لم يعد شحّ المياه في تونس شأنًا تقنيًا تحسمه نسب امتلاء السدود وكميات الأمطار، فقد صار حقيقة تُعاش كل يوم، تمسّ رزق الفلاحين وتُربك الأرض والبيئة والغذاء معًا. من هذا الواقع انطلقت المخرجة والصحفية مبروكة خذير، مؤسِّسة منصة “كوسموس ميديا” للإعلام البيئي، لتصنع فيلمها الوثائقي “أحييني اليوم”. قضت ثلاث سنوات تتنقل بالكاميرا بين سدّ لبنة في نابل، ومنطقتي هرتمة وسجنان، وصولًا إلى ماطر ومنزل بورقيبة، لترصد ما خلّفه الجفاف في حياة الناس والموارد الطبيعية.
لا يكتفي الفيلم بالحديث عن الماء، بل يصغي إلى الفلاح الذي يتشبّث بأرضه ومصدر عيشه، وإلى تربة تفقد شيئًا فشيئًا قدرتها على العطاء.
في هذا الحوار، تروي خذير تجربة التصوير في ظروف مناخية صعبة، وتتحدث عن لحظات تحوّلت فيها اللقطات إلى مصدر قلق على الغد. كما تشرح قيمة التعاون مع الخبراء والإدارة العامة للسدود، والخيار السردي الذي مكّن الفلاحين والسكان المحليين من أن يكونوا أصحاب الرواية، لا مجرد أرقام في تقرير.
بعد “شباك النفط” و”الأحمر” مبروكة خذير تتعمق أكثر في ملامسة المشاكل البيئية في تونس من خلال “أحيني غدوة”. هو فيلم مركب نوعا من خلال التركيز على البعدين البيئي والاقتصادي. كيف نشأت فكرة الفيلم ؟
فكرة الفيلم لم تولد من رغبة في إنجاز عمل آخر عن البيئة بقدر ما نشأت من إحساس متزايد بأننا أمام أزمة تتجاوز الأرقام والإحصائيات والتصريحات الرسمية. نحن نتحدث عن الماء، وهو ليس مجرد مورد طبيعي أو رقم في نشرات وزارة الفلاحة، بل هو أساس الحياة، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وحق الأجيال القادمة في مستقبل قابل للعيش. خلال السنوات الأخيرة، أصبح الجفاف في تونس واقعًا يوميًا نراه في تراجع مخزون السدود، وفي الأراضي التي تشققت، وفي الفلاحين الذين باتوا عاجزين عن مواصلة نشاطهم، وفي العائلات التي أصبحت مضطرة إلى إعادة ترتيب حياتها وفقًا لما تسمح به ندرة المياه. لكن ما كان يشغلني أكثر هو ما يحدث للإنسان عندما يفقد الماء الذي تقوم عليه حياته ومهنته وعلاقته بالأرض. من هنا انطلقت رحلة «أحييني اليوم… اقتلني غدوة»، التي استغرقت نحو ثلاث سنوات من العمل والتصوير في أربع ولايات تونسية. لم أرد أن أتعامل مع الجفاف باعتباره ظاهرة مناخية مجردة، بل أن أقترب من آثاره من خلال حكايات الناس الذين يعيشون تداعياته يوميًا. في الفيلم، نلتقي بفلاحين وبأشخاص ارتبطت أرزاقهم مباشرة بالماء، ونكتشف كيف يمكن لجفاف مورد مائي أن يهدد منظومة اقتصادية وعائلية كاملة. هناك من اضطر إلى بيع أبقاره بعدما لم يعد قادرًا على توفير الماء لها، وهناك من فقد مورد رزقه، وهناك من وجد نفسه عاجزًا عن مواصلة نشاط بناه على مدى سنوات. ما أردته هو الربط بين ما يحدث للطبيعة وما يحدث للإنسان. فحين يجف السد، لا تختفي المياه وحدها، بل قد تختفي معها مواطن شغل، ومداخيل عائلات، ومشاريع صغيرة، وإحساس الناس بالأمان والاستقرار. بالنسبة إليّ، هذا الفيلم امتداد لمسار اشتغلت فيه على قضايا بيئية مختلفة، من استنزاف الموارد إلى الاتجار غير المشروع بالمرجان الأحمر في فيلم «الأحمر». لكن في «أحييني اليوم»، اقتربت أكثر من علاقة الإنسان بالماء، ليس باعتباره موضوعًا بيئيًا فحسب، بل باعتباره قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تمس حاضر التونسيين ومستقبلهم. أردت أن أمنح هذه الأزمة وجوهًا وأصواتًا، وأن أجعل المشاهد يرى ما وراء مشاهد الجفاف: حياة تتغير، وأحلام تتراجع، وأشخاص يحاولون الصمود في مواجهة واقع لم يعودوا قادرين على التحكم في كل تفاصيله. فكرة العنوان جاءت بعد ان فهم عبد القادر السائحي و هو يعمل على المونتاج هذه الرسالة فقالها لي بشكل عفوي و اعتمدتها عنوانا للفيلم.
المثل الشعبي يقول “أحييني اليوم واقتلني غدوة” لكنك عنونت الفيلم بـ “أحييني اليوم “ رغم ان محتوى الفيلم يوحي بموت الحياة في معظم المناطق الذي صورت فيها مشاهد الفيلم. مالسر في هذه “الازدواجية” ربما ؟
العنوان يحمل في داخله مفارقة أردت أن تكون حاضرة منذ اللحظة الأولى. المثل الشعبي «أحييني اليوم واقتلني غدوة» يعكس، في أحد معانيه، نزعة إلى تأجيل التفكير في المستقبل مقابل تلبية الحاجة الآنية، حتى لو كان الثمن الذي سندفعه لاحقًا باهظًا. لكنني اخترت «أحييني اليوم… اقتلني غدوة» و هو مثل شعبي تونسي ،لأنني أردت أن أضع المشاهد أمام سؤال مؤلم: إلى أي مدى أصبحنا نبحث عن حلول آنية لمشكلات تتطلب رؤية بعيدة المدى؟ وإلى أي حد يمكن للإنسان أن يواصل حياته عندما تصبح أبسط شروط العيش مهددة؟ في الفيلم، تبدو الحياة وكأنها تنسحب تدريجيًا من بعض الأماكن. السدود التي كانت مصدرًا للمياه والرزق تتحول إلى مساحات جافة، والأرض التي كانت تنتج تصبح عاجزة عن العطاء، والأنشطة الاقتصادية التي قامت على توفر المياه تجد نفسها أمام مستقبل غامض. لكنني لا أرى الفيلم عملًا عن الموت بقدر ما أراه محاولة للدفاع عن الحياة. فخلف كل هذه المشاهد هناك أشخاص ما زالوا يقاومون، ويتمسكون بأرضهم ومهنهم وعائلاتهم، ويحاولون إيجاد طرق للتأقلم رغم صعوبة الظروف. الازدواجية هنا مقصودة؛ فهناك فرق بين أن نكون أحياء بيولوجيًا وأن نمتلك شروط الحياة الكريمة. عندما يفقد الفلاح مصدر رزقه، أو يفقد البحّار أو مربّي الأحياء المائية المورد الذي تقوم عليه مهنته، فإن المسألة لا تتعلق فقط بخسارة اقتصادية، بل أيضًا بفقدان جزء من الاستقرار والهوية والإحساس بالمستقبل. العنوان، إذن، ليس استسلامًا لفكرة أن الموت قدر محتوم، ولا هو دعوة إلى التضحية بالغد من أجل اليوم. إنه سؤال مفتوح عن الثمن الذي قد ندفعه عندما نؤجل مواجهة الأزمات، ونداء إلى التفكير في المستقبل قبل أن تصبح خياراتنا محدودة. ما أتمناه هو ألا نصل إلى مرحلة يصبح فيها طلب الماء والحياة والاستقرار مجرد أمنية، بينما كان بالإمكان اتخاذ قرارات أفضل في وقت مبكر.
أردت أن أمنح هذه الأزمة وجوهًا وأصواتًا، وأن أجعل المشاهد يرى ما وراء مشاهد الجفاف: حياة تتغير، وأحلام تتراجع، وأشخاص يحاولون الصمود في مواجهة واقع لم يعودوا قادرين على التحكم في كل تفاصيله.
“أحييني غدوة” من الوثائقيات القليلة التي تناولت مسألة الشح المائي وجفاف السدود بهذا العمق والجدية رغم خطورة الوضع المائي في بلادنا. لمن تتوجهون أساسا بهذا العمل ؟
أعتقد أن هذا الفيلم يتوجه إلى جمهور واسع، لأن أزمة المياه ليست قضية تخص الفلاحين وحدهم، ولا سكان المناطق التي تعاني الجفاف، ولا المختصين في البيئة والموارد المائية. إنها قضية تمس المجتمع بأكمله، وإن كانت آثارها لا تتوزع بالتساوي بين جميع الفئات والمناطق. أتوجه بهذا العمل أولًا إلى المواطن الذي قد يرى في جفاف السدود مجرد مشهد عابر في نشرة الأخبار، من دون أن يدرك حجم التداعيات التي يمكن أن تترتب عليه. وراء كل سد يجف هناك منظومة كاملة من المصالح والأنشطة والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تتأثر بنقص المياه. وأتوجه به أيضًا إلى صناع القرار والمسؤولين عن إدارة الموارد المائية والتخطيط الزراعي والتنمية، لأن التعامل مع هذه الأزمة لا يمكن أن يقتصر على الدعوة إلى ترشيد الاستهلاك، رغم أهمية ذلك. نحن بحاجة كذلك إلى فهم أسباب الهشاشة التي تجعل بعض الأنشطة والمناطق أكثر عرضة للجفاف، وإلى التفكير في الخيارات المتاحة للتكيف مع واقع مائي يتغير باستمرار. كما أن الفيلم موجه إلى الشباب، لأنهم الأكثر ارتباطًا بالسؤال عن المستقبل. ما الذي نتركه للأجيال القادمة؟ وكيف يمكن أن نبني نموذجًا تنمويًا يأخذ محدودية الموارد المائية في تونس بعين الاعتبار، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مشكلة ظرفية ستنتهي مع عودة الأمطار؟ وهناك أيضًا الجمهور العربي والدولي، لأن ما تعيشه تونس ليس حالة معزولة عن محيطها. شح المياه وتغير المناخ والضغط على الموارد الطبيعية تحديات تتقاسمها بلدان عديدة، وإن اختلفت أسبابها المحلية وحدّة آثارها. لكنني أريد التأكيد على أن الفيلم لا يسعى إلى تخويف المشاهد أو دفعه إلى الشعور بالعجز. هدفي هو أن نجعل الأزمة مرئية ومفهومة من خلال التجارب الإنسانية، وأن نفتح نقاشًا حول مسؤوليتنا الجماعية وضرورة البحث عن حلول. فالسينما الوثائقية تستطيع أن تفعل ما لا تفعله الأرقام وحدها أحيانًا: أن تجعلنا نتوقف أمام قصة إنسان، ونفهم من خلالها حجم المشكلة، ثم نسأل أنفسنا عما يمكن تغييره.
في بعض الحالات التي تطرقت اليها، كان للعامل البشري الجزء الأكبر في اهدار الثروة المائية واستنزافها، لكن في المقابل لاحظنا ربما عملية “تغييب” متعمد للذين كانوا وراء هذه الأزمة ؟ لماذا هذا الوقوف على الحياد ؟
أعتقد أن الحديث عن أزمة المياه في تونس لا يمكن أن يقتصر على الجفاف والتغيرات المناخية، مهما كانت خطورة تأثيراتهما. فالمناخ يفرض علينا واقعًا صعبًا، لكن طريقة تعاملنا مع هذا الواقع، ومدى استعدادنا له، والخيارات التي نعتمدها في إدارة مواردنا المائية، كلها عوامل تؤثر في حجم الأزمة وتداعياتها. من وجهة نظري، لا يكفي أن نطالب المواطن بترشيد استهلاك الماء، أو أن نحمّل التغيرات المناخية مسؤولية كل ما نعيشه، من دون فتح نقاش جدي حول السياسة المائية في تونس، وترتيب الأولويات، ونجاعة الاستثمارات العمومية، ومدى قدرتنا على حماية الموارد المتاحة قبل البحث عن موارد إضافية. لدينا أسئلة أساسية يجب أن تُطرح بشفافية: ما حجم المياه التي نفقدها بسبب تدهور شبكات التوزيع والتسربات؟ وما مدى نجاعة برامج صيانة هذه الشبكات وتجديدها؟ وكيف يمكن الحد من الهدر في مختلف مراحل نقل المياه وتوزيعها؟ وهل تُوجَّه الاستثمارات بالقدر الكافي نحو إصلاح البنية التحتية القائمة، بالتوازي مع المشاريع الجديدة؟ هذه أسئلة لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفاصيل تقنية، لأنها تمس جوهر الأمن المائي. ففي بلد يعاني شحًا مائيًا متزايدًا، تصبح المحافظة على كل كمية متاحة من المياه أولوية استراتيجية، ويصبح من الضروري تقييم كلفة الهدر، ومحاسبة المؤسسات على مدى نجاعة إدارتها للموارد، ونشر المعطيات التي تسمح للمواطن بفهم حجم المشكلة. هناك أيضًا مسألة ترتيب الأولويات في توزيع المياه. فالسياسة المائية لا تتعلق فقط بتوفير الكميات المتاحة، بل كذلك بكيفية توزيعها بين الجهات والقطاعات والاستعمالات المختلفة، وبمدى مراعاة الحاجيات الأساسية للسكان، والعدالة بين المناطق، والاحتياجات الاقتصادية والبيئية. ومن الضروري أن تكون هذه الخيارات واضحة ومعلنة، وأن تستند إلى معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار ندرة الموارد والآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية لكل قرار. ومن الأسئلة التي تستحق النقاش أيضًا مدى ملاءمة الخيارات الزراعية والاقتصادية للواقع المائي في تونس. لا يمكن أن نتحدث عن الأمن المائي بمعزل عن أنماط الإنتاج الزراعي، والمحاصيل التي تتطلب كميات كبيرة من المياه، وطرق الري المعتمدة، ومدى نجاعة أنظمة المراقبة والتصرف. كما ينبغي تقييم استغلال المياه الجوفية، ومقاومة الاستنزاف والحفر غير القانوني للآبار، ومراقبة مصادر التلوث التي قد تجعل جزءًا من الموارد المائية غير صالح للاستعمال. ولا يقل عن ذلك أهمية تقييم المشاريع المائية نفسها، سواء تعلق الأمر بالسدود أو بتحلية مياه البحر أو بإعادة استعمال المياه المعالجة. فكل خيار من هذه الخيارات له كلفته المالية والطاقية والبيئية، وله شروطه وحدوده. لذلك، لا ينبغي تقديم أي حل باعتباره وصفة سحرية، بل يجب إخضاع المشاريع لتقييم علمي واقتصادي وبيئي، ومقارنة كلفتها على المدى الطويل بمدى قدرتها على الاستجابة للحاجيات الفعلية. أما فيما يتعلق بالفيلم، فقد اخترت أن أنطلق من قصص الناس الذين يعيشون تداعيات الجفاف، وأن أُظهر كيف يمكن لفقدان الماء أن يهدد مصدر الرزق والاستقرار الاقتصادي والعائلي. لكن التركيز على الإنسان المتضرر لا يعني أن المسؤولية تقع خارج إطار العمل الصحفي، ولا يعني أن السياسات والقرارات التي تؤثر في إدارة الموارد المائية يجب أن تبقى بعيدة عن النقاش العام. وهنا أود التمييز بين الحياد الصحفي وبين تجنب المساءلة. الحياد لا يعني وضع جميع الأطراف في المستوى نفسه، ولا يعني الامتناع عن طرح الأسئلة النقدية. بل يعني التحقق من المعلومات، والاستناد إلى الأدلة، والتمييز بين الوقائع والاستنتاجات، وإتاحة حق الرد للأطراف المعنية. إذا أردنا تحديد المسؤوليات بدقة، فنحن بحاجة إلى معطيات منشورة حول الموارد المتاحة، وحجم الاستهلاك، ونسب الفاقد في الشبكات، وتطور مخزون المياه، وكلفة المشاريع المنجزة، ومدى تحقيقها لأهدافها، فضلًا عن تقييم السياسات المعتمدة في مواجهة الجفاف. كما نحتاج إلى شفافية أكبر في تحديد الأولويات وفي تفسير القرارات التي تؤثر في حياة المواطنين والأنشطة الاقتصادية. ولا بد من التأكيد على أن أزمة المياه لا تُختزل في مسؤولية جهة واحدة أو في قرار منفرد. إنها حصيلة عوامل مناخية وبنيوية واقتصادية ومؤسساتية متداخلة، وتحديد المسؤوليات يقتضي النظر إلى هذه العوامل مجتمعة، من دون إعفاء أي طرف من المساءلة في حدود صلاحياته ومسؤولياته. بالنسبة إليّ، دور الفيلم الوثائقي هو أن يجعل الأزمة مرئية، وأن يمنح صوتًا لمن يعيشون آثارها، وأن يفتح المجال أمام أسئلة قد لا تحظى بالاهتمام الكافي. أما تعميق التحقيق في الخيارات المائية، وتدقيق المسؤوليات، وفحص الوثائق والبيانات، فهي مسارات صحفية ضرورية ينبغي أن تتواصل بالتوازي مع العمل الوثائقي. المشكلة ليست فقط في أن الماء أصبح نادرًا، بل أيضًا في كيفية إدارة ما تبقى منه، وفي قدرتنا على ترتيب الأولويات، والحد من الهدر، وإصلاح الاختلالات القائمة، والاستعداد لما قد تحمله السنوات المقبلة. وفي بلد مثل تونس، حيث تتزايد الضغوط على الموارد المائية، لا يمكن أن تظل السياسة المائية مجرد استجابة ظرفية للجفاف؛ بل يجب أن تكون سياسة استباقية واضحة، قائمة على التخطيط والشفافية والعدالة والمساءلة.
هدفي هو أن نجعل الأزمة مرئية ومفهومة من خلال التجارب الإنسانية، وأن نفتح نقاشًا حول مسؤوليتنا الجماعية وضرورة البحث عن حلول. فالسينما الوثائقية تستطيع أن تفعل ما لا تفعله الأرقام وحدها أحيانًا: أن تجعلنا نتوقف أمام قصة إنسان، ونفهم من خلالها حجم المشكلة، ثم نسأل أنفسنا عما يمكن تغييره.
من منطلق تجاربك وعملك المتواصل على إشكاليات الشأن البيئي والمائي، كيف تقيمين تعامل الجهات الرسمية مع المخاطر التي تحف بنا خصوصا في ما يتعلق بمسالة التحسيس والتوعية؟
من خلال تجربتي في الصحافة البيئية والعمل الوثائقي، أعتقد أن أحد أكبر التحديات التي نواجهها في تونس ليس غياب الحديث عن المخاطر البيئية، بل كيفية تحويل هذا الحديث إلى ثقافة عامة وسياسات واضحة وممارسات يومية. هناك بالفعل خطاب رسمي يدعو إلى ترشيد استهلاك المياه والمحافظة على الموارد الطبيعية، وتبرز أهمية هذه الرسائل خصوصًا في فترات الجفاف وتراجع مخزون السدود. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه هو: هل تكفي حملات التحسيس الموسمية وحدها لمواجهة أزمة بهذا الحجم والتعقيد؟ في تقديري، لا بد من الانتقال من التوعية الظرفية إلى سياسة مستمرة للاتصال البيئي، تقوم على تبسيط المعلومات العلمية، وتقديم بيانات دقيقة ومحيّنة، وشرح أسباب الأزمة وتداعياتها، وإشراك المواطنين في فهم الخيارات المتاحة. فعندما نطالب المواطن باقتصاد المياه، من المهم أن نشرح له حجم الموارد المتاحة، ومستوى الضغط عليها، وأين تتركز أكبر الاستخدامات، وما الإجراءات التي تتخذها المؤسسات للحد من الهدر وتحسين إدارة الموارد. فالتوعية تكون أكثر فاعلية عندما تستند إلى معلومات واضحة، وتقوم على الشفافية، وتتيح للمواطن فهم الصورة كاملة. كما أنني أرى ضرورة تجاوز فكرة أن المواطن وحده مسؤول عن حماية الموارد المائية. صحيح أن السلوك الفردي مهم، وأن ترشيد الاستهلاك مسؤولية مشتركة، لكن مواجهة الشح المائي تتطلب أيضًا إدارة ناجعة للموارد، وتخطيطًا يأخذ بعين الاعتبار محدودية المياه، وتقييمًا للخيارات الزراعية والاقتصادية، واستثمارًا في الحلول الملائمة لكل منطقة. ولا بد كذلك من جعل الإعلام شريكًا فعليًا في الوقاية والتحسيس، لا مجرد وسيلة لنقل التحذيرات بعد تفاقم الأزمة. الصحافة البيئية قادرة على شرح المعطيات العلمية، وربط السياسات العامة بتأثيراتها على حياة الناس، وفتح النقاش حول البدائل الممكنة، ومتابعة ما يتحقق على أرض الواقع. ومن خلال تجربتي في إنجاز الأفلام الوثائقية والعمل على منصّة «كوزموس ميديا»، لمست أهمية الانتقال من خطاب التخويف إلى إعلام يفسر ويطرح الأسئلة ويبحث عن الحلول، من دون أن يتخلى عن دوره الرقابي. نحن بحاجة إلى قصص صحفية تجعل الأزمة مفهومة وقريبة من المواطن، وتكشف في الوقت نفسه عن المبادرات التي يمكن أن تساعد على التكيف معها. كما نحتاج إلى خطاب يميز بين ما هو ثابت علميًا، وما يزال محل نقاش، وما يتطلب قرارات سياسية أو اقتصادية. وأعتقد أيضًا أن التربية البيئية يجب أن تبدأ منذ المدرسة، وأن تتواصل عبر المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، لأن التعامل المسؤول مع الماء لا يمكن أن يتأسس في بضعة أسابيع من الحملات، بل يحتاج إلى تغيير تدريجي في الثقافة والسلوك. في النهاية، لا يمكن تقييم فاعلية التوعية بعدد الحملات أو الشعارات التي نطلقها، وإنما بمدى قدرتها على تغيير السلوك، وتعزيز فهم المواطنين للمخاطر، وتحفيز المؤسسات على اتخاذ قرارات أكثر استدامة. أزمة المياه ليست مجرد اختبار لقدرتنا على تدبير مورد طبيعي محدود؛ إنها أيضًا اختبار لقدرتنا على التواصل بشفافية، وعلى التخطيط للمستقبل، وعلى بناء علاقة أكثر مسؤولية بين المواطن والمؤسسات والموارد التي تقوم عليها حياتنا.
لا بد من التأكيد على أن أزمة المياه لا تُختزل في مسؤولية جهة واحدة أو في قرار منفرد. إنها حصيلة عوامل مناخية وبنيوية واقتصادية ومؤسساتية متداخلة، وتحديد المسؤوليات يقتضي النظر إلى هذه العوامل مجتمعة، من دون إعفاء أي طرف من المساءلة في حدود صلاحياته ومسؤولياته.
إنجاز الفيلم دام ثلاث سنوات. لماذا استغرق العمل كل هذه المدة، وكيف أثّر هذا الامتداد الزمني في رؤيتك للأزمة ؟
ثلاث سنوات من التصوير تعني أننا لم نكن أمام مهمة تصويرية عابرة، بل أمام عملية توثيق تطلّبت العودة إلى الميدان، ومتابعة التحولات، والاقتراب من الناس، ومحاولة فهم ما يحدث على امتداد الزمن.
القضايا البيئية لا يمكن دائمًا اختزالها في زيارة واحدة أو في مشهد يُصوَّر خلال يوم واحد. الجفاف، على وجه الخصوص، ظاهرة تتداخل فيها عوامل مناخية وطبيعية وبشرية، وتتراكم آثارها تدريجيًا. لذلك كان من المهم أن نمنح العمل الوقت اللازم لمراقبة التحولات وتوثيقها، وأن نعود إلى المناطق التي اخترنا التصوير فيها، حتى لا تكون الصورة مجرّد لقطة معزولة عن سياقها.
كما أن العمل الميداني يقتضي بناء علاقات من الثقة مع الأشخاص الذين نلتقي بهم. الفلاح ليس مجرّد شخصية تظهر أمام الكاميرا لتروي معاناتها، بل هو إنسان له تجربة طويلة مع الأرض والماء، وله مخاوف وتطلعات وأسئلة. الوصول إلى هذه التفاصيل يحتاج إلى الإصغاء والصبر، وإلى احترام إيقاع الحياة في المناطق التي نصوّر فيها.
على امتداد ثلاث سنوات من العمل، كنا نتابع باستمرار تراجع منسوب المياه في السدود التونسية، وكلما وصلتنا معلومة عن جفاف أحد السدود أو التراجع الحاد في موارده المائية، كنا نسعى إلى التنقل إلى عين المكان لتوثيق ما يحدث بالصورة والصوت. لم يكن الأمر مجرد تصوير لمشاهد الجفاف، بل كان محاولة لإقامة الدليل البصري على عمق التحدي الذي تواجهه تونس، وإبراز حجم التحولات التي تشهدها مواردنا المائية. وقد تطلّب ذلك العمل في ظروف مناخية قاسية، أحيانًا تحت درجات حرارة قصوى، فضلًا عن انتظار اللحظة المناسبة التي تكشف فيها الطبيعة عن حجم التراجع الذي نريد توثيقه. فالصورة الوثائقية لا تُصنع دائمًا عندما نريد نحن ذلك، بل عندما تسمح الظروف الميدانية بتسجيل الحقيقة كما هي، بكل ما تحمله من دلالات وإنذارات. لذلك كان الصبر، والمتابعة المتواصلة، والاستعداد للتحرك كلما ظهرت مؤشرات جديدة، جزءًا أساسيًا من رحلتنا. كنا نريد أن نقدم للمشاهد دليلًا ملموسًا على الخطر، لا أن نكتفي بالحديث عنه، وأن نجعل الكاميرا شاهدة على واقع قد لا يدرك الكثيرون عمقه إلا عندما يرونه بأعينهم. وقد منحنا هذا الامتداد الزمني فرصة لبناء سردية تجمع بين المشاهد الميدانية والشهادات الإنسانية والمعطيات العلمية، بدل الاكتفاء بتقديم تقرير بصري عن أزمة آنية.
أرى ضرورة تجاوز فكرة أن المواطن وحده مسؤول عن حماية الموارد المائية. صحيح أن السلوك الفردي مهم، وأن ترشيد الاستهلاك مسؤولية مشتركة، لكن مواجهة الشح المائي تتطلب أيضًا إدارة ناجعة للموارد، وتخطيطًا يأخذ بعين الاعتبار محدودية المياه، وتقييمًا للخيارات الزراعية والاقتصادية، واستثمارًا في الحلول الملائمة لكل منطقة
تعمدتم في هذا العمل تركيز عدسة الكامرا على جهات مختلفة. لماذا لم يتم الاقتصار على منطقة بعينها والحال أن الازمة واحدة ؟
كان من المهم بالنسبة إلينا أن ننظر إلى أزمة المياه باعتبارها قضية وطنية، مع الانتباه إلى أن تداعياتها تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب الخصائص الطبيعية والأنشطة الاقتصادية والواقع الاجتماعي.
لهذا تنقلنا بين عدد من المناطق، واشتغلنا على مواقع مختلفة، من بينها سدّ لبنة في ولاية نابل، ومناطق سدود هرتمة وسجنان، إلى جانب ماطر ومنزل بورقيبة. وقد سمح لنا هذا المسار بالاقتراب من أوضاع ميدانية متعددة، وملاحظة العلاقة بين الموارد المائية والأنشطة الفلاحية وحياة السكان المحليين.
لم يكن جفاف المياه في سدّ لبنة بولاية نابل على سبيل المثال مجرّد مشهد بيئي قاسٍ وثّقناه بالكاميرا، بل كان صورة عن تداعيات أزمة مائية تمتدّ آثارها إلى الفلاحة وتربية الماشية ومصادر رزق آلاف الأسر التي تعتمد على الأرض في تأمين قوتها اليومي. لقد عاينا كيف يمكن لتراجع الموارد المائية أن يربك النشاط الفلاحي، ويهدّد استمراريته، ويضع الفلاحين أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على محاصيلهم وماشيتهم ودخلهم. ومن خلال تصويرنا في محيط السدّ، حاولنا أن نكشف أن الماء ليس مجرّد مورد طبيعي، بل هو أساس لدورة اقتصادية واجتماعية كاملة، وأن غيابه لا يعني فقط جفاف المسطحات المائية، بل يهدّد أيضًا استقرار العائلات ومستقبلها. وهذا ما أردنا أن ينقله الفيلم: حين يجفّ الماء، لا تعطش الأرض وحدها، بل تتأثر حياة الإنسان وكرامته وقدرته على الصمود.
كل منطقة تحمل خصوصيتها. هناك اختلاف في طبيعة الأراضي، وفي الأنشطة التي يعتمد عليها السكان، وفي كيفية ارتباطهم بالماء، سواء من خلال الفلاحة أو من خلال استعمالات أخرى ترتبط بالحياة اليومية.
لكن ما يجمع هذه المناطق هو أن الماء لم يعد موردًا يمكن التعامل معه باعتباره مضمونًا أو متاحًا بالقدر نفسه الذي اعتاده الناس في الماضي.
أردنا أن نُظهر أن الجفاف لا يتوقف عند حدود السدود، ولا يمكن فهمه من خلال صورة منشأة مائية وحدها. فالماء الذي ينقص من المنظومة يترك أثره في الأرض، ثم في النشاط الفلاحي، ثم في دخل العائلات واستقرارها وقدرتها على مواصلة العمل.
كان التنقل بين المناطق محاولة لبناء صورة أكثر شمولًا، وللتأكيد على أن ما نراه في موقع معيّن قد يكون جزءًا من تحولات أوسع تستوجب المتابعة والفهم والتخطيط.
من أصعب المشاهد التي وثقها الفيلم مشاهد السدود التي تراجعت مواردها المائية. ماذا شعرتِ وأنتِ تقفين أمام هذه المناظر، خصوصًا خلال المواسم الحارة؟
كان التصوير في الظروف المناخية القاسية من أكثر التجارب التي تركت أثرًا في نفسي. نحن نتحدث عن مواقع ميدانية يصعب أحيانًا الوصول إلى بعض أجزائها، وعن درجات حرارة مرتفعة، وعن ساعات طويلة من العمل في فضاءات مكشوفة، حيث تصبح الحركة والتصوير والتركيز أكثر صعوبة.
لكن الجانب الأصعب لم يكن جسديًا فقط. كانت هناك لحظات تقفين فيها أمام مشهد طبيعي مختلف عمّا اعتدتِ رؤيته، فتجدين نفسك تتساءلين عن حجم التحولات التي تحدث من حولنا.
عندما نصوّر سدًّا أو نقترب من منطقة تراجع فيها منسوب المياه، فإننا لا نرى مجرّد مساحة مائية أصغر. نحن نرى آثار ذلك التراجع في المشهد الطبيعي، وفي النباتات، وفي الموائل التي تعتمد عليها كائنات حية مختلفة.
من أكثر اللحظات التي بقيت راسخة في ذاكرتي خلال هذا العمل، تلك التي وجدت فيها نفسي، رفقة فريق التصوير، نسير في قلب سدود لم نكن نتخيّل يومًا أن الكاميرا ستتمكن من الدخول إلى أعماقها، وأننا سنمشي يومًا فوق أرض كانت تغمرها المياه. كان المشهد صادمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ أرض متشققة، تتخللها أخاديد عميقة، وبقايا حياة توقفت في انتظار الماء. من أكثر المشاهد إيلامًا أن تطأ أقدامنا بقايا الهيكل العظمي لسلحفاة نفقت، أو أن تقع أعيننا على أسماك ماتت بعدما وجدت نفسها في مواجهة العطش، تبحث عن قطرة ماء في فضاء كان يفترض أن يكون موطنها. حولنا، كانت النباتات والأشجار قد جفّت، وبدت المساحات التي كانت تنبض بالحياة وكأنها فقدت روحها. حتى أصوات الطبيعة غابت؛ أماكن كانت تعجّ بزقزقة العصافير أصبحت صامتة، بعدما هجرت الطيور مواقع لم تعد قادرة على توفير شروط بقائها. كنا نمشي بالكاميرا بين هذه المشاهد، نحاول توثيقها دون أن نفقد قدرتنا على استيعاب قسوتها. في تلك اللحظات، لم تعد الكاميرا مجرّد أداة للتصوير، بل أصبحت شاهدة على موت صامت لا نسمعه، لكنه يترك آثاره في كل تفصيل من تفاصيل المكان. كان علينا أن نلتقط الصورة، وأن نمنح هذا المشهد حقه في التوثيق، لأن ما رأيناه لم يكن مجرد أرض جافة، بل منظومة حياة تتراجع أمام أعيننا. أكثر ما كان يؤلمني هو أنني لم أكن أصوّر ما قد يحدث يومًا، بل كنت أوثّق ما حدث بالفعل؛ وكأننا دخلنا إلى ذاكرة الماء بعد أن انحسر، لنكتشف ما تركه وراءه من آثار الحياة التي لم تستطع الانتظار.

ما أثار قلقي هو أن هذه المشاهد لم تكن تُقدَّم لنا بوصفها صورًا افتراضية لما قد يحدث مستقبلًا، بل كانت مشاهد نراها أمامنا ونعمل على توثيقها.
أتذكر أن فكرة المستقبل أصبحت أكثر حضورًا في ذهني خلال هذه التجربة. بدأت أفكر في ما الذي يمكن أن يحدث إذا استمرت الضغوط على الموارد المائية، وفي قدرة المنظومات الطبيعية على التعافي، وفي ما يمكن أن يواجهه الفلاحون والأجيال القادمة.
لقد شعرت بالخوف، نعم، لكنّه لم يكن خوفًا منفصلًا عن عملي المهني. كان قلقًا نابعًا من مسؤولية التوثيق، ومن إدراك أن الصورة التي نسجلها اليوم قد تصبح غدًا وثيقة تذكّرنا بحجم التحولات التي عشناها، وبضرورة التعامل معها بجدية.
من أكثر المشاهد إيلامًا أن تطأ أقدامنا بقايا الهيكل العظمي لسلحفاة نفقت، أو أن تقع أعيننا على أسماك ماتت بعدما وجدت نفسها في مواجهة العطش، تبحث عن قطرة ماء في فضاء كان يفترض أن يكون موطنها.
بعض المشاهد بدت مختلفة عمّا عرفته تونس في سنوات سابقة، حتى خلال فترات الحر الشديد. هل غيّرت تجربة التصوير نظرتك إلى الجفاف؟
بالتأكيد، لأن التجربة الميدانية تمنحك مستوى من المعاينة يصعب أن توفره القراءة وحدها.
في السابق، كانت تونس عرضة لفترات من الجفاف، وأن درجات الحرارة المرتفعة تؤثر في الموارد المائية. لكن ما لفت انتباهي خلال التصوير هو حجم التراجع الذي يمكن أن تبلغه الموارد، والمشاهد التي تكشف عن ضغط شديد على بعض المنظومات الطبيعية.
عندما أتذكر فترات الحر التي عشناها في سنوات سابقة، أستحضر أن الحرارة المرتفعة لم تكن بالنسبة إليّ مرتبطة تلقائيًا بمشاهد الجفاف الحاد التي وثقناها خلال العمل. لكن من الضروري هنا التمييز بين الذاكرة الشخصية والمقارنة العلمية؛ فتحديد حجم التغير في مخزون السدود يتطلب الرجوع إلى السلاسل الزمنية للمعطيات المائية والمناخية، وليس الاكتفاء بالملاحظة البصرية.
ما يمكنني قوله هو أن المشاهد التي وثقناها دفعتني إلى إدراك أن المسألة لا تتعلق بدرجة الحرارة وحدها، بل بتراكم الضغوط على الموارد المائية، وبمدى انتظام التساقطات، وبحجم المياه المتاحة، وبكيفية إدارة الطلب عليها.
الجفاف ليس مجرد أرض يابسة أو سدّ منخفض المنسوب. إنه نتيجة تفاعل عوامل متعددة، وقد تتفاوت آثاره من سنة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى.
ومن أكثر القصص الإنسانية التي تختزل قسوة الجفاف، قصة البحّار الذي كان يعيش من تربية الأحياء المائية في أحد السدود التلية بمنزل بورقيبة، قبل أن تتحول المياه التي كانت مصدر رزقه إلى أرض جافة، وتتحول معها أحلامه إلى مواجهة يومية مع الخسارة. جفاف السد لم يكن بالنسبة إليه مجرد تغير في المشهد الطبيعي، بل كان موتًا للأسماك التي يعتمد عليها في نشاطه، وضربة مباشرة لمورد رزقه وتوازنه الاقتصادي، امتدت تداعياتها إلى عائلته واستقرارها وقدرتها على مواجهة أعباء الحياة. هكذا، في لحظة واحدة، وجد نفسه أمام واقع لم يكن يتوقعه، حيث لم تعد خبرته ولا سنوات عمله كافية لحمايته من كارثة بيئية قلبت حياته رأسًا على عقب. وإلى جانب هذه القصة، برزت تجربة بدر جمعة، المصوّر المختص في الحياة البرية، الذي وجد نفسه عاجزًا عن تحمّل المشاهد التي باتت تطبع مدينته منزل بورقيبة؛ مشاهد الجفاف التي غيّرت ملامح أماكن عرفها نابضة بالحياة، وهددت الكائنات التي اعتاد توثيقها بعدسته. فبالنسبة إلى بدر، لم تكن المسألة مجرد فقدان لمشهد طبيعي جميل، بل كانت شعورًا عميقًا بالعجز أمام تراجع الحياة من حوله، وهو الذي كرّس جزءًا من عمله لتصوير جمال الطبيعة وكائناتها. بين أسماك نفقت، ورجل فقد مصدر رزقه، ومصوّر لم يعد يحتمل ما تراه عيناه، تتجسد الحكاية الحقيقية للجفاف: أزمة لا تجفّ فيها المياه وحدها، بل تتصدع معها سبل العيش، ويتسلل القلق إلى البيوت، ويجد الإنسان نفسه في مواجهة خسارات تتجاوز ما تستطيع الكاميرا أن تحصيه.
لهذا أعتبر أن الفيلم لا يقدّم حكمًا علميًا نهائيًا على تطور المناخ أو على مستقبل السدود، وإنما يضع أمام المشاهد واقعًا موثقًا، ويدعوه إلى فهمه في ضوء المعطيات العلمية، وإلى التفكير في ما ينبغي القيام به لتقليل المخاطر.
في الفيلم، لا يبدو الجفاف مجرّد تراجع في منسوب المياه، بل تحوّلًا يمسّ الحياة نفسها. كيف انعكس ذلك على المشاهد التي اخترتِ توثيقها؟
كان من المهم بالنسبة إليّ ألا أتعامل مع الجفاف بوصفه صورة جمالية للأرض المتشققة أو للسدود التي تراجعت مياهها. هذه الصور مؤثرة بصريًا، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الأزمة.
أردت أن نرى ما وراء المشهد، وأن نقترب من الحياة التي ترتبط بالماء. عندما تتراجع الموارد، فإن النباتات تتأثر، وتتغير ظروف نموّها، وتصبح بعض الأنشطة الفلاحية أكثر صعوبة. كما تتأثر المواطن الطبيعية التي تعتمد عليها كائنات حية مختلفة، وقد تواجه بعض الأنواع ضغوطًا متزايدة عندما تتراجع المياه أو تتدهور نوعيتها.
خلال التصوير، كانت مشاهد الجفاف تثير لديّ أسئلة عن قدرة الطبيعة على الصمود، وعن حدود الضغط الذي يمكن أن تتحمله المنظومات البيئية قبل أن تبدأ بفقدان بعض وظائفها.
ولا أريد أن أقدّم كل ما شاهدناه باعتباره دليلًا مباشرًا على اختفاء الحياة أو انقراض أنواع معينة، لأن مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى معطيات علمية متخصصة. لكن ما يمكن للكاميرا أن توثقه هو التغير في المشهد الطبيعي، وتراجع المياه في المواقع التي صوّرناها، والآثار المرئية التي تستدعي اهتمام الخبراء ومتابعة الباحثين.
ومن أكثر القصص الإنسانية التي تختزل قسوة الجفاف، قصة البحّار الذي كان يعيش من تربية الأحياء المائية في أحد السدود التلية بمنزل بورقيبة، قبل أن تتحول المياه التي كانت مصدر رزقه إلى أرض جافة، وتتحول معها أحلامه إلى مواجهة يومية مع الخسارة. جفاف السد لم يكن بالنسبة إليه مجرد تغير في المشهد الطبيعي، بل كان موتًا للأسماك التي يعتمد عليها في نشاطه، وضربة مباشرة لمورد رزقه وتوازنه الاقتصادي، امتدت تداعياتها إلى عائلته واستقرارها وقدرتها على مواجهة أعباء الحياة. هكذا، في لحظة واحدة، وجد نفسه أمام واقع لم يكن يتوقعه، حيث لم تعد خبرته ولا سنوات عمله كافية لحمايته من كارثة بيئية قلبت حياته رأسًا على عقب. وإلى جانب هذه القصة، برزت تجربة بدر جمعة، المصوّر المختص في الحياة البرية، الذي وجد نفسه عاجزًا عن تحمّل المشاهد التي باتت تطبع مدينته منزل بورقيبة؛ مشاهد الجفاف التي غيّرت ملامح أماكن عرفها نابضة بالحياة، وهددت الكائنات التي اعتاد توثيقها بعدسته. فبالنسبة إلى بدر، لم تكن المسألة مجرد فقدان لمشهد طبيعي جميل، بل كانت شعورًا عميقًا بالعجز أمام تراجع الحياة من حوله، وهو الذي كرّس جزءًا من عمله لتصوير جمال الطبيعة وكائناتها. بين أسماك نفقت، ورجل فقد مصدر رزقه، ومصوّر لم يعد يحتمل ما تراه عيناه، تتجسد الحكاية الحقيقية للجفاف: أزمة لا تجفّ فيها المياه وحدها، بل تتصدع معها سبل العيش، ويتسلل القلق إلى البيوت، ويجد الإنسان نفسه في مواجهة خسارات تتجاوز ما تستطيع الكاميرا أن تحصيه.
لقد أردت أن يشعر المشاهد بأن الماء ليس عنصرًا منفصلًا عن بقية مكونات البيئة. إنه جزء من شبكة مترابطة، وأي اضطراب فيه يمكن أن ينعكس على عناصر أخرى.
وهذا ما يجعل أزمة المياه قضية تتجاوز الفلاحة والاستهلاك اليومي، لتصبح مسألة مرتبطة باستمرارية الحياة والتوازنات الطبيعية.
الفيلم لا يقدّم حكمًا علميًا نهائيًا على تطور المناخ أو على مستقبل السدود، وإنما يضع أمام المشاهد واقعًا موثقًا، ويدعوه إلى فهمه في ضوء المعطيات العلمية، وإلى التفكير في ما ينبغي القيام به لتقليل المخاطر.
يبرز سدّ لبنة في نابل، إلى جانب مواقع أخرى مثل هرتمة وسجنان وماطر ومنزل بورقيبة. ماذا أضاف التصوير في هذه المواقع إلى بناء الفيلم؟
أضافت هذه المواقع إلى الفيلم بُعدًا ميدانيًا مهمًا، لأنها سمحت لنا بمقاربة أزمة المياه من خلال فضاءات مختلفة، بدل تقديمها في صورة عامة لا تراعي خصوصية كل منطقة.
في سدّ لبنة بنابل، كما في بقية المواقع التي شملها التصوير، كانت الأولوية هي توثيق ما يظهر أمام الكاميرا، وربط المشاهد بالسياق الذي تعيشه المناطق المحيطة بها.
كان علينا أن ننتبه إلى التفاصيل: طبيعة المكان، وما تكشفه المشاهد عن وضع المياه، وكيفية الوصول إلى الموقع، وما يمكن أن يضيفه حديث السكان والخبراء إلى فهمنا لما نراه.
لكن قيمة هذه المواقع لا تكمن فقط في الصورة التي التقطناها. إنها أيضًا في الأسئلة التي تثيرها: ما طبيعة التحولات التي شهدتها هذه الموارد؟ كيف تؤثر في الأنشطة المرتبطة بها؟ وما مدى استعدادنا لمواجهة فترات أخرى من الضغط المائي؟
لقد أردنا أن تكون هذه المواقع جزءًا من سردية متكاملة، تتجاور فيها الصورة مع الشهادة الإنسانية والمعرفة العلمية.
ومن المهم التأكيد أن تصوير موقع مائي في لحظة معينة لا يكفي وحده للحكم على وضعه العام أو على تطوره عبر السنوات. لذلك كان التعاون مع المختصين ضروريًا حتى نضع المشاهد في سياقها الصحيح، ونميّز بين ما توثقه الكاميرا مباشرة وما يحتاج إلى تفسير علمي.
الفيلم أُنجز بالتعاون مع منظمة CEFA ومشروع PRESTo كيف أسهم هذا التعاون في الجمع بين العمل الوثائقي والخبرة الميدانية في المجال الفلاحي؟
كان التعاون مع CEFA تونس، في إطار مشروع PRESTo، عنصرًا مهمًا في إنجاز الفيلم، لأنه أتاح لنا العمل ضمن سياق يرتبط بالواقع الفلاحي وبالتحديات التي تواجه المجتمعات المحلية.
عندما ننجز فيلمًا عن أزمة المياه، فإننا نحتاج إلى أكثر من القدرة على التصوير والسرد. نحتاج أيضًا إلى فهم السياق الذي تحدث فيه التحولات، وإلى الاستماع إلى أشخاص يمتلكون خبرة ميدانية متراكمة، سواء في المجال الفلاحي أو في متابعة التغيرات التي تمسّ حياة السكان.
لقد أتاح لنا هذا العمل المشترك فرصة الاقتراب من تجارب ترتبط بالواقع اليومي للفلاحين، ومن الأسئلة المتعلقة باستمرارية النشاط الفلاحي وقدرته على التكيف مع نقص المياه.
ما يهمني في هذا النوع من التعاون هو ألا تظل المعرفة العلمية أو الخبرة الميدانية منفصلة عن العمل الإعلامي. فالفيلم الوثائقي يستطيع أن يحوّل المعارف والخبرات إلى مادة بصرية وإنسانية تساعد الجمهور على فهم القضية بصورة أقرب إلى حياته.
كما أن التعاون مع منظمة تمتلك خبرة في المجال يتيح بناء جسور بين المعرفة التي تتشكل في الميدان، والأسئلة التي يطرحها العمل الصحفي، والرسالة التي نريد إيصالها إلى الجمهور.
وأود التأكيد أن الفيلم ليس مجرد عرض لأنشطة مشروع أو توثيق لعمل مؤسسة. إنه عمل وثائقي مستقل في مقاربته السردية، يستفيد من الخبرات المتاحة من أجل تقديم قضية المياه من زوايا متعددة.
إلى جانب المقابلات الميدانية مع المعنيين بالأمر، استعنتِ بخبراء تونسيين في السياسات المائية. كيف كانت انتظاراتك من خلال هذه المداخلات ؟
أضافت المداخلات العلمية بُعدًا أساسيًا، لأنها ساعدتنا على تجاوز الوصف البصري نحو طرح الأسئلة المتعلقة بأسباب الأزمة وآليات إدارتها والخيارات الممكنة لمواجهتها.
الصورة قادرة على إظهار تراجع المياه، لكنها لا تستطيع وحدها تفسير جميع العوامل التي أدت إلى ذلك. لا يمكن للكاميرا أن تحدد، بمفردها، أثر تراجع التساقطات مقارنة بالطلب على المياه، أو أن تشرح السياسات المائية، أو أن تقيّم خيارات إدارة الموارد على المستوى الوطني.
هنا تأتي أهمية الخبراء. فهم يتيحون لنا فهم العلاقة بين المعطيات المناخية، ومخزون الموارد المائية، والأنشطة الاقتصادية، والسياسات العمومية التي تنظم استعمال الماء وتوزيعه.
كما أن إدراج هذه المداخلات يساعد على وضع التجارب الفردية داخل إطار أوسع. فعندما يتحدث فلاح عن صعوبة تأمين المياه لنشاطه، تكون شهادته أساسية لفهم الأثر الإنساني للأزمة. لكننا نحتاج أيضًا إلى فهم السياق الذي يفسر هذه الصعوبات، والخيارات المتاحة للتعامل معها، وحدود الحلول الممكنة.
كان هدفنا أن يتكامل الصوت العلمي مع الصوت الإنساني، لا أن يطغى أحدهما على الآخر. فالفيلم لا ينبغي أن يتحول إلى محاضرة تقنية، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن أن يكتفي بالعاطفة وحدها.
أعتقد أن نجاح الفيلم الوثائقي البيئي يتحقق عندما يمنح المشاهد فرصة للشعور بالمشكلة، وفهم أبعادها، ثم التفكير في الحلول والمسؤوليات.
رغم صعوبة التواصل مع المصادر الرسمية كانت الإدارة العامة للسدود التابعة لوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري استثناء في هذا الشأن؟ كيف تقيمون هذا التواصل؟
كان التعاون مع الإدارة العامة للسدود مهمًا في مسار العمل، لأنه فتح أمامنا المجال للتعرف عن قرب إلى جانب تقني لا يظهر عادة في الصور المتداولة عن أزمة المياه. عندما يشاهد الجمهور سدًّا من بعيد، فإنه يرى منشأة ضخمة مرتبطة بالماء، لكنه قد لا يعرف حجم العمل التقني والهندسي الذي يتطلبه تشغيلها ومتابعتها وإدارة مواردها.
من خلال التواصل مع المهندسين والفنيين، أتيحت لنا فرصة الاقتراب من طبيعة هذه المنشآت، والتعرف إلى بعض الجوانب المرتبطة بإدارتها ومتابعتها، وإلى الدور الذي تؤديه الكفاءات المختصة في التعامل مع وضع الموارد المائية.
لقد ساعدنا هذا التعاون على إدراك أن إدارة السدود ليست مجرد عملية مراقبة لمنسوب المياه، بل عمل تقني يتطلب متابعة مستمرة، ومعرفة بخصائص المنشأة، واهتمامًا بالسلامة والتشغيل، إلى جانب التنسيق مع مختلف المتدخلين في منظومة الموارد المائية.
كما أتاح لنا الاستماع إلى أصحاب الاختصاص طرح أسئلة أكثر دقة، وتقديم صورة أقرب إلى الواقع عن طبيعة العمل داخل هذه المنشآت.
ومن المهم بالنسبة إلينا، كصحفيين وصنّاع أفلام وثائقية، أن نفتح الكاميرا على هذه الجوانب التي لا تحظى دائمًا بالاهتمام نفسه. ففهم أزمة المياه يقتضي فهم الموارد نفسها، والبنية التحتية التي تخزنها وتنظمها، والمؤسسات التي تتولى إدارتها، والتحديات التي تواجهها.
وأود هنا أن أشير إلى أن التعاون مع الإدارة المختصة لا يعوّض العمل العلمي المستقل، لكنه يثريه من خلال توفير معرفة تقنية مباشرة، ويساعد على تقديم القضية بصورة أكثر توازنًا ودقة.
قدمت شهادات الفلاحين والسكان المحليين في شكل سردي متناسق مع الصورة ؟ الا تعتبرين ان هذا التوجه يعتبر تحديا في مثل هذه الأعمال الوثائقية ؟
كان التحدي هو أن نمنح المعاناة حقها في الظهور، من دون أن نجعلها العنصر الوحيد الذي يحدد صورة الأشخاص والمناطق التي نصوّر فيها.
عندما يروي فلاح تجربته مع نقص المياه، فإننا لا نستمع إلى شكوى عابرة، بل إلى شهادة مرتبطة بسنوات من العمل والخبرة والارتباط بالأرض. وقد تكون هناك تفاصيل صغيرة في طريقة حديثه أو في حركته أو في صمته، تكشف عن جانب من تجربته أكثر مما تكشفه الكلمات وحدها.
لهذا أعتبر أن الإصغاء جزء من عملية التصوير، وليس مجرد مرحلة تسبق تشغيل الكاميرا. يجب أن نمنح الشخص الوقت الكافي، وأن نفهم السياق الذي يتحدث فيه، وأن ننتبه إلى ما يريد التعبير عنه، لا إلى ما نريد نحن سماعه فقط.
أما من الناحية السردية، فقد حاولنا أن نجعل الشهادات تتكامل مع المشاهد الميدانية والمعطيات العلمية. فالصورة لا تأتي لتزيين الكلام، والشهادة لا تأتي لتفسير الصورة بصورة آلية، بل ينشأ بينهما حوار يساعد المشاهد على إدراك أبعاد التجربة.
كذلك، لا أريد أن يظهر السكان المحليون بوصفهم أشخاصًا عاجزين تمامًا أمام الأزمة. صحيح أن الجفاف يفرض تحديات كبيرة، لكن من المهم أيضًا توثيق ما يمتلكه الناس من معرفة وتجارب، وما يحاولون القيام به للتكيف مع الظروف المتغيرة.
السينما الوثائقية، في رأيي، ليست وسيلة لاستعراض الألم، بل مساحة لفهم الإنسان في سياقه، والإنصات إليه، وإعادة وضع تجربته ضمن النقاش العام حول القضايا التي تمسّ حياته.

إلى أي مدى يمكن للسينما الوثائقية أن تسهم في التوعية بالأزمات البيئية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضية معقدة مثل ندرة المياه ؟
أعتقد أن السينما الوثائقية تمتلك قدرة خاصة على تقريب القضايا البيئية من الجمهور، لأنها تجمع بين الصورة والصوت والشخصيات والسرد، وتمنح المشاهد فرصة للدخول إلى أماكن قد لا يعرفها، وللاقتراب من تجارب ربما لم تتح له فرصة معايشتها.
في القضايا البيئية، هناك خطر أن تتحول المعلومات إلى أرقام متكررة يفقد الجمهور تدريجيًا قدرته على التفاعل معها. عندما نسمع أن الموارد المائية تتراجع، أو أن الجفاف يشتد، قد نفهم المعنى العام، لكننا لا ندرك دائمًا كيف ينعكس ذلك على الحياة اليومية.
أما عندما نشاهد فلاحًا يتحدث عن علاقته بأرضه، ونرى موقعًا مائيًا في ظروف صعبة، ونستمع إلى خبير يشرح السياق العلمي، فإننا ننتقل من المعلومة المجردة إلى تجربة أكثر تكاملًا.
لكنني لا أعتقد أن دور الفيلم الوثائقي يقتصر على إثارة المشاعر. التوعية الحقيقية تحتاج إلى معلومات دقيقة، وإلى سرد مسؤول، وإلى قدرة على طرح الأسئلة وربطها بالواقع.
كما أن الفيلم لا يمكن أن يحلّ محل السياسات العمومية أو الدراسات العلمية أو البرامج الميدانية. دوره هو أن يفتح نافذة على القضية، وأن يجعلها أكثر حضورًا في النقاش العام، وأن يشجع الجمهور على البحث والفهم والمساءلة.
بالنسبة إليّ، فإن نجاح الفيلم البيئي لا يقاس فقط بعدد المشاهدات أو بحجم التأثر الذي يتركه لدى الجمهور، بل أيضًا بقدرته على تغيير طريقة التفكير في القضية التي يعالجها، وعلى جعل الناس أكثر استعدادًا للإنصات إلى المعرفة العلمية وإلى تجارب المجتمعات المتأثرة.
أعتقد أن السينما الوثائقية تمتلك قدرة خاصة على تقريب القضايا البيئية من الجمهور، لأنها تجمع بين الصورة والصوت والشخصيات والسرد، وتمنح المشاهد فرصة للدخول إلى أماكن قد لا يعرفها، وللاقتراب من تجارب ربما لم تتح له فرصة معايشتها.
“أحييني اليوم” هو امتداد لاهتمامك الصحفي والسينمائي بالقضايا البيئية. ما هو الخيط الناظم بين هذا العمل وأعمالك السابقة ؟
نعم، أعتبر “أحييني اليوم” جزءًا من مسار مهني متواصل في الصحافة والإنتاج السمعي البصري والسينما الوثائقية، حيث تشغل القضايا البيئية مساحة أساسية من اهتمامي.
من خلال عملي الصحفي، تعلمت أن الصورة ليست مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل أداة لتوثيق التحولات وفهمها، وأن العمل الميداني يتيح الاقتراب من تفاصيل قد لا تظهر في التقارير المختصرة.
أما في السينما الوثائقية، فقد حاولت تطوير هذه المقاربة من خلال أعمال تشتغل على قضايا بيئية وإنسانية متداخلة.
في فيلم «الأحمر» (The Red)، تناولت قضية الاتجار بالمرجان الأحمر، وهي قضية تكشف عن العلاقة بين الثروات الطبيعية والأنشطة الاقتصادية وشبكات الاستغلال التي تهدد الموارد البحرية.
وفي فيلم «زريعة» (Seeds)، اشتغلت على أهمية البذور والسيادة الغذائية، وعلى العلاقة بين الممارسات الزراعية والمعرفة المحلية ومستقبل النظم الغذائية. كما تناولت أعمال أخرى قضايا بيئية مرتبطة بالموارد الطبيعية والأنشطة البشرية، من بينها «صياد الأشباح» الذي يتناول مشكلة معدات الصيد الشبحية وتأثيراتها في البيئة البحرية.
تختلف موضوعات هذه الأفلام، لكنها تلتقي عند سؤال أساسي: كيف تؤثر الخيارات البشرية والأنشطة الاقتصادية والسياسات المعتمدة في الموارد الطبيعية، وكيف تنعكس هذه التأثيرات على حياة المجتمعات؟
في «أحييني اليوم»، يصبح الماء محور الحكاية، لكنه يقودنا أيضًا إلى قضايا أخرى، مثل استمرارية الفلاحة، والأمن الغذائي، والعدالة في الوصول إلى الموارد، وقدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع التحولات المناخية.
أعتقد أن هذا التراكم في التجربة يساعدني على التعامل مع القضايا البيئية من زوايا مختلفة، وعلى تطوير لغة سينمائية تحاول الجمع بين الدقة الصحفية والحس الإنساني والاهتمام بالجماليات البصرية.
بصفتك مؤسسة لمنصة «كوسموس ميديا» المتخصصة في الإعلام البيئي، كيف ترين العلاقة بين الصحافة البيئية والسينما الوثائقية؟ وهل يستطيع الفيلم الوصول إلى جمهور لا تبلغه المقالات والتقارير؟
أرى أن الصحافة البيئية والسينما الوثائقية مساران متكاملان، رغم اختلاف أدواتهما وإيقاع العمل فيهما.
الصحافة تمنحنا القدرة على متابعة الأحداث، والتحقق من المعلومات، وتفسير المعطيات، ومساءلة الجهات المعنية. أما الفيلم الوثائقي، فيتيح لنا العودة إلى الميدان، ومتابعة الشخصيات، وبناء سردية تسمح للمشاهد بفهم القضية من خلال الزمن والتجربة الإنسانية.
من خلال «كوسموس ميديا»، نعمل على تقريب القضايا البيئية من الجمهور، وعلى تقديم محتوى يساعد على فهم التحديات التي تواجه تونس، مع الاهتمام بالحلول والمبادرات والتجارب المحلية.
وأؤمن بأن التوعية البيئية تحتاج إلى تنويع الأشكال الإعلامية. فهناك من يفضّل قراءة مقال معمق، وهناك من يتفاعل أكثر مع تقرير مصور أو فيديو قصير، وهناك من يحتاج إلى تجربة مشاهدة فيلم وثائقي كامل حتى يتمكن من التفاعل مع القضية بعمق أكبر.
الفيلم يمنح المشاهد وقتًا لمرافقة الشخصيات، وملاحظة التفاصيل، والانتقال بين الأمكنة، وفهم العلاقة بين الأسباب والنتائج. وهذه تجربة مختلفة عن استهلاك المعلومات في شكل مقتطفات سريعة.
لكن الوصول إلى الجمهور لا يتحقق بمجرد إنتاج فيلم جيد. هناك أيضًا تحديات التوزيع، وإتاحة العروض، والوصول إلى المؤسسات التعليمية والثقافية، وتنظيم النقاشات بعد المشاهدة.
لهذا أعتبر أن الفيلم الوثائقي يجب أن يكون بداية لحوار، لا نهاية له. فالقيمة الحقيقية تكمن في أن يتحول العمل الفني إلى مناسبة للتفكير والنقاش، وأن يساهم في جعل القضايا البيئية جزءًا من الوعي العام.
ماهي الرسالة التي ترغبين في أن تصل إلى صناع القرار من خلال هذا الفيلم؟
أتمنى أن يكون الفيلم مناسبة لإعادة التفكير في أزمة المياه بوصفها قضية استراتيجية ترتبط بمستقبل البلاد، وليس فقط مسألة موسمية تظهر عندما تتراجع التساقطات أو تنخفض مستويات السدود.
نحتاج إلى سياسات مائية تستند إلى المعطيات العلمية، وتأخذ في الاعتبار التحولات المناخية، وحاجات القطاعات المختلفة، وقدرة المنظومات الطبيعية على الاستمرار.
كما أعتقد أن هناك حاجة إلى تعزيز الحوار بين مختلف المتدخلين: المؤسسات العمومية، والخبراء والباحثين، والفاعلين في المجال الفلاحي، والمجتمعات المحلية، والإعلام.
الفلاحون والسكان المحليون يجب أن يكونوا جزءًا من هذا النقاش، لأنهم يمتلكون معرفة ميدانية مهمة، ولأنهم من بين الفئات التي تتأثر مباشرة بالقرارات المتعلقة باستعمال المياه وإدارتها.
ومن الضروري أيضًا أن تترافق السياسات مع جهود مستمرة للتوعية، حتى يدرك المواطنون أن أزمة المياه لا تخص منطقة واحدة أو قطاعًا واحدًا، بل ترتبط باستمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في تونس.
لا يمكن لفيلم واحد أن يقدم حلولًا نهائية لأزمة معقدة، لكنه يستطيع أن يساهم في وضع الأسئلة الأساسية أمام الجمهور، وأن يفتح المجال أمام نقاش مبني على المعرفة والمسؤولية.
أزمة المياه أكبر من قدرة على التأثير فيها لكن رغم ذلك مسؤوليته لا يمكن انكارها.
أتفهم هذا الشعور، لأن أزمة المياه تبدو في بعض الأحيان أكبر من قدرة الفرد على مواجهتها. لكن من المهم أن نميز بين مسؤولية المواطن الفردية والمسؤولية الجماعية والمؤسساتية.
من الضروري أن نعمل على ترشيد استعمال المياه، وأن ننتبه إلى الممارسات اليومية التي تؤدي إلى هدرها. لكن لا يمكن أن نختزل الأزمة في سلوك الأفراد وحدهم، لأن إدارة الموارد المائية تتطلب أيضًا بنية تحتية مناسبة، وسياسات فعالة، وتخطيطًا طويل المدى، ومعرفة علمية دقيقة.
المواطن يحتاج إلى أن يفهم ما يحدث، وأن يحصل على المعلومات، وأن يكون قادرًا على المشاركة في النقاش العام حول الخيارات التي تؤثر في الموارد المائية.
كما أن التضامن مع المناطق والفئات التي تواجه صعوبات أكبر في الوصول إلى المياه يمثل جزءًا من المسؤولية الجماعية.
ما أتمناه هو أن تتحول أزمة المياه من موضوع يثير القلق فقط إلى قضية تحفز على الفهم والمشاركة والعمل. فالإحساس بالخطر لا ينبغي أن يقودنا إلى الاستسلام، بل إلى البحث عن طرق أكثر استدامة لإدارة مواردنا.
أتمنى أن يكون الفيلم مناسبة لإعادة التفكير في أزمة المياه بوصفها قضية استراتيجية ترتبط بمستقبل البلاد، وليس فقط مسألة موسمية تظهر عندما تتراجع التساقطات أو تنخفض مستويات السدود.
بعد ثلاث سنوات من العمل، ما الذي بقي معك من تجربة “أحييني اليوم”؟ وهل غيّر الفيلم شيئًا في علاقتك بالكاميرا وبالموضوعات التي تختارينها؟
بقيت معي، قبل كل شيء، الوجوه التي التقيتها والأماكن التي زرتها. هناك صور لا تنتهي بانتهاء التصوير، لأنها ترتبط بأسئلة تظل مفتوحة في ذهنك.
بقيت معي أيضًا صعوبة العمل في الظروف المناخية القاسية، واللحظات التي كنا نحاول فيها توثيق مشهد طبيعي أو الاستماع إلى شهادة، بينما كانت الأسئلة المتعلقة بالمستقبل تفرض نفسها علينا.
لكن ما بقي معي كذلك هو أهمية العمل الجماعي. فالفيلم لم يكن ممكنًا من دون تعاون CEFA تونس ومشروع PRESTo، والخبراء الذين ساهموا في إثرائه، والتعاون مع الإدارة العامة للسدود، والمهندسين والفنيين الذين أتاحوا لنا فهم بعض الجوانب التقنية، إلى جانب الفلاحين والسكان المحليين الذين شاركونا تجاربهم.
لقد أكدت لي هذه التجربة أن الفيلم الوثائقي ليس مجرّد عمل بصري يُنجز ثم يُعرض. إنه مسار طويل من البحث والإصغاء والتحقق والاختيار، ومن محاولة بناء علاقة بين الصورة والمعرفة والإنسان.
أما الكاميرا، فأعتقد أن مسؤوليتها تصبح أكبر عندما تتعامل مع قضايا ترتبط بمستقبل المجتمعات والموارد الطبيعية. يجب ألا تكتفي بتسجيل ما يحدث، بل أن تساعد على فهمه، وأن تحافظ على كرامة الأشخاص الذين تظهرهم، وأن تتجنب المبالغة أو تقديم استنتاجات لا تدعمها المعطيات.
«أحييني اليوم» جعلني أكثر اقتناعًا بأهمية الاستمرار في العمل على القضايا البيئية، وبضرورة تطوير أشكال إعلامية قادرة على الجمع بين الدقة الصحفية والسرد الإنساني.
مع آخر مشهد من “أحييني اليوم”، ما هي الرسالة التي اردت ان تبلغيها للمشاهد؟
أريده أن يتوقف قليلًا، وأن يفكر في علاقته بالماء، وفي معنى أن تصبح هذه المادة الأساسية للحياة مصدر قلق يومي بالنسبة إلى عدد متزايد من الناس.
لا أريد أن يغادر المشاهد الفيلم وهو يشعر بالخوف فقط، بل أن يدرك أن وراء كل مشهد قصة، ووراء كل مورد مائي منظومة كاملة من العلاقات الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية.
أريده أن يفكر في الفلاحين الذين التقيناهم، وفي العائلات التي تحاول الاستمرار في ظروف صعبة، وفي النباتات والكائنات الحية التي تعتمد على توازنات بيئية قد تصبح أكثر هشاشة عندما تتراجع الموارد المائية.
وأريده أيضًا أن يدرك أن الأزمة لا تخص المستقبل البعيد، بل ترتبط بخيارات نتخذها اليوم، وبالطريقة التي نفهم بها الماء ونديره ونحميه.
بالنسبة إليّ، فإن «أحييني اليوم» ليس مجرد عنوان لفيلم عن الجفاف. إنه نداء إلى الوعي والمسؤولية، وإلى إدراك أن حماية الماء تعني حماية الحياة بكل أبعادها.
في النهاية، السؤال الذي يطرحه الفيلم ليس فقط: أين ذهبت المياه؟ بل أيضًا: كيف سنحافظ على ما تبقى منها، وكيف سنضمن أن تظل الأرض قادرة على العطاء، وأن يجد الإنسان ما يحتاج إليه ليواصل حياته بكرامة؟
“أحييني اليوم” هو دعوة إلى النظر إلى أزمة المياه من داخل التجربة الإنسانية، وإلى فهم أن ما يتراجع في السدود لا يبقى محصورًا خلف جدرانها، بل يمتد أثره إلى الحقول والبيوت ومستقبل الأجيال القادمة.