في زمنٍ شحّت فيه الكلمات، وانطفأ بريق الحروف أمام طغيان الصورة وعالمها الباهت، ثَمّة فرسانٌ ما زالوا يرابطون على ثغور المعنى. يقبضون على جمر القوافي، ويذودون عن أحقيّة الكلمة في أسر القلوب وسحر العقول.
ومن بين هؤلاء السهارى على حراسة الحلم، تبرز الشاعرة دلالة جاب الله، التي فرضت اسمها كأيقونة ثقافية تشعّ إبداعاً. وفي الدورة الحادية عشرة لمعرض سوسة الدولي للكتاب، وقّعت بمداد الروح مجموعتها الشعرية الثانية، حاملةً عنواناً مخاتلاً، يقطر كبرياءً وتحدياً: “لستُ شاعرة”.
للوهلة الأولى، يبدو العنوان موارباً، خديعةً أدبية جميلة. فنفي الشاعرية هنا ليس سوى إثباتٍ لفيضانها. في هذا الديوان، تنسج دلالة حوالي خمسين قصيدة مطرّزة بأعذب المعاني، وكأنها تردّ بلياقة النضج وبلاغة الحرف على أولئك الذين استكثروا عليها وهج مجموعتها الأولى “أدراستيا”.
“إلى من يظنون أني لستُ شاعرة…” تهتف دلالة جاب الله، “أنا فقط امرأة تكتبها الحياة حين تعجز عن الكلام… أهدي هذه المجموعة لا لأثبت أني شاعرة، بل لأقول إن الشعور حين يفيض… يصنع الشعر وحده”.
تقف هذه المجموعة على ناصية الأحلام المتمردة، تلامس الوجع الكامن في الوجدان، وتطلق سراح لسانٍ ضاق بالصمت، ليصبح الحرف ترجماناً لآهات الذات والوطن:
“أكتب لأن الصمت صار خيانة
ولأن الحرف آخر ما تبقّى
منّا… فينا… ولنا
فيا من تظنون أني كاتبة
أنا شاهدة
على وجع يسكن الحرف
وعلى وطن يقايض بالسكوت
أنا لست كاتبة كما زعموا
ولا شاعرة تتقن الحروف والقافية
لكنني أمتلك وجعا (…)
بين دفتي “لستُ شاعرة” (الصادرة عن دار “نحن” للنشر والتوزيع)، تتجلى تجربة إنسانية وجمالية باذخة، تفتح نوافذ التأمل والمكاشفة على الذات والعالم. عبر نصوصٍ مصفوفة بأناقة تشبه أناقة أرواح الشعراء، تحاكي الكاتبة واقعها، وتستحضر القيم الكونية من حب وجمال.تتراقص الأبيات في ديوانها كأمواج البحر. تطول حيناً لتبوح، وتقصر حيناً لتختزل المعنى، صانعةً معزوفةً فريدة تمنح القارئ مرآة لينصت من خلالها إلى صوته الداخلي. في قصيدتها المثقلة بالشفافية “أخاف مني”، تقول:
“أخاف مني
حين أتقن فن التجاهل
أكثر مما ينبغي
وأجيد الصمت
كأنني عقدت معه معاهدة سلام
أخاف مني
حين يصبح الليل مجرد فراغ
لا يحمل لقلبي شيئا
سوى مزيدا من الوحدة والظلام (…)”
إنها ليست مجرد قصائد، بل هي صرخة تمرد على النمطية، وثورة عارمة على التقاليد البالية التي تحاول وأد أحلام النساء. تعلنها دلالة مدوية بلسان كبرياء لا ينكسر:
“أنا أنثى لا تقبل الإنحناء
قالوا عنيدة…
قالوا : متمردة، جريئة…
وبعد ؟
أنا أنثى لا تقبل الإنحناء
(…)
كبريائي تاج لا يشترى
وصمتي قرار لا ضعفا كما ترى
أنا أنثى…”
تأخذنا القصائد كـ “حكايا الطفولة”، و”امرأة من نار ورماد”، و“فقد وغياب”، في رحلة عميقة لفك رموز الواقع المعيش. إنها دعوة مفتوحة للسفر في رحاب الكلمة الصادقة، والصورة المنسكبة بنضج وتمكّن، لتثبت دلالة جاب الله، وبجدارة، أنها حتى وهي تقول “لستُ شاعرة”… تقطر شعراً.