لماذا يحب الجمهور آدم؟… ربما لأن آدم يغني الحب في مساحات الخيبات والانكسارات، يمنح ثقلا عاطفيا للكلمات ويصبغ الحروف بالآهات…
وفي مشهد عربي تغيّرت فيه الأصوات والأذواق وطرق الاستماع، بقي آدم قريبا من منطقة لا تتبدل، هي منطقة الإحساس.
منذ بداياته، امتلك آدم خامة صوتية لافتة، وصوتا قويا عريض المساحة، لكنه في الوقت نفسه محمّل بقدر واضح من الشجن.
وهذه الثنائية ربما كانت أحد أسرار علاقته بالجمهور فقوة صوته لا تطغى على هشاشته، وثقته في أداء الجمل الغنائية لا تلغي ما فيها من ألم.
والجمهور لا يكتفي بسماع آدم، هو يجد شيئا منه في أغنياته، في “خلص الدمع”، و”على بالي”، و”خلصت الحكاية”، ثم في “تعا” و”في حدا” و”رابع فنجان قهوة” حيث تتكرر ثيمة الإنسان الذي يحب، يخسر، ينتظر، يتذكر، ويحاول أن يبدو بخير.
إنها الأغنيات التي لا تحتاج مناسبات لاستعادتها، يكفي أن تهب على المستمع ذكرى قديمة حتى تتواءم معها إحدى أغنيات آدم.
وربما تكمن إحدى أهم نقاط قوته في تنقله بين الطرب والبوب والأغنية الدرامية والرومانسية، وتركه مساحة للتجريب، ليظل صوته مرتبطا بالأغنية التي تحتاج مزاجا لسماعها وتجربة لفهمها.
ثم جاءت شارات المسلسلات لتوسّع دائرة حضوره ودخل بها إلى حكايات الناس عبر التلفزيون والسينما.
“قولوا للي أكل الحرام”، و”اشمعنى أنا”، و”الناس اتغيرت” وغيرها، جعلت صوته مرتبطا بشخصيات وحكايات ومشاهد تلفزيونية، فتحوّل من مطرب إلى جزء من ذاكرة درامية لجمهور كامل.
لكن هناك سببا آخر لا يقل أهمية فآدم لا يبدو بعيدا عن جمهوره، فحتى عندما يقف على المسرح، يحمل معه صورة المطرب الذي يغني من داخل التجربة نفسها.
وفي كل حفلاته في تونس، مثلا، يتحول الفضاء إلى استعادة جماعية للأغنيات، فالجمهور لا ينتظر الكلمات منه دائما، بل يسبقه إليها ويغني معه ما عاشه ذات يوم.
ولعل سر العلاقة بين آدم وجمهوره تكمن في أنه جعله شريكا في الأغنية لا مستمعا، لذلك لا يمكن اختزال شعبيته في قوة صوته.
فالأصوات القوية كثيرة، والمطربين القادرين على أداء الأغنية العاطفية كثيرون، لكن القليل منهم ينجح في تحويل الصوت إلى هوية شعورية.
آدم فعل ذلك تدريجيا، صار لصوته مزاج خاص، ولحزنه نبرة معروفة، وللحب عنده ملامح يستطيع الجمهور التعرف إليها منذ الجملة الأولى.
وهو محبوب لأنه لا يغني شيئا من الجمهور نفسه، من حبهم الذي لم يكتمل، وغيابهم الذي لم يُنسَ، وحنينهم الذي لا يجد دائما كلاما مناسبا لوصفه.
وفي مسرح قرطاج الأثري تتبدى تفاصيل أخرى، ويتجلى العازفون الذين يعرفون كيف يبنون المقدمات الموسيقية ويكثفون الشعور الذي يرافق كلمات الأغاني، وقائد الفرقة الذي يعرف متى يدفع الموسيقى إلى الأمام ومتى يترك للصوت وحده أن يتنفس.
ولا يمكن الحديث عن عروض آدم الحية دون الحديث عن الموسيقيين الذين يرافقونه ويشاركون في صناعة اللحظة، لكل آلة وظيفتها، ولكل انتقال موسيقي معناه، ولكل مساحة صمت ضرورتها.
وفي كل مرة يمنحون الأغاني حياة جديدة، ولذلك يأتي الجمهور وهو يتطلع إلى مقدمة مختلفة وتصغيدا مفاجئا أو لحظة يتوقف فيها كل شيء تقريبًا ليبقى الصوت وحده في مواجهة آلاف المستمعين.
ومع عازفين مميزين من بينهم عازف القانون جهاد الأسعد وعازف الكلارينات غسان أبو حلتم وعازفي الكمان التونسيين عطيل معاوي وحمزة قبة وغيرهم، تأتي الموسيقى المألوفة بوجه غير مكرر.
وجزء من سر العلاقة بين آدم وجمهوره، يكمن في أنه لا يتفاعل مع المغني منفصلًا عن الموسيقى التي تحيط به، هناك إيقاع يدفعه إلى التصفيق، وجملة موسيقية تجعله يتعرف إلى الأغنية قبل أن ينطق آدم كلماتها، وتوزيع يعيد إلى ذاكرته أغنية قديمة، ثم يأتي صوت آدم ليكمل ما بدأته الآلات.
إنها علاقة ثلاثية صوت يعرف كيف يحكي، وعازفون يعرفون كيف يصنعون الموسيقى حول الحكاية فضاءها، وجمهور يعرف الأغنية قبل أن تبدأ.
ولعل قوة آدم على المسرح تكمن تحديدًا في هذا التوازن، فهو لا يحتاج إلى أن يثبت في كل لحظة أنه صاحب الصوت الأقوى، لأن خلفه موسيقيين يعرفون أن دورهم ليس منافسته، وإنما إبراز ما فيه.
هم يرفعون الجملة حين تحتاج إلى القوة، ويتركونها معلقة حين تحتاج إلى الحنين، وهذا ما يجعل النظر إلى حفلات آدم من زاوية الصوت وحده قراءة ناقصة.
فجزء من التجربة يتشكل في المنطقة الواقعة بين المغني والعازف، تلك المساحة التي لا يراها الجمهور دائما، لكنه يستشعر نتيجتها.
وأمام جمهور جاء محمّلا بذاكرة أغنياته، ذاكرة استعادها صوت آدم على ركح مسرح قرطاج الأثري، وأعادت الفرقة الموسيقية ترتيبها موسيقيًا، لتكون السهرة لقاء جديدا بين صوت يعرفه الناس جيدا وموسيقيين يعرفون كيف يمنحونه في كل مرة وجها آخر.
فآدم محبوب بصوته وإحساسه، نعم، لكن الصوت الكبير يحتاج دائمًا إلى موسيقيين يعرفون كيف يحملونه من دون أن يثقلوه.
*صورة بعدسة رفيق بودربالة