كثمّة مشاهد لا نكتفي بتتبعها بأعيننا بل نعيش كل تفاصيلها، لأنها حينما تمر أمامنا لا نعود كما كنا، فهي تُربككنا، وتُخرسنا، وتضعنا في مواجهة هشاشاتنا الخاصة.
هذا ما فعلته منجية الطبوبي في “الخطيفة” لسوسن الجمني، وما أعاد تكثيفه يونس الفارحي وسوسن معالج في “المطبعة” لمهدي هميلي.
هنا، لا نتحدّث عن أداء جيّد فحسب، بل عن فنّ التقمّص في أقصى تجلياته بما يعني أن يخلع الممثل جلده اليومي ويرتدي روحا أخرى، كاملة التفاصيل، وكاملة الألم.
في “الخطيفة”، بدت الأمّ التي أدّتها منجية الطبوبي كأنها خارجة من بيتٍ نعرفه، لم تكن مجرد انعكاس لشخصية مكتوبة على ورق، بل امرأة من لحم الانتظار ودم القلق.
والمشاهد التي جمعتها بأبنائها لم تُبنَ على الصراخ أو الخطابة، بل على تلك المسافة الدقيقة بين العتاب والحب.
كانت تنظر إليهم كما تنظر أمّ تعرف أن قلبها موزّع بينهم، وأن الخوف عليهم قدرٌ لا يُقاوَم وفي كل التفاتة رأس، في كل تنهيدة قصيرة، كان ثقل السنوات واضحا.
إلا أن الذروة جاءت في المشهد الأخير داخل المستشفى العمومي، هناك، أمام برودة الجدران ورداءة المنظومة الصحية، تجلّى الألم بلا مكمّلات، لم تحتج الطبوبي إلى جملة طويلة لتقول إن الجسد ينهار وكان وجهها النصّ.
نظراتها المتقطّعة، انكسار الجفن، حركة يد تبحث عن يدٍ أخرى ثم تتراجعها، صوتها المتقطع وهي تنادي ابنتها (أمينة البديري)كلّها إشارات دقيقة لامرأة تقف بين الاحتضار والانتظار.
لم يكن الموت حدثًا فجائيًا، بل مسارا بطيئا قرأناه في ملامحها قبل إعلانه.، فقد حملت عيناها سؤالا أخيرا، ومزيجا من خوف واستسلام، ثم سكينة خفيفة تشبه الاعتذار.
ذلك هو فنّ التقمّص أن تجعل النهاية تبدو طبيعية إلى حدّ الوجع، وأن تحوّل لحظة الموت إلى درس في الاقتصاد التعبيري.
على الضفة الأخرى، في “المطبعة”، يأخذنا مهدي هميلي إلى منطقة أكثر التباسا وهي الزهايمر، حين لا يسرق الذاكرة فقط، بل يسحب من الإنسان طريقته في أن يكون.
سوسن معالج لم تؤدِّ المرض، بل تماهت معه، فقد رأينا الارتباك في نظرتها قبل أن نسمعه في صوتها، فلحظة نسيانها كيف تأكل لم تكن استعراضًا دراميًا، بل انكسارًا داخليًا عميقًا.
يدٌ تتردّد، فكرة تعلق في الهواء، عينان تبحثان عن معنى الفعل البسيط… كأن الجسد خان صاحبته فجأة وهنا يتجلى التقمّص في أدقّ صوره وهي تحويل فعل يومي عادي إلى مأساة صامتة.
إلى جانبها، كان يونس الفارحي فيضا من الحنان، لم يبالغ، لم يرفع صوته، لم يحتكر المشهد، اقترب بلطف، لمس بخوف، وسند دون أن يقتحم أنفتها.
حتى طريقته في نطق اسمها كانت محمّلة بعاطفة شفيفة، كأن الحروف نفسها تخشى أن تكون جارحة، سيل من الرأفة تدفق في مشهد واحد تجلى فيه تمكن الفارحي ومعالج من فن التقمص.
العلاقة بينهما لم تنبني على كلمات كبيرة، بل على صمت مشترك، على ارتباك متبادل، على إدراك مرير بأن الإنسان قد يضيع أمامك تدريجيا، ولا يملك إلا أن تكون صابرا مصطبرا.
وما يجمع بين الممثلين الثلاثة هو وعي عميق بأن الدراما ليست بكاء مرتفعا، بقدر ماهي صدق داخلي، منجية الطبوبي في مواجهة موتٍ يقترب، وسوسن معالج في مواجهة ذاكرة تتآكل، ويونس الفارحي في مواجهة عجزٍ لا يُحتمل، جميعهم اختاروا الطريق الأصعب.
هذا الطريق يقوم على الاقتصاد، والكثافة، والإيمان بأن الكاميرا يمكن أن تلتقط ما تعجز الكلمات عن شرحه بشكل يجعلنا نستشعر اللوعة وننصهر معها.
وفنّ التقمّص في ما سبق ليس حيلة تقنية، بل موقف أخلاقي من الشخصية، واحترام لمعاناتها، فالشخصية التي تؤديها منجية الطبوبي في “الخطيفة” استعارة عن كل اللذين رحلوا وهم ينتظرون الخلاص.
وأما شخصية سوسن معالج في “المطبعة” فهي امتداد لكل الأرواح التي تتعثّر في تفاصيل الحياة اليومية فيمل تحاكي الشخصية التي يؤديها يونس الفارحي كل من يحاولون التعايش مع واقع أليم.
ومشاهد هذه الشخصيات تعكس أن التمكن من خيوط التمثيل يصنع الفارق بين أداء عابر وأداء يُرسّخ أسماء أصحابه في الذاكرة ويذكرنا بأن فن التقمص حينما يتوشح بالصدق يهز ذاكرتنا أحيانا ويربت على قلوبنا أحيانا أخرى.