في النادي الثقافي الطاهر الحداد، لم يكن العود آلة تقود اللحن، كان كائنا يتنفّس بين يدي غالية بن حليمة، يستنشق العبارات الموسيقية ويعيد إطلاقها في أشكال متحوّلة، تارةً تستقرّ في دفء المقام، وتارةً تفلت منه نحو مساحات أرحب، حيث يصبح الارتجال طريقاً للاكتشاف، وتغدو النغمة سؤالاً مفتوحاً على احتمالاتها.
في عرض “ما وراء المقام”، الذي احتضنه المهرجان الدولي للعود بالمدينة، مساء الخميس 22 أكتوبر، تعاملت العازفة والمؤلفة الشابة مع العود كأفق قابل لإعادة الكتابة.
ومن خلال حوارها مع البيانو والناي، نسجت تجربة موسيقية تقوم على التناغم، وعلى القدرة على الانتقال بين العوالم النغمية من دون أن تفقد خيطها الداخلي.
في الثامنة عشرة من عمرها، بدت غالية بن حليمة واعية بما تتيحه الأوتار من إمكانات تتجاوز حدود النقر عليها واستدعاء اللحن. كانت تستنطقها، تستخرج من رنينها طبقات من التعبير، وتمنح الجملة الموسيقية وقتها كي تتشكّل، قبل أن تدفع بها نحو مسار آخر. في أدائها، لا يبدو المقام قالباً مغلقاً ينبغي الالتزام بحدوده بقدر ما هو نقطة انطلاق، فضاء تتحرك داخله النغمة وتختبر قدرتها على التحوّل.
ومن مقام النهاوند إلى السماعي، وما يفتحه الانتقال بين المقامات من اختلاف في اللون والمزاج والتوتر الموسيقي، أخذ العرض شكل رحلة تتبدّل فيها ملامح الجملة من دون أن تنقطع صلتها بما سبقها.
فالنقلة المقامية تتخطى التغيير في السلم الموسيقي إلى تحوّل في المناخ الذي تقترحه الموسيقى على مستمعها، انتقال من حالة شعورية إلى أخرى، ومن استقرار نسبي إلى توتر يطلب حلا، أو من عبارة مألوفة إلى منعطف غير متوقّع.
وتتجلّى قدرة غالية على التقاط التفاصيل الدقيقة في العلاقة بين النغمة وما يليها، وعلى بناء مسارات لا تستعجل الوصول إلى خاتمتها. فهي تترك للوتر مجالاً كي يقول ما لديه، وتمنح الصمت بين الجمل وظيفة لا تقل أهمية عن الصوت، قبل أن تعود إلى الخيط اللحني وتواصل تشكيل عالمها الموسيقي.
ولم يكن العود وحده صاحب الحكاية. فقد منح البيانو، في عزف شادي دمق، العمل امتداداً هارمونياً أرحب، يضيء بعض المساحات التي يتركها العود مفتوحة، ويقترح في الوقت نفسه مسارات موازية. وبين رنين الأوتار الشرقية وثراء المفاتيح، يتقدّم العود بالجملة، فيلتقط البيانو ظلالها، ثم يفتح أمامها منفذاً نحو فضاء مختلف.
أما الناي، إذا ما بث فيه أحمد ليتيم من روحه، فقد أضاف إلى هذا البناء نَفَسا آخر، يحمل في امتداده شيئا من الشجن والشفافية. كان حضوره أشبه بخيط هوائي يمرّ بين العود والبيانو، يصل بين عباراتهما حينا، ويقف في مواجهتهما حينا آخر، ليمنح الحوار الموسيقي توترا خفيفا يمنعه من الاستقرار في صيغة واحدة.
وتكمن إحدى نقاط قوة العرض في تنويع أشكال هذا اللقاء فحين تنفرد آلة بالعزف، ينكشف عالمها الخاص.
للعود قدرته على تشكيل الجملة عبر دقة النبرات وتفاوت الرنين، وللبيانو فسحة تسمح ببناء التآلفات وتوسيع المجال اللحني، فيما يملك الناي خصوصية الصوت الذي يتشكل مع النفس، ويتدرّج في التعبير من الهمس إلى الامتداد.
ويشكل العزف المنفرد لحظة لكشف شخصية كل آلة، واختبار ما تستطيع قوله حين تتحرر مؤقتاً من أصوات الآخرين.
ثم تأتي الحوارات الثنائية لتعيد ترتيب العلاقة بين هذه الشخصيات الموسيقية. في اللقاء بين العود والبيانو، تتجاور خصوصية التعبير المقامي مع إمكانات الهارموني، ويصبح الإصغاء شرطاً للتكامل.
وفي الحوار بين العود والناي، تتقارب آلتان مختلفتان في طريقة إنتاج الصوت، لكنهما تلتقيان في قدرتهما على حمل الجملة الشرقية وتلوينها، فيما يمنح اللقاء بين البيانو والناي مساحة تتقاطع فيها شفافية النفس مع اتساع التآلفات.
وفي كل مرة، تتغيّر طبيعة الحوار تبعاً لطرفيه، فلا تُفرض على الآلات لغة واحدة، ولا تُختزل إحداها في وظيفة مرافقة الأخرى. لكل آلة مساحتها، ولكل لقاء منطقه الخاص.
وعندما تجتمع الآلات الثلاث، تتخذ الموسيقى هيئة أكثر اتساعاً. لا يعود العود مركزاً ثابتاً تدور حوله بقية الأصوات، ولا البيانو أرضية هارمونية فحسب، ولا الناي صوتاً يضيف مسحة وجدانية إلى النسيج.
تتوزّع الأدوار وتنتقل المبادرة من آلة إلى أخرى، فتغدو الجملة الموسيقية حصيلة تعاون جماعي، يتراجع فيه صوت ليفسح المجال لآخر، ثم تعود كل الأصوات معا في بناء أكثر كثافة.
في هذا العزف الثلاثي، يتجلّى المعنى الأعمق لـ”ما وراء المقام”، ليس تجاوز المقامات أو التنصّل من قواعدها، بل اكتشاف ما يمكن أن يحدث عند وضعها في حوار مع تجارب موسيقية مختلفة، وعندما تتحول المعرفة بالتقاليد إلى أداة للابتكار لا إلى قيد.
فالهوية الموسيقية لا تتجمد في شكل واحد، وتظل قادرة على التجدد كلما وجدت من يصغي إليها ويعيد مساءلة إمكاناتها.
وتعد تجربة غالية بن حليمة محاولة لبناء علاقة شخصية مع العود، علاقة لا تكتفي باستعادة ما تختزنه الآلة من ذاكرة وتبحث عما يمكن أن تقوله اليوم.
وهي محاولة تستمد أهميتها من التقاء التكوين الموسيقي بالفضول، ومن الرغبة في فتح المجال أمام آلة ارتبطت طويلاً بمدارس ومقامات راسخة كي تدخل في حوار مع لغة موسيقية أوسع، من دون أن تفقد ملامحها.
في “ما وراء المقام”، كانت النغمة بداية الطريق وكان العود، بين يدي غالية، صوتا يختبر حدوده، ويتلمّس طريقه بين ذاكرة المقام وحرية الارتجال، فيما يرافقه البيانو والناي في رحلة لا تبحث عن تطابق الأصوات، إنما عن تلك اللحظة التي تتجاور فيها الاختلافات لتصنع موسيقى واحدة.