في دورته الخامسة عشر، يرسخ المهرجان الدولي لفيلم الطفولة والشباب بسوسة (فيفاج) فكرة كونه فضاءً للتفكير في صورة العالم من وجهات نظر الأطفال والشباب.
ومن هذا المنطلق تتحول السينما إلى تمرين على الإدراك، وعلى إعادة ترتيب العلاقة بين العين والذاكرة، وبين الحكاية وما تخفيه من طبقات.
وبالتمعن في تفاصيل الندوة الصحفية التي احتضنها فضاء “الريو” بالعاصمة، للإعلان عن تفاصيل البرمجة، يتضح أن هذه الدورة، الممتدة من 6 إلى 11 أفريل 2026، لا تكتفي بالاحتفاء بتاريخ “الفيفاج”، بل تسعى إلى إعادة تعريف موقعه داخل خارطة المهرجانات، عبر رهان جمالي وفكري يتجاوز البرمجة.
وتأتي المعلقة الرسمية للمهرجان التي تتبدّى فيها فسيفساء الشاعر اللاتيني فيرجيل، المكتشفة في سوسة سنة 1896 والمحفوظة اليوم بالمتحف الوطني بباردو، لترسخ هذا الرهان.
فالمعلقة لا تستعير صورة من الذاكرة الأثرية فحسب إنما توازي بين زمنين هما زمن الصورة الأولى، حيث كان الفن حكاية محفورة في الحجر، وزمن الصورة المتحركة، حيث تصبح الحكاية قابلة لإعادة التأويل بلا نهاية.
في هذه المراوحة بين الثبات والتحول، تتشكل هوية الدورة الجديدة التي تعلي راية سينما تستند إلى جذور عميقة، لكنها لا تخشى الانفتاح على أسئلة الحاضر.
وهذا الوعي الجمالي يتقاطع مع خيار برمجي يراهن على التعدد شكلا ورؤى وسرديات، إذ تضم المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة
ثمانية أفلام قادمة من جغرافيات متباعدة، لكنها تلتقي عند تخوم سؤال الطفولة بوصفها حالة هشّة ومعقدة في آن.
من “ضي” لكريم الشناوي إلى “غرق” لزين دريعي، ومن “إركالا: حلم كلكامش” لمحمد جبارة الدراجي إلى “حيث ترقص طيور الكركي البيضاء” لميخائيل لوكاتشيفسكي، ينسج خارطته السينمائية التي تتخطّى المركزيات التقليدية لتفتح المجال لأصوات تأتي من الهامش لتعيد تعريف المركز.
وفي هذا السياق، يكتسب حضور الفيلم التونسي “نوار عشية” لخديجة المكشر دلالة خاصة إذ يتجاوز التمثيل الوطني ليروي مأساة قديمة متجددة تتقاطع مع وقائع تتجاوز خيال السينما.
واللافت في هذه الدورة هو استحداث مسابقة للأفلام الوثائقية الطويلة، وهو قرار يبدو، في عمقه، اعترافا بأن الواقع نفسه صار يحتاج إلى إعادة سرد، إذ تتنافس سبعة أفلام في هذه المسابقة، من “بلياتشو غزة” لعبد الرحمان صباح من فلسطين إلى “نيوتا: أطفال النور” لفانيسا كابويلا وادريس غابيلمن الكونغو الديمقراطية، مرورًا بـ”مارادونا الصحراء” لأمينة شادي من المغرب و”تقبلني” لإلياس بوخموشة من الجزائر، و”التشويش الكامل للحواس السينمائية” لأحمد حسين من مصر، فيلم “ميلان” لماريون هيراي من فرنسا و”زريعتنا” لأنيس الأسود من تونس.
وبينما تتحول الكاميرا إلى وسيلة مقاومة في الأفلام الوثائقية تحاول أن تلتقط ما يتوارى خلف العناوين الكبرى من التفاصيل الصغيرة التي تصنع هشاشة الطفولة وقسوة العالم، تتجلى مسابقة الأفلام القصيرة، كمختبر حقيقي للغة السينمائية.
ثمانية أفلام تشتغل على المسافة بين التكثيف والاقتراح، القصيرة وهي “الطماطم الملعونة” للتونسية مروى طيبة، و”غميضة” للفلسطيني رامي عباس، و “لا توقظ الطفل النائم” لكيفن أوبير (المغرب/سينغال/ فرنسا)، و”الأستاذة فايزة والدكتور حب” للمخرجة التونسية أنيسة داود، و”طريق البرتقال” للسوري سامي فرح، و”أنيما” للموريتاني بوبكر إبراهيم المامي، و”منع أمني” للفلسطيني ثامر شوامرة و”مشاكل داخلية” للمصري محمد طاهر.
غير أن الرهان الأبرز للمهرجان يظل في مسابقة أفلام الشباب، حيث تتقاطع تجارب الهواة والمستقلين وطلبة السينما عبر اثني عشر فيلمًا تشكل، مجتمعة، ما يشبه مختبرا للأفكار الأولى، التي تحمل في طياتها طاقة الاكتشاف.
ويتنافس 12 فيلما في المسابقة الرسمية لأفلام الشباب من هواة ومستقلين ومدارس السينما وهي “اليوم زرقاء” لأحمد عثمان (مصر)، “مازال” لندى بوحديدة (تونس)، “كبسة” ليوسف بن خليفة (تونس)، “كيف من الماضي” لمحمد بدر (السعودية)، “لو أن السلاحف تطير” لحياة لبن (فلسطين)، “تحقيق” لمروان شفير (المغرب)، “معالج العظام” لفابريس أبوكو (توغو)، “سفيرة” لرنيم ددش (سوريا)، “بوحسني” لفاطمة بن عمار (تونس)، “فعل ماضي ناقص” لجاد نصار (لبنان)، قن لمُجتبى الحجي (السعودية) و”سطل” لعادل الحيمي (اليمن).
هنا، تتجلى أهمية “الفيفاج” كفضاء للتكوين، فالأفلام، مهما كانت مستوياتها، تظل آثارًا لمسارات في طور التشكل، وهذا البعد التكويني يتعزز عبر شبكة الورشات والندوات التي ترافق العروض.
من “حين تحمي الصورة : الفن والابتكار كوسطين لمواجهة العنف ضد اليافعين واليافعات” إلى “الأطفال متحدون ضد خطابات الكراهية”، يتضح أن المهرجان لا يكتفي بعرض الأفلام، بل يسعى إلى بناء وعي بالصورة، بوصفها أداة للحماية.
وفي هذا السياق، تكتسب تجربة “إدراكي” الموجهة لذوي الإعاقة البصرية، بتقنية الوصف السمعي، بعدًا إنسانيًا مضاعفًا، إذ تفتح السينما أمام جمهور غالبًا ما يُستثنى من المشاهدة.
أما لجان التحكيم، بتنوعها الجغرافي والمهني، فهي تعكس بدورها هذا الحرص على تعدد الزوايا في تقييم الأعمال فهي لا تراهن فقط على الأسماء، بل على اختلاف المرجعيات، بما يضمن قراءة أكثر ثراءً للأفلام.
وتترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة المخرجة التونسية سلمى بكار وعضوية كل من المخرج المصري خالد الحجر، الموزع السينمائي الفرنسي فيليب إلوس، الممثلة الايفوارية ناكي سي سافاني والمخرج المغربي عبد الإله الجوهري.
وتتكون لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية الطويلة من الناقدة والأكاديمية التونسية لمياء بالقايد، المخرج العراقي عدي مانع والمنتجة الألمانية ليديا فرينش بينما تتشكل لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لأفلام الشباب من التونسيين المخرج زبير الجلاصي، المخرج أنور لحوار والأكاديمية والناشطة الحقوقية ضحى الجورشي.