في فيلم “يونان” للمخرج أمير فخر الدين، بدأت الهوية الصوتية قبل التصوير، منذ مرحلة الكتابة، ثم تبدلت مع اكتمال الصورة، حتى استقرت في غرفة المونتاج، حيث أصبح الصمت جزءًا من التأليف، وأصبحت أصوات الطبيعة عنصرا موسيقيا لا يقل أهمية عن النوتات.
هذه التجربة كانت محور جلسة “دراسة حالة: تعاون المخرج والمؤلف الموسيقي في فيلم يونان”، ضمن مهرجان عمّان السينمائي الدولي، جمعت المخرج أمير فخر الدين والمؤلفة الموسيقية سعاد بوشناق، في حوار أداره الناقد رامي عبد الرازق كشف كيف تشكل الصوت الداخلي للفيلم عبر شراكة إبداعية امتدت طوال مراحل الإنتاج.
وأوضح أمير فخر الدين أن الموسيقى بالنسبة إليه تبدأ قبل وجود الفيلم نفسه، فخلال كتابة السيناريو، يختار مقطوعة موسيقية يعيش معها طوال فترة الكتابة، لا بهدف استخدامها لاحقا، وإنما لأنها تساعده على بناء المخيال وتشكيل العالم الذي ستتحرك داخله الشخصيات.
فالموسيقى، كما يرى، وسيلة لكتابة الإيقاع النفسي للفيلم قبل كتابة مشاهده.
ولم يتوقف الأمر عند السيناريو، إذ دعا سعاد بوشناق إلى زيارة مواقع التصوير قبل انطلاق العمل، حتى تعيش المكان وتستمع إلى أصواته الطبيعية، لأن البحر والرياح والفراغ والصمت كانت جميعها عناصر أساسية في الهوية الصوتية التي أرادها لـ”يونان”.
لكن المفارقة أن فخر الدين اعترف بأنه أصبح يخشى الموسيقى مع بداية التصوير، لم يرد أن تفسر مشاعر الشخصيات أو تفرض على المتفرج إحساسًا بعينه.
لقد أراد أن تلامس أرواحهم دون أن تغطي عليهم، لذلك اختار أن يمنح الصمت والأصوات الطبيعية مساحة واسعة داخل الفيلم.
هذا الخيار استمر حتى مرحلة المونتاج، حيث امتنع في البداية عن استخدام أي موسيقى، رغم أنه كان يشرف بنفسه على مونتاج الفيلم. وأوضح أنه كان يشاهد المشاهد مرارًا، ثم يجلس على الأرض وينظر إلى السقف، محاولًا أن يسمع الفيلم قبل أن يقرر أين يحتاج فعلًا إلى الموسيقى.
ومن خلال هذه العملية، أعاد اكتشاف إيقاع الفيلم الداخلي، وحدد بدقة اللحظات التي تستدعي حضور الموسيقى كامتداد للصورة بعيدا عن أي محاولة للشرح.
في المقابل، وصفت سعاد بوشناق تجربة “يونان” بأنها مختلفة عن معظم أعمالها السابقة. وأكدت أن التعاون مع أمير بدأ منذ قراءة السيناريو، لكن التصور الأول للموسيقى تغيّر بالكامل بعد التصوير، لأن الفيلم كشف عن مستويات جديدة من الإحساس.
كما أشارت إلى أنها في هذه التجربة استفادت من “رفاهية الوقت”، وهو ما أتاح لها الاشتغال على أدق التفاصيل، معتبرة أن الموسيقى السينمائية فن وظيفي يتطلب مرونة وانفتاحا على رؤية المخرج أكثر من البحث عن الاستقلالية.
وأضافت أن أمير فخر الدين كان يمتلك تصورًا واضحًا لطبيعة العالم الصوتي الذي يريده، إذ كان يفضل الأصوات الطبيعية ويرفض الطابع الإلكتروني، لأن الفيلم ينتمي إلى عالم روحاني هادئ يقوم على الهشاشة والإنصات أكثر مما يقوم على التأثير المباشر.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، ركز الطرفان على النسيج الصوتي وخامات الأصوات، أكثر من التركيز على الألحان التقليدية أو التوزيعات الضخمة.
وكانت الغاية الوصول إلى موسيقى بسيطة، وشفافة، وتتناغم مع الشخصيات وتنسحب عندما يصبح الصمت أكثر قدرة على التعبير.
واعتبرت بوشناق أن هذه الرحلة المشتركة أوصلتهما إلى ما وصفته بـ”إكسير الموسيقى”، أي ذلك التوازن الذي يجعل الموسيقى جزءًا من روح الفيلم.
وتكشف تجربة “يونان” أن الهوية الصوتية لا تُبنى بالموسيقى وحدها، بل من العلاقة الدقيقة بين الصمت، وأصوات المكان، وإيقاع الصورة، ورؤية المخرج، وحساسية المؤلف الموسيقي، في عملية خلق مشتركة، يصبح فيها الصوت شكلًا آخر من أشكال السرد.