج، ضمت الشمس جفونها ووشحت الأثر بخصلاتها البرتقالية فتوهجت زهرة الغروب واحمرت وجنة الكون مؤذنة بميلاد لحظة تنتفي حدود الزمان والمكان.
حينما أسدل الليل ستاره المخملي على المكان، تجلت ملامح رحلة في الذاكرة الإنسانية، رحلة قطعت آلاف الكيلومترات من الصين إلى تونس، وحملت معها فناً قديماً، لكنه بدا في تلك الليلة حياً، نابضا وقادرا على أن يجد لنفسه مكانا في قلب جمهور لا يتحدث لغته ولا ينتمي إلى بيئته الثقافية.
على خشبة قرطاج، حضرت أوبرا بكين بكل ما تختزنه من رموز وحركات وإيقاعات وألوان، أكثر من عشرين فناناً من الفرقة الوطنية الصينية لأوبرا بكين قدموا “فوضى في المملكة السماوية”، أحد الأعمال الكلاسيكية لهذا الفن، ضمن عرض “رقصات فلكلورية من العالم” في ستينية مهرجان قرطاج الدولي.
على الركح تجاوز الحدث تقديم لمشهد من التراث الصيني أمام جمهور تونسي، وبدا كأن ثقافتين بعيدتين جغرافيا تكتشفان فجأة أن بينهما لغة ثالثة لا تحتاج إلى ترجمة هي لغة الجسد والموسيقى والمشهد والدهشة.
كان “الملك القرد” أول مفاتيح هذه الرحلة، أطل بردائه الذهبي، محاطاً بـ”أطفاله القردة”، وانطلق بخفة تجمع بين الرشاقة والانضباط، بينما كانت الطبول ترسم إيقاعا يقود الحركة ويمنحها نبضها.
وفي ذروة الإيقاعات، تحول المسرح إلى عالم أسطوري تتجاور فيه الحكاية مع القتال، والرقص مع التمثيل، والصمت مع انفجار الصوت، فيما كان الجمهور التونسي يستكشف العرض.
وكان التصفيق استجابة لجمال الصورة، وتعبيرا عن دهشة التعرف إلى شكل مسرحي لا يشبه ما اعتاده المتلقي التونسي، فهنا لا تزين الحركة الحكاية، ولا ترافقها الموسيقى لترافقها، وتتداخل العناصر كلها في لغة مسرحية شديدة الدقة، تجعل من الجسد أداة سرد، ومن الإيقاع جزءاً من بناء الشخصية، ومن السكون نفسه لحظة درامية.
ولعل أكثر ما منح العرض خصوصيته تلك المسافة الغريبة بين الحركة والسكون، لحظة تمتلئ فيها الخشبة بالقتال والحركة، ثم ينقطع كل شيء تقريبا، فيتجمد الجسد وكأن الزمن نفسه توقف.
كان هذا التناقض أحد مصادر سحر العرض، وهو ما التقطه الجمهور أيضا، حين وجد في أوبرا بكين فنا يمكن أن يكون عفوياً في مظهره، صارما في بنائه، ومليئا بالتفاصيل التي لا تُدرك كلها من النظرة الأولى.
لكن الأجمل في هذه الرحلة الثقافية لم يكن فقط ما جاءت به الصين إلى قرطاج، بل ما حدث حين صارت تونس نفسها بعضا من العرض.
خمسة أطفال وشبان تونسيين من ممارسي الفنون القتالية الصينية كانوا جزءا من “الأطفال القردة”. ومن بينهم زينب مناعي، ذات السابعة عشرة، التي بدأت التدريب على الفنون القتالية الصينية منذ الرابعة من عمرها، وسافرت إلى الصين للمشاركة في مسابقات، قبل أن تجد نفسها هذه المرة على خشبة قرطاج إلى جانب فنانين ينتمون إلى تقليد مسرحي عمره قرون.
هنا تحديداً أخذ التبادل الثقافي معنى أكثر عمقا، لم تعد تونس تتجسد في جمهور يجلس في المدرجات ، ولم تعد الصين تتجلى في فرقة تعبر المتوسط لتقدم عرضا تقليديا، صار هناك جسد تونسي يتعلم الحركة الصينية، وفنانون صينيون يتقاسمون الركح مع شبان تونسيين، وثقافة تتكشف من خلال التجربة المباشرة.
إنها تلك
وفي لحظة تلاشت فيها الحدود التي رسمتها الخرائط، وجدت زينب التي بدأت حكايتها مع الووشو من حركة أعجبتها وهي طفلة، نفسها بعد سنوات تؤدي شخصية مستوحاة من عالم أوبرا بكين.
وبين الطفولة والركح مسافة تختصرها سنوات من التدريب، وتختصر جسرا غير مرئي بين تونس والصين. فما كان يبدو فنا بعيدا، أصبح جزءا من تجربة شخصية تونسية، ثم جزءا من ذاكرة جمهور تونسي تابعها على خشبة قرطاج، وتقاسم التفاعل مع جمهور صيني لم ينفك يبدي حماسته طيلة العرض.
وحضور أوبرا بكين في قرطاج يتخطى كونها ضيف شرف من الشرق الأقصى إذ وجدت طريقها إلى تونس قبل أن تصل الفرقة، عبر ممارسي الفنون القتالية، وعبر الفضول تجاه الثقافة الصينية، وعبر جمهور حمل هواتفه ليوثق لحظات لم يألفها، وعبر مهرجان اختار أن يفتح ركحه على ثقافات العالم.
وقد منحت إدارة المهرجان العرض مساحة زمنية أوسع من بقية العروض الدولية المشاركة في “رقصات فلكلورية من العالم” وخصصت له نحو ثلاثين دقيقة، حتى يتمكن الجمهور من متابعة الحكاية والتعرف إلى بنية مختلفة من المسرح الصيني.
كان القرار مهما، لأن بعض الفنون لا يمكن اختزالها في صورة خاطفة لأنها تحتاج إلى وقت كي تفتح أبوابها، وإلى عين تتأمل تفاصيلها قبل أن تحكم عليها.
في قرطاج، بدا هذا الوقت كافياً لخلق علاقة أولى بين المتلقي التونسي والفن الصيني، علاقة لم تقم على الفهم الكامل لكل الرموز، بل على شيء أسبق من الفهم وهو الانفعال.
فاللغة قد تفصل بين الجمهور والفنان، لكن الجسد لا يحتاج دائماً إلى قاموس، والطبول لا تسأل عن جنسية من يسمعها، والدهشة لا تحتاج إلى ترجمان.
ومن خلف الكواليس، كان تيان لي، نائب رئيس الفرقة الوطنية الصينية لأوبرا بكين، يقرأ بدوره هذه اللحظة التي تتجاوز محطة في جولة فنية، فقد رأى حماس الأطفال التونسيين وهم يضعون مكياج أوبرا بكين ويجربون حركاتها، ورأى تصفيق الجمهور، واكتشف أن الفن الذي جاء من ثقافة بعيدة استطاع أن يترك أثراً سريعاً في مكان آخر.
والقيمة الحقيقية لمثل هذه اللقاءات تكمن في هذه التفاصيل، فالتبادل الثقافي لا يحدث فقط عندما يتحدث الفنانون عن بلدانهم، بل عندما يسمحون للآخر بأن يدخل قليلا إلى عالمهم، وأن يلمسه، ويجربه، ثم يعيد اكتشافه بطريقته الخاصة.
من الصين إلى قرطاج، كانت مسافة كيلومترات وتاريخ ولغة وذاكرة وتقاليد فنية مختلفة، ومع ذلك، تحقق عبورها عبر خشبة، وبعض الطبول، وأجساد تعرف كيف تحكي، وجمهور مستعد للإصغاء.
وحين انطفأت أضواء المسرح، لم ينته اللقاء تماماً، فقد اختزنت المدرجات صورة الملك القرد، وبقيت في ذاكرة الأطفال التونسيين أثر تجربة استثنائية، وبقي في عيون الجمهور شيء من ذلك العالم الذي جاء من بعيد ثم بدا، للحظات، قريبا جدا.
وحين يعبر الفن الحدود تتحقق إحدى وظائفه في ألا يجعل العالم متشابها، بل أن يجعل اختلافاته مساحة للالتقاء، أن يتيح للصيني أن يرى تونس من فوق خشبتها، وللتونسي أن يطل على الصين من خلال حركة فنان وقرع طبل.
وفي قرطاج، حيث تتجاور آثار حضارات قديمة عبرت المتوسط وتركت بصماتها في المكان، بدت أوبرا بكين وكأنها تضيف طبقة جديدة إلى هذا المعنى، حضارة أخرى تعبر المسافة، لتروي تاريخها وتشارك التونسيين لحظة من حاضرها.