في كل دورة من مهرجان “كانّ”، لا تُمنح السعفة الذهبية لفيلم فقط، بل تُمنح أيضاً لفكرة معيّنة عن السينما.أحياناً تكافئ الجائزة الجرأة السياسية، وأحياناً تحتفي بالشكل الجمالي الخالص، وأحياناً تختار فيلماً يبدو كأنه يلخّص المزاج الأخلاقي للعصر.
لهذا يصعب النظر إلى تتويج كريستيان مونجيو عن “فيورد” باعتباره قراراً يخصّ هذا الفيلم وحده. فالسعفة هنا تبدو أيضاً مكافأة لمسار طويل، ولمخرج نجح، منذ أكثر من عقدين، في تكريس نفسه كواحد من أبرز صنّاع القلق الأخلاقي داخل السينما الأوروبية المعاصرة.
ومنذ “4 أشهر و3 أسابيع ويومان”، رسّخ مونجيو مكانته بوصفه أحد أبرز وجوه السينما الرومانية الجديدة، تلك السينما التي بنت مشروعها على البرود المقصود، ومراقبة الشخصيات من مسافة تجعل المشاهد شريكاً في الحكم لا مجرد متلقٍّ للعاطفة.
وفي “فيورد”، يعود المخرج إلى هواجسه المعتادة : العائلة، والسلطة، والدين، والشعور بالذنب، والأنظمة التي تتسلّل إلى أدقّ تفاصيل الحياة الخاصة.
ينطلق الفيلم من واقعة مربكة وشديدة الحساسية : أطفال من عائلة مسيحية متدينة، أب روماني وأم نرويجية، تظهر على أجسادهم كدمات تثير شكوك المدرسة والخدمات الاجتماعية، فتتدخل السلطات لانتزاعهم من المنزل.
منذ اللحظات الأولى، يضعنا الفيلم داخل صراع يصعب تبسيطه فتتواتر أسئلة شائكة من قبيل هل نحن أمام عنف عائلي مغطّى بخطاب ديني محافظ؟ أم أمام دولة حديثة تتجاوز حدودها باسم حماية الأطفال؟ من يملك السلطة على الجسد والتربية والضمير؟ العائلة أم المؤسسة؟
هذه الأسئلة ليست جديدة على السينما الأوروبية، لكنها تكتسب هنا كثافة خاصة بسبب السياق الثقافي الذي يبنيه مونجيو، فالأب القادم من شرق أوروبا يحمل إحساساً دفيناً بالريبة تجاه الدولة، فيما تبدو المؤسسة النرويجية باردة، وقانونية، وواثقة من حقها الأخلاقي.
الصدام لا ينشأ فقط بين أفراد، بل بين رؤيتين للعالم، واحدة تنظر إلى العائلة بوصفها امتداداً للإيمان والتقاليد، وثانية تعتبر الفرد، وإن كان طفلاً، كياناً مستقلاً ينبغي حمايته من أي سلطة مطلقة.
ما يفعله مونجيو بذكاء هو أنّه يرفض منح المشاهد نقطة ارتكاز مريحة، لا يوجد شرير واضح، ولا ضحية مطلقة. الأب ليس وحشاً، لكن حضوره يحمل شيئاً خانقاً والمؤسسة ليست شيطانية، لكنها تمارس سلطتها ببرود يكاد يكون عنيفاً. حتى الأطفال أنفسهم يبقون غامضين، كأنّ الفيلم يتعمد حرماننا من اليقين.
في مرحلة ما من الفيلم ينجح هذا الغموض في خلق توتر حقيقي ويشعر المشاهد بأنه مراقب أخلاقياً، وأن عليه أن يختبر أحكامه الخاصة باستمرار.
ومونجيو بارع في صناعة هذا النوع من القلق الصامت على إيقاع كاميرا تراقب الشخصيات من مسافة محسوبة، واقتصاد واضح في الانفعال، ورغبة في إبقاء كل شيء تحت السيطرة، حتى الألم.
لكن مع تقدّم الفيلم، يبدأ هذا الحياد بالتآكل ويتحول تدريجياً إلى منطقة راحة فمونجيو يرفض الانحياز إلى أي طرف، لا لأنّ القضية عصيّة على الحسم فحسب، بل لأنّ عدم الحسم صار جزءاً من هويته الإخراجية.
هنا يبدأ الفيلم في الدوران داخل منطقه الخاص ويضيف كل مشهد طبقة جديدة من الشك، من دون أن يقود إلى اكتشاف فعلي أو تحوّل حقيقي.
ثمة لحظة يشعر فيها المشاهد بأنّ الفيلم لا يريد الاقتراب أكثر، كأنّه يخشى أن يخسر توازنه إذا سمح لنفسه بموقف واضح، أو حتى بعاطفة أكثر جموحا.
في أفلام مونجيو الأولى، كان الصمت مؤلماً لأنه يكشف عن عنف مكبوت داخل المجتمع، أما هنا، فالصمت يبدو أحياناً مجرد علامة جودة سينمائية، شيئاً متوقعاً داخل سينما تعرف جيداً كيف تبدو “رصينة” و“ذكية”.
حتى الأداءات تقع جزئياً في هذا الفخ، إذ يمنح سيباستيان ستان الشخصية حضوراً متماسكاً، لكنه يبقى محصوراً داخل كتابة لا تسمح له بالانفجار الحقيقي. أداؤه محسوب أكثر مما ينبغي، وكأنّ الفيلم يطلب منه باستمرار أن يكبح أي فائض عاطفي.
أما ريناته رينسف، التي تمتلك قدرة نادرة على جعل التناقضات الداخلية مرئية حتى في الصمت، فتبدو هنا أقلّ حرية. الشخصية التي تؤديها تتحول تدريجياً إلى أداة داخل النقاش الأخلاقي، لا إلى إنسانة من لحم ودم وارتباك وهشاشة.
ومع ذلك، سيكون من الظلم اختزال “فيورد” في هذه الملاحظات فقط، فالفيلم مصنوع بدقة ومونجيو يدير الإيقاع بثقة كاملة، ويعرف كيف يستخدم الفضاءات الباردة والطبيعة الإسكندنافية لصناعة شعور دائم بالعزلة.
البيوت، والمدارس، ومكاتب الخدمات الاجتماعية، كلها تبدو كأماكن نظيفة أكثر مما ينبغي، كأنّ النظام نفسه يخفي عنفاً ناعماً تحت سطحه المصقول وحتى الضوء داخل الفيلم يبدو أحياناً فاقداً للدفء مع سبق الإضمار.
هذا التحكم البصري والصوتي هو ما يجعل الفيلم قابلاً للإعجاب حتى في لحظاته الأكثر برودا.
وربما تكمن المفارقة الأهم في أنّ “فيورد” يتحدث، في جوهره، عن الخوف من السلطة، لكنه مصنوع بدوره بمنطق السيطرة الكاملة، في اتساق مع العنوان الذي يعني المضيق البحري.
لا شيء يخرج عن إيقاعه، ولا لحظة تبدو مرتجلة أو منفلتة من حسابات المخرج الدقيقة. حتى الانفعالات الأكثر هشاشة تُقدَّم داخل بناء محكوم بعناية شديدة، كأنّ مونجيو يخشى الفوضى الإنسانية بقدر ما تخشاها المؤسسات التي ينتقدها فيلمه.
لهذا يشعر المشاهد أحياناً أنّ الشخصيات لا تعيش حياتها بالكامل، بل تؤدي وظائف داخل أطروحة أخلاقية أكبر منها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار قدرة الفيلم على التقاط عنف خفيّ يصعب تسميته. فهو ليس فيلماً عن الضرب أو سوء المعاملة بقدر ما هو فيلم عن ذلك الشكل الحديث من العنف البارد، العنف الذي يُمارَس باسم القانون، وباسم الحماية، وباسم المعرفة بما هو أفضل للآخرين. في مشاهد التحقيق والاجتماعات الرسمية، ينجح مونجيو في تحويل اللغة الإدارية نفسها إلى مصدر تهديد. الكلمات المهذبة، والنبرة الهادئة، والإجراءات “الطبيعية”، كلها تتحول تدريجياً إلى جدار صلب يسحق الأفراد من دون أن يرفع صوته.
هنا يستعيد المخرج شيئاً من قوته القديمة وهي قدرته على جعل البيروقراطية تبدو كابوساً يومياً، لكن الفارق أنّ أفلامه السابقة كانت تمنح هذا الكابوس حرارة إنسانية أكبر.
في “4 أشهر و3 أسابيع ويومان” مثلاً، كان الخوف محسوساً جسدياً، وكانت الشخصيات تبدو وكأنها تُدفع فعلاً نحو حافة الانهيار، أما في “فيورد”، فحتى الاختناق يبدو مضبوط الإيقاع، محسوب الجرعات، لا يسمح لنفسه بالتحول إلى فوضى كاملة.
ربما لهذا يبدو الفيلم أقرب إلى تأمل ذهني في السلطة منه إلى تجربة معيشة فعلاً. إنّه يثير الإعجاب أكثر مما يترك أثرا، ويضع المشاهد داخل حالة تفكير مستمرة، لكنه نادراً ما يسمح له بالاقتراب العاطفي الكامل من شخصياته.
ومع ذلك، تبقى هناك مشاهد يصعب تجاهل قوتها من لحظات الصمت الطويل بين الزوجين، ونظرات الأطفال المرتبكة، والإحساس الدائم بأنّ البيت نفسه لم يعد مكاناً آمناً، كلها عناصر تمنح الفيلم توتراً داخلياً حقيقياً.
كما أنّ الطبيعة الإسكندنافية التي يصورها مونجيو ليست مجرد خلفية جمالية، بل امتداد لحالة البرود العامة التي تغمر الشخصيات، المياه، والضباب، والثلوج، والمساحات المفتوحة والخالية، كلها تبدو كأنها تعكس عزلة الإنسان داخل أنظمة أكبر منه، وأكثر صلابة من قدرته على المقاومة.
ولا أحد ينكر أن فيورد فيلم مصنوع بذكاء وحرفة وانضباط بصري نادر، لكنه يظلّ متردداً في القفز نحو الهاوية التي يقترب منها.