حين تنفلت الأضواء الناعمة من أعمدة ومدارج ثالث “كولوسيوم” في العالم، لتستقر في حضن الموسيقى السيمفونية، يتحول اختتام المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجم إلى حالة فنية وحسية متفردة.
في مدرّج الجمّ، لا تنفصل الموسيقى عن المكان، وينصهر التاريخ مع العرض، ويدخل معه في حوار تتقاطع فيه الأزمنة والذاكرة والصوت، على إيقاع موسيقى عازف الكمان النمساوي يوري ريفيتش ومجموعة “The Sounds”.
هذه الموسيقى التي تأتي في سياق تعاون مع سفارة النمسا بتونس وجدت في الجم امتدادها الطبيعي حيث قرر الطقس أن يضيف فصلا آخر إلى الحكاية، فتأخرت البداية نحو نصف ساعة بسبب التقلبات الجوية.
لكن الانتظار لم يبدد شيئا من استعداد الجمهور، فحين انطلقت الموسيقى، بدا كأن المدرج استعاد نبضه الخاص، وكأن السماء نفسها اختارت أن تمنح العرض فسحة كي يبدأ.
خرج يوري ريفيتش إلى الركح، وفي يده الكمان، ليقود الجمهور إلى عالم موسيقي لا يقف عند حدود القالب الكلاسيكي، وانضم إلى مجموعة “The Sounds”، المؤلفة من موسيقيين من جنسيات مختلفة، ليقدما معا افتتاحية “Prelude” من ألحانه، في بداية كشفت منذ اللحظات الأولى عن خصوصية المشروع.
فيوري ريفيتش عازف منفرد لا يكتفي باستعادة أعمال كبار المؤلفين، إذ يكتب أيضا موسيقاه ويعيد ترتيب المسافة بين المؤلف والعازف والفرقة.
ولم يكن غريبا عن جمهور الجمّ، فهو يعود للمرة الثانية على التوالي، هذا المدرج الروماني، لكنه بدا هذه المرة أكثر ألفة بالمكان وبجمهوره، تحدث إلى الحاضرين خلال السهرة، عبّر عن سعادته بالعودة، وعن خصوصية العزف في موقع تاريخي بهذا الحجم، قبل أن تواصل الآلات رواية الليل.
ثم جاءت “بحيرة البجع” لتشايكوفسكي، فتغيرت ملامح الفضاء، تلك الموسيقى التي تحمل في ذاكرتها توتر الحكاية ورهافة الحركة، وجدت في المدرج فضاء مفتوحا لامتدادها.
وبعدها تنقلت السهرة بين أعمال من ألحان ريفيتش و”كونسرتو تانغو” للكمان بإمضاء ميلاني ماستر، في انتقالات تكشف عن تعدد المشارب الموسيقية التي يقوم عليها العرض.
طوال السهرة لم يكن الكمان آلة منفردة تتقدم الفرقة، بل كان مركزا لحوار مستمر معها، مرة يبرز الصوت الفردي، ومرة ينساب داخل المجموعة، ومرة تتسع المساحة للمؤلف والعازف معا. وهي معادلة سمحت للعرض بأن يتحرك بين الموسيقى المكتوبة والأداء الحي، وبين ذاكرة الكلاسيك ونبض موسيقى أكثر معاصرة.
وفي ختام الرحلة، جاءت قطعة من أوبرا “كارمن”، لتترك في الفضاء أثرا مختلفا، موسيقى تحمل شيئا من الدراما وشيئا من الحميمية، قبل أن تخف الأصوات تدريجيا.
وفيما استقرت آخر النغمات في مدارج الجمّ علا التصفيق وتجاوز التحية لعازف وفرقة، ليشكل اعترافا جماعيا بأن الموسيقى استطاعت، مرة أخرى، أن تجعل المكان أكثر حياة.
بعد العرض، تحدث ريفيتش عن إعجابه الشديد بجمال المدرج الروماني، معتبرا أن تجربته في تونس لحظة فنية لا تنسى، ومشيرا إلى الانسجام الذي لمسه بين الموسيقيين والجمهور، باختلاف أجياله.
وفي حديثه عن علاقته بالموسيقى، عاد إلى بداياته الأولى، حين كان يتدرب منذ سن الخامسة لساعات طويلة، مؤكدا أن العمل لم يتغير كثيرا بعد أن أصبح عازفا ومؤلفا، فهو لا يزال يعمل لساعات طويلة، لكن ذلك، كما يقول، لا يثقل كاهله لأنه يحب ما يقدمه.
ولعل هذه العبارة تختصر جانبا من فلسفة العرض نفسه حيث تتجلى الموسيقى كعمل متواصل تقوده الرغبة في الوصول إلى الآخر. لذلك لم يكن غريبا أن يعبّر ريفيتش عن رغبته في العودة إلى الجمّ في الدورة المقبلة، قبل أن يختصر رسالته في عبارة بسيطة “معا لنشر الموسيقى والحب”.
وفي اختتام المهرجان تحولت الموسيقى إلى لغة أخرى، لغة لا تحتاج إلى ترجمة كي تلتقي فيها جنسيات مختلفة، ولا إلى خطاب طويل كي تقول إن الفن قادر على بناء مساحة مشتركة بين الناس.
وهذا البعد لم يكن طارئا على الدورة التاسعة والثلاثين من المهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية فمنذ افتتاحها، حاول المهرجان أن يضع التعاون والتبادل الثقافي في قلب برمجته.
وكان افتتاح الدورة بعرض أوبرا “ديدون وإينيه” لهنري بورسيل نموذجا واضحا لذلك، من خلال تعاون جمع كفاءات تونسية من بالي أوبرا تونس وجوقة أوبرا تونس وموسيقيين من أوركسترا تونس ونجوم الأوبرا التونسية، إلى جانب فرقة “Les Épopées” بقيادة ستيفان فوجي، وبكوريغرافيا اللبناني عمر راجح.
على امتداد الدورة، تابع جمهور الجمّ عشرة عروض موسيقية، توزعت بين تونس وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا والنمسا. واختلاف البلدان واللغات والمدارس لم يمنع تشكل خيط واحد بينها وهي الموسيقى باعتبارها مساحة للعبور، والتلاقي، وإعادة اكتشاف المشترك.
وهنا تكمن إحدى أهم خصائص مهرجان الجمّ، فهو لا يقدم الموسيقى السيمفونية داخل قاعة مغلقة، وإنما يضعها في مواجهة أثر تاريخي ضخم، ويجعل الجمهور يعيش العرض وسط ذاكرة عمرها قرون.
وعلى هذا الأساس يبدو كل عرض وكأنه محاولة لإعادة كتابة علاقة الإنسان بالمكان عبر صوت حديث يصعد من حجر قديم، وموسيقى ولدت في سياقات وثقافات مختلفة تجد طريقها إلى مدرج روماني في تونس.
ولعل المفارقة الأجمل أن هذا المدرج الذي كان شاهدا في زمنه القديم على صراعات دامية، يجد اليوم وظيفة أخرى، إذ لم تعد الساحة تستقبل صراع الوحوش والأسرى، وإنما تحتضن صراعا من نوع مختلف.
هذا الصراع بتشكل على قارعة مواجهة الفن لتسليع الفكر، والإبداع للاستهلاك، والثقافة لاختزال الإنسان إلى مجرد متلقّ للمنتج السريع.
وفي الجمّ، تبدو الموسيقى السيمفونية، بكل ما تحمله من تاريخ وتفاصيل وانضباط، فعلا من أفعال المقاومة الثقافية، مقاومة النسيان، ومقاومة تسطيح الذائقة، ومقاومة الاعتقاد بأن الفن الرفيع لا يمكن أن يجد طريقه إلى جمهور واسع.
وحين انطفأت أضواء ليلة الاختتام، لم ينطفئ المدرج، بقيت في مدرّجاته بقايا أصوات، وفي فضائه شيء من كمان ريفيتش، وفي ذاكرة الجمهور مقاطع من تشايكوفسكي و”كارمن” وألحان أخرى عبرت الليل قبل أن تستقر في الصمت.
وإن أسدل مهرجان الجمّ ستار دورته التاسعة والثلاثين، فإن المكان سيظل واقفا، والحجر سيظل حافظا لأصداء العابرين، والموسيقى ستعود، كما تعود كل سنة، لتثبت أن بعض الأمكنة لا تكتفي باحتضان الفن، بل تمنحه معنى آخر.
في المسرح الروماني ، تنتصر الموسيقى مرة أخرى على الزمن، ويتحول المدرج من أثر روماني إلى محراب للفن، ومن ذاكرة للحرب إلى فضاء للسلام، ومن حجر صامت إلى آلة ضخمة تعزف عليها الأجيال المتعاقبة لحن الوجود.