بقلم : منال صالح *
شهد اليوم الثاني من الملتقى العلمي الدولي المنعقد بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، محطة فكرية بارزة تمثلت في جلسة علمية رفيعة المستوى تحت عنوان: “الممارسات الاتصالية والبحث العلمي: المنهجية والإبستيمولوجيا في عصر الذكاء الاصطناعي“.
ترأس الجلسة الأستاذ منصف اللواتي،رئيس لجنة الدكتوراه بالمعهد، ونسقت أشغالها الدكتورة سمية الودرني، أستاذة مساعدة بمخبر الإعلام والاتصال والسياقات الانتقالية,معهد الصحافة و علوم الاخبار، حيث اجتمعت رؤى الخبراء لرسم خارطة طريق واضحة للتعامل مع الثورة الرقمية داخل الوسط الأكاديمي.
سيادة علمية وقواعد بيانات عربية
شددت الأستاذة هندة الفقيه، أستاذة الرياضيات التطبيقية ونائبة رئيس جامعة تونس المنار، في مداخلتها حول المقاربة التقنية والأخلاقية، على أن الذكاء الاصطناعي هو “مساعد” للعقل البشري وليس بديلاً عنه. ودعت في هذا السياق الى ضرورة إنشاء قاعدة بيانات باللغة العربية لضمان إبراز الإنتاج العلمي المحلي وحمايته. كما اقترحت استخدام برمجيات ذكاء اصطناعي متخصصة ودقيقة وموثوقة تساهم في تجويد البحث مشيرة الى أنه “كما ان هناك أدوات ذكاء اصطناعي ليست موثوقة علينا التزام الحذر والتأكد من المعلومات التي تقدمها”.

العلوم الإنسانية : من تغيير الأدوات إلى تغيير الفكر
من جهتها، قدمت الأستاذة سهام النجار، أستاذة التعليم العالي والباحثة في الأنثروبولوجيا، رؤية إبستيمولوجية عميقة، معتبرة أن الذكاء الاصطناعي يُعدّ تحولا جذريا يعيد صياغة مناهج العلوم الإنسانية والاجتماعية. وأكدت أن الرهان الحقيقي يكمن في الحفاظ على “اليقظة النقدية” لضمان عدم ذوبان الوعي البشري في العمليات الرقمية “المعتمة” والآلية، ليظل العقل هو المراقب والموجه لهذه التكنولوجيا وليس تابعاً لها.
التكوين الجامعي: كسر حاجز “التوجس” لدى الطلبة
وفي شق التدريس الأكاديمي، دعا الأستاذ المحاضر ونائب مدير الدراسات بالمعهد، حبيب بن بلقاسم، إلى دمج مهارات الذكاء الاصطناعي بصفة رسمية في برامج دكتوراه علوم الإعلام والاتصال. وأشار إلى ضرورة كسر “حالة التوجس” والخوف لدى الطلبة من استخدام هذه الأدوات، من خلال مرافقة بيداغوجية تحول الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة بحث فعالة تحت إشراف وتوجيه الأستاذ المؤطر.
النقاش التفاعلي: التثبت العلمي كشرط للسلامة
خلال الجلسة، أثارت الأستاذة لمياء بن حسين (معهد الصحافة) تساؤلات محورية حول سبل الاستخدام الفعلي والآمن لضمان صلاحية البيانات. وفي ردّها عن بعض هذه التساؤلات، أكدت الدكتورة هندة الفقيه على ضرورة “الحذر الأكاديمي”، موضحة أن الأدوات ذات الموثوقية العالية المُستخدمة في مراكز البحث تتطلب دائماً تدقيقاً بشرياً مباشراً قبل اعتماد نتائجها.
وفي السياق ذاته، شددت الأستاذة سهام نجار على الدور التوجيهي للأستاذ في عصر الرقمنة، مؤكدة أنها تحث طلبتها باستمرار على التدقيق المنهجي وعدم الاكتفاء بنقل المعلومات، مع إلزامية توثيق المصادر عبر وضع الروابط المباشرة وذكر أسماء الباحثين كاملة والتثبت القطعي من مصداقية المواقع لضمان الأمانة العلمية.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على ضرورة تحديث الأطر المنهجية لمواكبة التسارع الرقمي، مع التشديد على أن قوة البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي لا تستمد من سرعة الآلة، بل من دقة التدقيق البشري والقدرة على تطويع التكنولوجيا لخدمة المعرفة الإنسانية بوعي ومسؤولية.
صور : معهد الصحافة
* طالبة بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار