في ندوة تكريمها ضمن الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، لم تنظر منى زكي إلى مسيرتها كسلسلة من النجاحات والأدوار التي رسخت حضورها في السينما المصرية.
كانت تستعيد أسئلتها الشخصية والمهنية، وتكشف عن علاقتها المعقدة بالشخصيات التي أدّتها، وبالاختيارات التي خاضتها، وبالصورة التي تتشكل عنها خارج الشاشة.
وحديثها عن ميزة التمثيل باعتباره مساحة تسمح للإنسان بأن يكون ضعيفاً ومكشوفاً نفسياً من دون خجل من أبرز ما جاء في ندوتها.
وهذه الفكرة تتجاوز تعريف المهنة إلى ما تمنحه للممثل من حرية في مواجهة مشاعره، والاقتراب من مناطق قد يصعب عليه بلوغها في حياته اليومية. فالتمثيل، وفق هذا التصور، ليس إخفاءً للهشاشة خلف الشخصية، هو فرصة لاختبارها والتعبير عنها، وتحويلها إلى مادة فنية.
ولعل هذا التصور يفسر جانباً من علاقتها بالأدوار التي تختارها، كما يضيء التوتر الذي يرافق ظهورها أمام الجمهور، خصوصاً حين تتجاوز ردود الفعل حدود مناقشة العمل الفني إلى محاكمة الممثلة نفسها.
فقد عادت منى زكي إلى الهجوم الذي تعرضت له على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مشهد في فيلم “أصحاب ولا أعز”، مؤكدة أنها لم تقصد إيذاء أحد، وأن ما تقدمه يظل في النهاية تمثيلاً.
وأعلنت تمسكها بمواصلة العمل في مهنة التمثيل، قائلة إنها لا تزال تملك الكثير مما تريد تقديمه.
لا يبدو هذا الإصرار منفصلاً عن حديثها عن الخوف، الذي ترى أنه قد يتحول، إذا ظل حبيس النفس، إلى مصدر للاضطرابات والأمراض النفسية.
وبين التصريحين تتشكل مفارقة لافتة، ممثلة تعترف بالخوف، لكنها لا تريد أن تجعله حداً نهائياً لاختياراتها، تدرك أثر الأحكام العامة، لكنها لا تعلن استسلامها لها.
وفي حديثها عن أدواتها في بناء الشخصيات، خلال الندوة التي سيرها المخرج محمد ياسين، كشفت منى زكي عن طريقة عمل لا تقوم على حفظ الحوار مبكراً بقدر ما تعتمد على التقاط المفاتيح التي يتيحها السيناريو، سواء كانت جملة بعينها أو تفصيلاً يساعدها على فهم الشخصية من الداخل.
وقالت إنها لا تحب حفظ السيناريو قبل التصوير بوقت طويل، لأنها تخشى أن يفقد الحوار معناه بفعل التكرار، مفضلة تأجيل الحفظ إلى اللحظة الأخيرة، حتى يظل الأداء مرتبطاً بإحساسها بالموقف. وهي طريقة تراهن على عفوية الاستجابة وعلى أن تخرج الكلمات من داخل الشخصية، لا أن تبدو استعادة آلية لنص محفوظ.
لكن هذا الخيار، كما أقرت، قد يزعج بعض العاملين معها. وهنا يظهر وجه آخر من وجوه تجربتها، الممثلة التي تبحث عن الصدق في الأداء، حتى حين تتطلب طريقتها مساحة من التوتر أو الاختلاف داخل موقع التصوير. فالصدق الذي تتحدث هو حصيلة علاقة بين النص والإحساس واللحظة التي يُستدعى فيها الحوار.
أما علاقتها بالمخرج، فتختصرها في شرطين أساسيين هما المحبة والثقة. وهي لا ترى أن العمل مع مخرج لا تثق به أمر يسير، لأنها تخشى حينها على صورتها في شاشة المراقبة، بما يحمله ذلك من شعور بعدم الأمان أمام عين أخرى تتولى توجيه الأداء وتحديد صورته النهائية.
في استعادتها للفنان الراحل أحمد زكي، ابتعدت منى زكي عن الحديث التقليدي عن قيمة فنان كبير في تاريخ السينما المصرية، لتكشف عن علاقة أكثر حميمية. فقد قالت إنها كانت تشعر بأنه يشبه أباها لأسباب عدة، من بينها شكل يده وأصابعه حين كان يمسك بيدها، مستحضرة عادة والدها في الإمساك بيدها أيضاً.
تفصيل صغير، لكنه يكشف كيف يمكن للذاكرة الشخصية أن تتسلل إلى علاقة الممثل بزملائه، وكيف تتحول ملامح جسدية عابرة إلى جسور بين الحاضر والماضي. لم تكن استعادتها لأحمد زكي تحية لفنان شاركته العمل، كانت عودة إلى إحساس بالأبوة والألفة ظل مرتبطاً في ذاكرتها بلمسة اليد.
وفي المقابل، تحدثت عن زوجها أحمد حلمي، مشيرة إلى هدوئه في المنزل، وأنه ليس كوميدياناً في حياته اليومية كما قد يتخيله الجمهور. وهي ملاحظة تكشف الفارق بين الصورة التي يصنعها العمل الفني عن صاحبه، وبين الشخص الذي يعيش بعيداً عن الأضواء.
وفي ما يخص اختياراتها الفنية، لم تقدمها منى زكي على أنها قرارات لا تقبل المراجعة. فقد أقرت بأنها لم تحب الشخصية التي أدتها في فيلم “سهر الليالي”، لأنها وجدتها ضعيفة، كما تحدثت عن ندمها على فيلم “الست”، بسبب شعورها بأن أشخاصاً كثيرين من فريق العمل تضرروا بسببها.
وفي حديثها عن تقديم شخصيتي السندريلا وأم كلثوم، وصفت التجربتين بالمغامرة، مؤكدة حبها للتجريب ومحاولتها تقديم أفضل ما لديها حتى آخر نقطة.
وبين المغامرة والندم، تمثل مسيرتها، تجربة تتضمن قرارات صعبة وأسئلة لا تنتهي بانتهاء التصوير.
فالممثلة التي تخوض مغامرة أداء شخصية تاريخية أو فنية ذات حضور راسخ في الذاكرة الجماعية، تدخل في مواجهة مع توقعات الجمهور ومع الصورة السابقة للشخصية.
ولا يكفي في هذه الحالة أن تقدم أداءً متقنا، إذ تصبح مطالبة أيضا بالتعامل مع إرث ثقافي وانفعالي يصعب فصله عن تلقي العمل.
في ندوة تكريمها، بدت منى زكي واعية بأن الاختيار الفني لا ينفصل عن كلفته، وأن الرغبة في التجريب لا تضمن دائماً الوصول إلى النتيجة المرجوة. ومع ذلك، ظلت متمسكة بفكرة المحاولة، وهي الفكرة التي تتقاطع مع قولها إنها لم تنته بعد من الأشياء التي تريد تقديمها.
ولا تختزل ندوة تكريم منى زكي في الجونة مسيرتها في أدوارها على اختلاف نسب نجاحها، إذ تفتح نافذة على ممثلة مازالت تعيد النظر في تجربتها، وتعترف بما لم تحبه، وبما ندمت عليه، وبما تخشاه، من دون أن تتخلى عن رغبتها في مواصلة العمل.