طفلة في الخامسة عشرة من عمرها، اسمها يقين، تنتهي في قسم العناية المركزة في حالة صحية حرجة، إثر اعتداء جنسي جماعي مروّع في جهة الملاسين بالعاصمة.
جريمة بهذه الخطورة كان يفترض أن تدفع الأسئلة كلها في اتجاه واحد : من اعتدى؟ كيف حدث الاعتداء؟ كيف أمكن أن يصل إلى طفلة بهذا العمر؟ وهل كانت هناك مؤشرات سابقة كان يمكن أن تمنع وقوع الكارثة؟
لكن في مجتمعنا، سرعانما ظهر سؤال آخر : لماذا خرجت؟
وأحيانا يصبح السؤال أكثر قسوة : لماذا سمحت لها أمها بالخروج إلى المقهى؟وتنضاف إلى الجريمة التي تعرضت لها يقين، مشكلة أخرى تتعلق بالطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الضحية بعد الجريمة.
وما إن تفوهت الأم في شهادة حارقة عن الواقعة بكلمة “مقهى” حتى ضغط المتربصون على زناد مسدساتهم وصوبوها إلى الأم التي باتت موضع مساءلة.
وانطلقت رحلة البحث عن “خطأ” ارتكبته الطفلة قبل أن يبدأ البحث عن حيثيات وأسباب الجريمة التي ارتُكبت بحقها.
ويلتبس الشك باليقين على وقع التساؤل إذا ما كانت طفلة في الخامسة عشرة مطالبة بأن تعرف مسبقا أنها ستتعرض للاعتداء، وإذا ما كان خروج فتاة من منزلها يسقط عنها حقها في الحماية.
تعرضت يقين لاعتداء جنسي جماعي أدى إلى إيوائها في العناية المركزة في حالة صحية حرجة.
هذه الحقيقة يجب ألا تضيع وسط الضجيج. فالحديث عن تفاصيل حياة الضحية يجب ألا يصبح بديلا عن الحديث عن المعتدين.
قد تكون هناك أخطاء في التربية، وقد تكون هناك ثغرات في الرقابة الأسرية، وقد يكون اختيار المكان غير مناسب لعمر الطفل.
يمكن مناقشته كل ما سبق في إطار حماية الأطفال، لكن لا شيء منه يفسر الاعتداء الجنسي أو يبرره.
الطفلة التي تخرج من المنزل لا تمنح أحدا حق الاعتداء عليها، والطفلة التي تجلس في مقهى لا تصبح أقل استحقاقا للحماية.
والأم التي تسمح لابنتها بالخروج قد تخطئ في التقدير، لكنها لا تصبح شريكة في الجريمة.
والفرق جوهري بين سؤال كيف نحمي أبناءنا أكثر؟ وبين سؤال لماذا لم تحمِ الضحية نفسها؟
السؤال الأول مسؤولية جماعية، أما الثاني، فلا يتعدى لوم للضحية بصيغ مختلفة.
وفي مثل هذه القضايا، يخرج “أوصياء الأخلاق” من كل صوب، يحللون المكان، والملابس، والساعة، والرفقة، والهاتف، والمقهى، والأصدقاء، والأسرة.
يفتشون في حياة الضحية عن تفصيل يسمح لهم بإعادة ترتيب المسؤوليات.
وقد تصبح الأم متهمة لأنها “سمحت”، وتصبح الطفلة مسؤولة لأنها “خرجت”، بينما يتراجع المعتدي إلى آخر المشهد.
وقطعا، لا يمكن حماية الأخلاق بخطابات مماثلة، فالأمر هنا يتشابك مع حماية الجريمة من خلال تحميل الضحية جزءاً من مسؤوليتها.
الأخلاق التي تستحق أن ندافع عنها هي التي تقول بوضوح إن الطفل يظل طفلا وإن حماية القاصر مسؤولية الأسرة والمجتمع والدولة، وإن الاعتداء يبقى اعتداءً لا تعيد صياغته ظروف الضحية ولا المكان الذي كانت فيه.
والمخدرات؟
هناك، أيضاً، ملف آخر لا يجوز دفنه وهو انتشار استهلاك بعض المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية بين فئات من الأطفال والمراهقين، وما يرافق ذلك من مخاطر إضافية تتعلق بالاستغلال والعنف والانحراف والجريمة.
وإذا ثبت أن المخدرات كانت حاضرة في محيط هذه القضية أو في حياة بعض القاصرين المتورطين فيها، فهذا يستدعي البحث في كيفية وصول هذه المواد إلى الأطفال، ومن يبيعها لهم، ومن يستغل هشاشتهم، ولماذا تفشل آليات الوقاية في الوصول إليهم مبكراً.
والقضية، اليوم، أوسع من يقين، وإن كانت هي اليوم وجهها الأكثر إيلاما.
هي قضية أطفال قد يجدون أنفسهم في فضاءات لا نعرف عنها شيئا، وسط مخاطر تبدأ من العنف والتنمر والاستغلال، وقد تصل إلى المخدرات والاستدراج والاعتداء الجنسي.
وهي أيضاً قضية أسر تحتاج إلى أدوات حقيقية للحماية، لا إلى مزيد من التخويف واللوم، وقضية مؤسسات يفترض أن تكون قادرة على التدخل قبل أن يصل الطفل إلى المستشفى.
ووسط حالة الخواء التي ترافق هذه الوقائع رغم ضجيج الهرطقات تتكثف الأسئلة ….
ماذا نفعل فعلياً لحماية الأطفال قبل وقوع الجريمة، لا بعد وقوعها؟
هل يعرف الطفل إلى من يلجأ عندما يشعر بالخطر؟
هل تستطيع الأسرة الوصول إلى خدمات الإحاطة والمرافقة بسهولة؟
هل توجد آليات فعالة للتبليغ والتدخل المبكر؟
هل نتعامل مع تعاطي المخدرات بين القاصرين باعتباره مؤشراً إلى خطر اجتماعي وصحي يحتاج إلى التدخل، أم لا نتحرك إلا بعد وقوع الكارثة؟
وهل لدينا ما يكفي من التوعية داخل المدرسة والأسرة والفضاء العام حول العنف الجنسي وحدود الجسد وكيفية طلب النجدة؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من السؤال عن سبب خروج يقين.
من السهل جدا أن تمنع الأمهات بناتهن من الخروج…
ولكن هل يمكن بناء مجتمع آمن بهذه الطريقة؟
وهل الحل في أن نُضيّق حياة الأطفال حتى لا يصل إليهم الخطر، أم في أن نعمل على تقليص الخطر نفسه؟
لأننا إذا بدأنا في محاكمة كل أم سمحت لطفلها بالخروج، سنصنع طبقة جديدة من الخوف نضيفها إلى طبقة الخطر.
يقين تحتاج الآن إلى العلاج والرعاية والحماية والعدالة. وعائلتها تحتاج إلى التضامن، لا إلى محكمة اجتماعية إضافية. والمجتمع يحتاج إلى إجابات حقيقية حول كيفية وقوع الجريمة، لا إلى قصص أخلاقية جاهزة تُحمّل الأم والطفلة ما لا تتحملانه.
أما إذا أردنا فعلا أن نتعلم شيئا من مأساة يقين، فلنردد سؤالا واحدا ” لماذا لم يكن العالم الذي خرجت إليه آمنا ليقين؟”
هذا هو السؤال الذي يجب أن يلاحقنا، عوض أن تلاحق الألسنة المسمومة طفلة ترقد في العناية المركزة.